رلى الحروب
الحوار المتمدن-العدد: 1640 - 2006 / 8 / 12 - 01:11
المحور:
الصحافة والاعلام
يتخصص الإعلام الغربي ومن يسير على مدرسته في صحافتنا المحلية والعربية في طرح القضايا الكبيرة من منظورات ضيقة للغاية بدعوى أنها منظورات إنسانية
تتضمن معاناة الأفراد العاديين في مناطق الصراع المنكوبة!!
ومن خلال تلك القصص المحدودة إنسانية الطابع التي تؤثر في المتلقي البسيط ممن لا خبرة له بألاعيب الإعلام يحاول الإعلاميون تمرير رسائل خطرة ومسمومة إلى الرأي العام وبشكل ضمني، تخاطب ما يمكن أن نسميه مجازا في علم النفس بالإدراك دون الواعي، لأن تلك الرسائل تمر دون معالجة معرفية حقيقية عميقة للمعلومات من قبل المتلقي، ولكنها مع ذلك تتسرب إلى مناطق أخرى للتأثير في مشاعره في المدى المنظور، وقراراته وقناعاته على المدى البعيد!!!
روبرت فيسك مراسل الاندبندنت البريطانية هو واحد من أولئك الإعلاميين الذين يدسون السم بالعسل، عبر تحقيقات ظاهرها متعاطف مع الماسي الإنسانية لشعوب المنطقة الفلسطينيين واللبنانيين، وباطنها ترويج لمقولات العدو الإسرائيلي ومبرراته الوهمية التي تلقي باللوم دوما على المقاومة باعتبارها منشأ العدوان الإسرائيلي "الدفاعي"!!!
هذه التقارير أكثر خطورة على المتلقي العربي والأجنبي من التقارير الإسرائيلية المنحازة بالكامل، لأن ظاهرها يبدو محايدا، في حين أن حقيقتها تتضمن كافة الرسائل التي يتضمنها الإعلام المنحاز ولكن بشكل أكثر ذكاء وإنسانية وجاذبية، فالنفس البشرية بطبيعتها تنفر من التلقين المباشر، وتفضل القصص لتمرير العبرة والعظة بدل الخطب والمحاضرات والأكليشيهات، ولعل ذلك يفسر فشل وسائل الإعلام التقليدية في بلادنا التي ما زالت مع الأسف تتعامل مع المشاهد بلغة التلقين وليس بلغة الحوار والقصص وحرية الاختيار الشكلية على الأقل!!!
في آخر تقاريره الصحفية بالأمس - كمثال – وكان يحمل العنوان المؤثر التالي: " ماذا تقول لرجل دفنت عائلته تحت الأنقاض؟" روى فيسك قصة بعض الأسر اللبنانية ومنها أسرة سائق تاكسي قتل جده وعمه وعمته تحت الأنقاض بعد أن هجروا الجنوب إلى بيروت، وقصة أسرة أخرى لبنانية يقبع ركناها: الأم والأب في المستشفى بعد أن قتل ثلاثة من أطفالهما الأربعة إثر قصف إسرائيلي على بنايتين في بيروت .
بعد تلك البداية التي تجر القارئ في اتجاه يعتقد فيه أن كاتب التقرير متعاطف، يمضي فيسك إلى غايته الحقيقية ليقول: في هذا الجو المرعب المخيف أمام أطلال البنايتين وأجساد الموتى والمصابين، سألني رجل ضخم سمين من رجال حزب الله عن هويتي الصحفية، وبعد أن قرأ الاسم أعادها لي بعد أن فقد الاهتمام!! بعد دقائق ، قبض الرجل ذاته على شاب صغير يرتدي قميصا أصفر، وأمسك به من خناقه وألقى به رغم إرادته، في سيارة بمعاونة عدد من الرجال السمان الضخمين !!!
وبعد أن يترك القارئ العادي ليرسم تلك الصورة المستفزة في خياله والتي تشعره بالحنق على رجال حزب الله " السمان الضخمين" الذين يتعاملون بغلاظة مع الشباب اللبنانيين – وهي صورة مفتعلة وغير حقيقية يمكن أن يدلل على افترائها أي مواطن لبناني وطني تعامل مع أي عنصر من عناصر حزب الله - يتفضل فيسك بتبرير تلك الصورة قائلا: إن الجميع هنا يبحثون عن الخونة والعملاء الذين يطلون بيوت لبنان وعماراته بلون معين من الطلاء ليدلوا الطائرات الإسرائيلية على بيوت رجال المقاومة وأسرهم!!!!!
وهنا تأتي ثاني الرسائل الخطرة في تقرير فيسك التي تسعى إلى إيقاع الفتنة بين اللبنانيين سواء كانت صادقة أم كاذبة!!!
هل لكم أن تتخيلوا معي ما هو لون وجنس ودين وطائفة هذا اللبناني الذي يطلي بيوت الجنوبيين بلون معين ليدل عليهم طائرات العدو؟!! وما هو شعور اللبناني الجنوبي حين يعلم أن أطفاله قتلوا في تلك الغارة، وأن أسرته كلها باتت تحت الأنقاض ليس بفعل الطائرات الإسرائيلية، بل بفعل العملاء الذين يدلون العدو على بيوت الجنوبيين؟!!!!!!
يستمر فيسك في قصته الإنسانية المزعومة ليروي على لسان أحد الضحايا مرور شاب مراهق على دراجته النارية من تحت إحدى طائرات الاستطلاع الإسرائيلية بدون طيار، ثم إطلاقه بضع طلقات من مسدسه عليها وفراره بسرعة، ليمرر بعدها رسالته الثالثة والأخطر وهي أن قوات العدو قامت بعد وقت قصير بقصف البنايتين القائمتين في الشارع الذي مر منه ذلك الشاب الذي يريد أن يثبت رجولته الغبية على حد وصف فيسك!!!!
وينتهي فيسك إلى عبرتين يقررهما بشكل مباشر في نصيحتين:
الأولى: لا تطلق الرصاص على طائرة استطلاع بدون طيار!!!! وهي دعوة مبطنة ساخرة إلى إيقاف المقاومة لأنها غير مجدية وهزلية من وجهة نظر فيسك!!!
والثانية: لا تظن أن إسرائيل ستهتم لقصف بيتك وقتل أسرتك طالما التقطت
راداراتها وجود رجل يحمل مسدسا!!!! وفي هذا تحريض صريح للمدنيين على طرد أي رجل يصادفونه من رجال المقاومة لأنه سيتسبب في موتهم، وتبن سافر لدعاوى إسرائيل الكاذبة بأنها لا تقصف إلا ما تلتقط راداراتها إشارات لوجود مسلحين بقربه أو منصات لإطلاق الصواريخ كما حدث في كل مجازرها التي استهدفت المدنيين في الشياح وقانا وغيرها، وهي الحجة التي لم يستطع مجلس الأمن الدولي ابتلاعها لصعوبة هضمها حتى على المعدة المنحازة!!!!
إخفاق الإعلام العربي هو ما يفتح الباب أمام مثل هذه التقارير المسمومة لتلقى رواجا ليس بين الغرب المنحاز فحسب، بل بين ظهرانينا مع الأسف!!!
متى نستيقظ ونمارس تفكيرا ناقدا فيما يرد إلينا من تسونامي المعلومات والأخبار لنحصن أنفسنا ضد الرسائل الخفية؟! ومتى يكون لنا إعلام عربي وإسلامي مماثل في الغرب يوظف كافة الإمكانات للتأثير في الرأي العام العالمي الذي خلافا للرأي العام العربي يملك أن يغير قرارات حكوماته؟!!!
#رلى_الحروب (هاشتاغ)
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟