داود أمين
الحوار المتمدن-العدد: 1548 - 2006 / 5 / 12 - 10:18
المحور:
المجتمع المدني
الان وقد عاد كل منا - نحن مثقفو الخارج - الى بيته , والى ( وطنه البديل ! ) هل بإمكاننا أن نرسم صورة محايدة وموضوعية عن الفعالية الثقافية لمؤسسة ( المدى ) وعن مهرجانها الثقافي الرابع , الذي أقيم لآول مرة على أرض العراق , وفي عاصمة إقليم كردستانه ( أربيل ) .
أعتقد أن أي مثقف منصف , ساهم في المهرجان , أو حتى تابع نشاطاته واخباره , عبر وسائل الاعلام المتنوعة , سيسجل تقييماً إيجابياً كبيراً لصالح المهرجان والمساهمين فيه والقائمين عليه والنتائج التي تمخض عنها . فأن تجمع اكثر من 500 مثقفاً عراقياً وعربياًوأجنبيا , لكل منهم مزاجه و( نرجسيته ) في فعالية واحدة , وفي ظرف سياسي وأمني مُلتبس كالذي يعيشه العراق, هو وحده إنجاز لصالح الفعالية والمنظمين لها .ً
لقد سجل المهرجان الثقافي الرابع للمدى سابقة , لم ينتبه لها الكثيرون , في حين أنها تكفي , ولوحدها , لتكون عنواناً لنجاحه الآكيد , وهذه السابقة هي ( وطنية ) المهرجان و ( عراقيته ) في ظرف غاب فيه الوطن , وغامت فيه صورة العراق ! فالقوى السياسية الفائزة في مجلس النواب , تتصارع ومنذ أربعة أشهرمن أجل تثبيت إستحقاقاتها الحزبية والطائفية والفئوية وإنتزاع أكبر قدر من الغنائم والآمتيازات . أقول في نفس هذا الوقت كان المثقفون العراقيون المشاركون في المهرجان , ومن جميع محافظات العراق وقومياته وأديانه ومذاهبه , يجتمعون ويتحاورون دون أن يتبادر لذهن أحدهم أن يسأل من يحاوره عن دينه أو قوميته او حزبه أو طائفته !! لقد أثبت المثقف العراقي هويته الوطنية والديمقراطية , وإنتصر بعراقيته على تقسيمات السياسيين وتشرذمهم وتكتلاتهم , ولذلك يمكن القول أن ألآمل كبير, عندما يأخذ المثقف العراقي دوره , ويفسح المجال أمام نشاطه ألآبداعي , في أن يكون شمساً تفتت سحب الطائفية والتقسيم والتشرذم !
لقد عُقدت مهرجانات ( المدى ) الثلاثة السابقة , قبل سقوط النظام , في العاصمة السورية دمشق , وكان معظم المساهمين فيها من المثقفين العرب , مصريين وسوريين ولبنانيين ومغاربة ... الخ مع عدد قليل من المثقفين العراقيين , لآسباب يعرفها الكثيرون . في حين ميزة هذا المهرجان الرابع , إنه يعقد فوق أرض عراقية هي كردستان العراق , وبحضور عراقي يتعدى ال95% , كما أن الحضور العراقي الكبير زاوج بين مثقفي الداخل ومثقفي الخارج , وأن مساهمة مثقفي الداخل لم تقتصر , كما كان شائعاً , على نخب العاصمة بغداد , بل كان حضور مثقفي المحافظات واضحاً وأساسياً وفاعلاً .
لقد كانت إدارة المهرجان , ممثلة بالصديق فخري كريم , وطاقم المدى الذي عاونه , ناجحة الى حد كبير في إنجاز ما رُسم للمهرجان , وما تضمنه برنامجه من فقرات , فالأستاذ فخري كريم , كان موجوداً في كل الفعاليات , رغم تنوعها وكثرتها , كان يتنقل ويتفقد ويتابع ويساهم , ويحل المشاكل الصغيرة بحكمة وهدوء , ويذلل الطلبات الخاصة , وهي لا تنتهي للكثيرين , وقد بدى لي أكثر صبراً مما أعرفه عنه , وهذه ميزة جديدة تُحسب لصالحه !!
وإذا إستثنينا السيد فخري كريم , وما بذله من جهد غير عادي في جمع هذا الحشد الهائل من المثقفين , وفي إستخدامه المدهش لعلاقاته العامة مع مسؤولي ألاقليم وقادته لآنجاح الفعالية . فلا ينسى المساهمون الآختين الرائعتين غادة جوني وغادة العاملي , فقد ذللت هاتان الطيبتان الكثير من المصاعب , وتميزتا بطيبة وحنان عراقي نادر في هذا الزمن الشحيح ! ومن المؤكد أن هناك أخرين من أسرة المدى , ربما بينهم ألآخ عبد الزهرة زكي وغيره , كانت لهم أدوار أخرى في إنجاح الفعالية , إلا أنه لم يتسن لي معرفتها .
كانت فكرة عقد مهرجان المدى الرابع في كردستان العراق , مطروحة منذ العام الماضي , لما تتمتع به المنطقة من أمن وسلام , ولكن ظروفاً سياسية وإجرائية حالت دون عقده حينذاك , لذلك فأن موضوع عقد المهرجان في الموعد الذي عُقد فيه الآن , لم يكن مفاجئاً للكثيرين , خصوصاً أؤلئك الذين فوتحوا بالمساهمة فيه منذ العام الماضي . وأعتقد أن إختيار نهاية نيسان موعداً للمهرجان كان مقصوداً , فالفصل ربيع وكردستان ومدنها تعيشان بهجة الطبيعة الفائضة بالخضرة وكرم الآلوان , كما أن إدارة المهرجان ربما فكرت أن أشهراً أربعة ستكون قد مرت على إنتخابات مجلس النواب , ومن المؤكد أن حكومة عراقية جديدة ستكون قد تشكلت !!
الدعوة للمهرجان وصلت مبكرة للمندوبين , على ألآقل بالنسبة لنا نحن في الخارج , كما إن المحاور والموضوعات وصلت مبكرة أيضاً , ولذلك كان لدينا الوقت الكافي للمساهمة في المداخلات وإرسالها لمنظمي الفعالية في وقتها المحدد , كما أن تنظيم مواعيد السفر في الذهاب والاياب كانت جيدة ومناسبة , وفي مطار أربيل حيث حطت الطائرة العراقية الخاصة التي نقلتنا من العاصمة الآردنية عمان , أستقبلنا بحفاوة كبيرة من قبل مسؤولي الآقليم ووسائل الاعلام وممثلي مؤسسة المدى . وفي فندق الشيراتون كانت الغرف محجوزة بإسماء نا , بل لقد تم تغيير الاسماء حسب رغبة كل منا في من يشاركه الغرفة !
الفعاليات الاساسية للمهرجان تمت في قاعة ( ميديا ) التي لا تبعد سوى دقائق عن الفندق لمن يرغب في التمشي ولا يريد إستخدام السيارات الجاهزة للنقل . أما عرض الافلام وجلسات الحوار المتنوعة , فقد تمت في قاعات الفندق نفسه وهي كثيرة وتقع في مختلف طوابقه . عروض المسرح كانت في ( النادي الثقافي الكلداني ) في عينكاوة , وكذلك معرض الكتاب ومعارض التشكيل والفقيد مؤيد نعمة وفوتغراف الاطفال والفلكلور فقد أقيمت في بارك اربيل .
خدمات الفندق كانت أكثر من جيدة , وكان هناك بذخ في كميات وأنواع الاطعمة التي كانت تقدم .اما عن حماية الفندق وقاعة ميديا وقاعات وأمكنة النشاطات فكانت تبعث على الاطمئنان , فقد تم تجنيد عشرات من قوات الشرطة والجيش التابعة لسلطة الاقليم لتوفير الامن والطمأنينة للمشاركين في المهرجان .
المسؤولون الكردستانيون كانوا حاضرين في جميع الفعاليات , ففي اليوم الآول كان السيد مسعود البرزاني رئيس الاقليم بالاضافة للسيدة هيروخان , زوجة الرئيس جلال الطالباني , في حفل الافتتاح , مع عدد من وزراء الاقليم , كما دعى السيد مسعود البرزاني المساهمين في يوم أخر لغداء خاص . اما بقية الايام فقد كان عدد من وزراء الاقليم حاضرين في جميع الفعاليات , كما كانت وسائل الاعلام الكردستانية حاضرة أيضاً , بل كانت تعمل خارج زمن الفعاليات , في ساعات تناول الطعام وفي الاستراحات , تجري اللقاءات وتعقد الحوارات مع مختلف المساهمين , وتقوم ببثها مساءاً أو في اليوم التالي !
أما في السليمانية , فقد إستقبل السيد جلال الطالباني رئيس الجمهورية المساهمين واحداً بعد أخر , واجرى مع الجميع لقاءاً مطولاً تميز بالصراحة والشفافية وبروح الدعابة التي لم نعهدها نحن العراقيين في وزير أو مسؤول ناهيك عن رئيس دولة ! كما إستقبلت السيدة هيروخان المشاركين في أكثر من لقاء , ووجهت للمشاركين دعوات خاصة للغداء والعشاء , وحضرت جميع النشاطات الثقافية التي أقيمت في السليمانية , وهي كثيرة ومتنوعة !
هل حقق المهرجان أهدا فه المرسومة ؟
أعتقد أن أهم هدفين للمهرجان تم تحقيقهما, منذ اللحظة ألآولى لآفتتاحه , ويتمثل الهدف ألآول في عقد المهرجان على أرض الوطن , والهدف الثاني في الحضور الواسع للمثقفين العراقيين , وفي هذا المزج الجميل بين مثقفي العراق الذين أضطروا لمغادرة الوطن والذين بقوا فيه , وجمع هذه ألآجيال المختلفة من المبدعين , ومن مختلف ألاختصاصات . أما إذا تعمقنا في التفاصيل , فإن المهرجان أنجز مناقشة جميع المحاور وألآوراق التي هيئها للفعالية , فبعد ألافتتاح الرسمي كانت مادة ( الواقع الراهن للحياة الثقافية في البلدان العربية ) موضوعا ًلثمانية من المثقفين العرب , وهم كريم مروة وفريدة النقاش وعباس بيضون وعبد الفتاح فتحي وشوقي جلال ومنى فياض وحسين عبد الرازق وطه خليل , الذين قدموا مداخلات مستفيضة إستدعت مناقشة المثقفين العراقيين , ومساهمتهم الفاعلة في الحوار. وفي اليوم التالي تركز النقاش حول مشروع ( المجلس الاعلى للثقافة ) الذي قوبل بمختلف الاراء المؤيدة والمعارضة , والتي تمخضت في النهاية عن إقراره , حيث أنتخبت من بين المساهمين لجنة تحضيرية أخذت على عاتقها إدارة الحوار ومتابعة تفاصيل المشروع , وهو ما أعتبره واحداً من أهم إنجازات ألآسبوع وأكثرها أثراً على مستقبل الثقافة العراقية , فالمجلس ( أو أي تسمية أخرى يُتفق عليها ) سينتخب قيادته في مؤتمر خاص , وسيقوم برعاية النتاج الثقافي والابداعي للمثقفين العراقيين , دون وصاية أيديولوجية من أي جهة خارجه , كما يعمل على إنشاء صندوق للتكامل الاجتماعي , واعتماد مبدأ التفرغ ضمن مواصفات تُحدد لاحقاً, كما سيُنشيء مراكز للابحاث والدراسات والتوثيق والارشفة في جميع حقول الثقافة التي يغطيها , ولا علاقة للمجلس المقترح بمؤسسة المدى ولا بصاحبها السيد فخري كريم الذي أعلن أمام الجميع أنه مكتف بمسؤولية مؤسسة المدى فقط , وانه غير راغب بمنصب وظيفي أو ثقافي اخر!!.
كما انجز المهرجان أيضاً مشروع ( صندوق التنمية الثقافية )وهو منظمة غير حكومية تقدم منحاً شهرية لمئات المثقفين , وبمساعدة سخية من حكومة إقليم كردستان . ومن أبرز إنجازات المهرجان أيضاً, ألآتفاق على مشروع ( البيت العربي الكردي للثقافة والفنون في أربيل ) حيث خصص السيد نجيرفان البرزاني , رئيس وزراء الاقليم , قطعة أرض مساحتها 10 الاف متر مربع ليقوم المشروع على نصفها , في حين يخصص النصف الثاني لل ( المركز القومي للدراسات في اربيل ) كما تم تخصيص أسرة خاصة للمثقفين في المستشفيات التخصصية في الاقليم , وتم الحصول على أكثر من دار استراحة للمثقفين وعوائلهم في شقلاوة ومدن كردستانية اخرى .
هذا وتحولت الطاولة الاقتصادية التي افتتحت في المهرجان لمركز إستراتيجي قيد التأسيس , وسيقوم هذا المركز بإصدار مجلة فصلية إقتصادية . وفي مجال السينما نوقشت واقرت فكرة اقامة مهرجان سينمائي دولي سنوي في كردستان .
اما الموائد المستديرة للحوار فقد إغتنت محتوياتها بمساهمات المحاضرين والمداخلين , وبأراء الجمهور المشارك , وقد تميزت بالحرية والشفافية وبالحوار الصريح .
وبعد إنتهاء اعمال المهرجان في أربيل , يمكن اعتبار نشاطات مدينة السليمانية التي توجه لها المشاركون في اليوم التالي , إمتداداً للمهرجان أو مهرجاناً ثقافياً مكملاً, إذ كانت هناك حفلات موسيقية ومعارض تشكيلية وفنية وعروض للافلام .
ومن الضروري الاشارة للمشاعر الرائعة لجماهير الشعب الكردي التي غمرت بها المندوبين , فالابتسامات العذبة كانت تزين شفاه الجميع , والكلمات الرقيقة كانت هي الطاغية في الاسواق وعند الباعة , لقد أثبت الشعب الكردي من جديد على طيبته وتسامحه ونبل أخلاقه .
#داود_أمين (هاشتاغ)
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟