محمد برازي
(Mohamed Brazi)
الحوار المتمدن-العدد: 6287 - 2019 / 7 / 11 - 02:28
المحور:
التربية والتعليم والبحث العلمي
أتساءل أحيانا: ألم نصبح دنيويين في بعض الأمور أكثر من اللزوم؟ فهل صارت الرياضة والأمور التجارية والاهتمامات المالية تملأ قلوبنا أكثر من اللازم؟ فهذه أمور دنيوية واضحة، بحيث أنها تغوينا وتلهينا. ويوجد أيضا خطر في أن تصبح الهبات التي يهبها الله لنا، مثل جمال الطبيعة أو مباهج الحُبّ البشري بشتى أنواعه، بديلا عن اختبارنا الحقيقي للمسيح، وتأخذ محلّه.
تظهر الرسالة إلى العبرانيين في الإنجيل بصورة واضحة، أن يسوع تعرّض للتجربة تماما مثل أي إنسان آخر. (عبرانيين 2: 18) وعندما جُرِّب يسوع في البرية، جاء الشيطان إليه واستعمل كلمات من الكتاب المقدس لإغوائه. ولم يعرفه يسوع إلا بعد التجربة الثالثة، فقال له: «إِبتَعِدْ عنّي يا شَيطانُ!» (متى 4: 1-10)
كانت فكرة تجريب يسوع تبدو لي في السابق نوعا من التجديف. أما الآن فأرى المسألة كما هي عليه دون أي شك: لقد جُرِّب يسوع فعلا مثل أي إنسان آخر. فهذا ما يقوله الإنجيل. (عبرانيين 4: 15) ورغم ذلك، من الواضح أن يسوع لم يخطئ مطلقا، لأنه كان معصوما من الخطيئة.
أين تنتهي حدود التجربة وتبدأ الخطيئة؟ لو كنا نتعذّب من جراء الأفكار الأثيمة التي تنتابنا، أو كان الشيطان يحاول إغوائنا بها، فهذا بحد ذاته لا يُعتبر اقتراف خطيئة. فلو انتابتنا فكرة جنسية غير شريفة على سبيل المثال، وقمنا برفضها، فهذه ليست خطيئة. أما لو اشترينا مجلة بذيئة للانغماس في التخيّلات الجنسية، فهذه خطيئة.
فالسؤال هو: ماذا نفعل عندما نتعرض للتجارب؟ (يعقوب 1: 13-15) وأي موقف نتخذ؟ والجواب نراه هنا: فعندما جَرَّب إبليس يسوع، كان يسوع يردّ عليه في كل مرة. فهذا ما ينبغي علينا أن نصلّي من أجله: أن نردّ على كل تجربة.
لن تصبح حياتنا خالية كليّا من التجارب أبدا – حتى أننا يجب أن لا نتوقع ذلك؛ فلم يصل الناس إلى هذه الحالة، حتى يسوع نفسه لم يصل إلى ذلك. ولكن ينبغي أن نسأل الله أن يحمينا أثناء التجارب، وأن يعطينا الردّ الصحيح على المُجَرِّب في كل مرة.
مهما أُشدِّد على النقطة التالية، فلن أوفيها حقّها الكامل: عندما تتباهين بقوامكِ أو بشعركِ، أو تلبسين بطريقة لإغواء شخص آخر، ليلقي نظرة غير شريفة إليكِ، فإنكِ تقترفين خطيئة تستحق التأديب الكنسي. ويقول يسوع في الموعظة على الجبل: إنّ كل من ينظر بشهوة يُعتبر مذنبا، ولكنكِ لو أدخلتِ شخصا آخر إلى تلك التجربة بمحض إرادتكِ وعمدا، فأنتِ تحملين الذنب نفسه.
يصف بولس الرسول في الإنجيل معركة المؤمن مع الأفكار الشريرة كمعركة منتصرة، عندما يقول: «نَأْسِرُ كُلَّ فِكرٍ ونُخضِعُه لِطاعَةِ المَسيحِ.» (2 كورنثوس 10: 5) ويُسَلِّم الرسول بولس بأنه من البديهي أن يكون لدى الناس شتى أنواع أفكار الجدل والعراقيل ضد إرادة الله في أذهانهم، ولكن يجب أسرها وإخضاعها لطاعة المسيح. ويجب علينا جميعا خوض هذه المعركة. لذلك، ينبغي أن لا نستغرب لو جاءتنا التجربة: فهي جزء من الحياة.
إنّ الشيء الرائع في كلام بولس الرسول، هو قناعته بأن أسر هذه الأفكار لطاعة المسيح أمر ممكن. أما النصر فليس سهلا دائما طبعا. فيجب أن نواجه الحقيقة، وهي أن حربا بين الخير والشر مشتعلة باستمرار في سبيل إنقاذ البشرية جمعاء. فهي قائمة منذ سقوط الإنسان، وبالأخص منذ موت المسيح على الصليب، ونزول الروح القدس يوم الخمسين على جماعة التلاميذ الأولين. فلو كان هناك من يتعذب بسبب أفكار شريرة،
فليتذكر أن المعركة الروحية أكبر بكثير من تلك التي في قلبه، حتى أنها أكبر من عذاب الكنيسة كلها.
إنّ العدو حقيقي جدا، ولو أدركنا هذا، لما أصبحنا فاترين في حياتنا. غير أن المسيح حقيقي أيضا، ولكي نحصل على تحرّر حقيقي للقلب، فنحن بحاجة إلى التعرُّف عليه واختباره.
نحن نعلم من الرسالة إلى العبرانيين في الإنجيل أن يسوع قد جُرِّب كما نُجرَّب نحن؛ (عبرانيين 4: 5) وهو لم يَقترف خطيئة طبعا، ولكنه يفهمنا عندما نخوض التجربة، ويفهم ضيقنا بها. فينبغي أن يعلم الجميع – كل أخ وكل أخت، وكل شخص صغير أو كبير – بأن لدينا كاهن أعظم، وملك، ومعلم يُبدي تفهُّما لنا. فتقول الرسالة إلى العبرانيين 5: 7 ما يلي: «وَالْمَسِيحُ، فِي أَثْنَاءِ حَيَاتِهِ الْبَشَرِيَّةِ عَلَى الأَرْضِ، رَفَعَ أَدْعِيَةً وَتَضَرُّعَاتٍ مُقْتَرِنَةً بِصُرَاخٍ شَدِيدٍ وَدُمُوعٍ، إِلَى الْقَادِرِ أَنْ يُخَلِّصَهُ مِنَ الْمَوْتِ. وَقَدْ لَبَّى اللهُ طَلَبَهُ إِكْرَاماً لِتَقْوَاهُ.» وجميعنا مُذنِبون بخطايا الماضي، لذلك علينا جميعا أن نشعر وكأننا ماثلون أمام حضرة الله في الصلاة «بِصُرَاخٍ شَدِيدٍ وَدُمُوعٍ،» ونلتجئ إليه متيقنين بأنه قادر على أن يخلِّصنا، ويخلِّص جميع الذين نصلّي من أجلهم.
لو أخذنا نفكر تفكيرا شريرا عن عمد، سواء كان تفكيرا عن التسلّط على الآخرين، أو عن أمور جنسية غير شريفة، أو عن الكراهية أو أي تفكير شرير آخر من هذا القبيل، فسوف يأتي يوم نضع فيه تلك الأفكار في حيز التطبيق، ونقترفها بالفعل. ويختلف الأمر تماما لو كنا نتعذّب بسبب خواطر معينة، أو صور أو أية أفكار لا نريدها حقا؛ ويختلف الأمر لو كنا نُفَضِّل استرخاص كل شيء للحصول على قلب طاهر. ثم إنه من غير الممكن أبدا أن نجعل أنفسنا أنقياء بجهودنا البشرية. فلو كنا مشلولي القدرة وعاجزين عن مكافحة شيء شرير في داخلنا بجهودنا البشرية، فإنّ سطوة ذلك الشرّ علينا يمكن أن تزداد ازديادا عظيما. ولكن يجب علينا أن لا ننسى أبدا أن الله يرى كياننا بصورة أعمق مما نراه نحن. فسوف يرى الله أننا لا نريد
هذه الأفكار الشريرة، وبالتالي سوف يساعدنا، حتى لو كنا نغرق أكثر فأكثر في هذه الأفكار الشريرة التي لا نريدها فعلا.
يتعرّض جميع الناس للتجارب، حتى أن يسوع تعرّض لها أيضا، ولكنه تغلب على كل الشرور بفضل ثقته الكاملة بأبيه السماوي. وسوف يغويك الشيطان ويُدخِلك في التجربة أنت أيضا، وعندما تخوضها، فإنّ الأمر الذي سيلعب دورا حاسما في هذه المحنة، هو ثقتك التامة بيسوع وبقوة الصليب. فما لم تضع ثقتك وإيمانك بيسوع، فستكون الهزيمة من نصيبك.
عندما يشعر الإنسان بترك الله له، تنتابه مشاعر فظيعة. فلمّا شعر ابن الله بذلك وهو يموت على الصليب، كانت حتما تجربة مخيفة جدا، لدرجة أننا لا يمكننا استيعابها. ولكن يسوع صرخ رغم ذلك قائلا: «يَا أَبَتَاهُ، فِي يَدَيْكَ أَسْتَوْدِعُ رُوحِي.» (لوقا 23: 46)
فنرى هنا قمة الإيمان وأهم نقطة فيه. فإنّ التجربة التي مرّ بها يسوع عندما شعر بترك الله له، لم تَسلُب منه ثقته وإيمانه بأبيه وأبينا السماوي؛ وإنما استودع روحه في يديه رغم كل شيء.
لو أردنا الشفاء من الجروح التي تصنعها مكايد إبليس وسهامه فينا – مثل الشفاء من المشاعر الشريرة، أو الأفكار الشريرة، أو الخواطر الشريرة – لوجب أن يكون لدينا الثقة المطلقة نفسها في الرب يسوع، مثلما كانت ثقة يسوع في الله الآب. وإذا كنا لا نشعر بأي شفاء روحي، أو لا نلمس أي نتيجة لحد الآن، فسوف نُسَلِّم رغم ذلك أنفسنا له كليّا دون أي تحفظات، وبكل ما نحن عليه، وبكل ما عندنا. وعموما، فإنّ كل ما عندنا هو خطايانا، ويجب أن نضع خطايانا أمامه بثقة كاملة، كثقة الأطفال المطلقة بأبيهم. حينئذ سوف ينعم الرب علينا بالمغفرة والطهارة وسلام القلب؛ وسوف تخلق هذه النعم فينا محبة لا يمكن وصفها.
عندما نختبر أشياء أخرى غير المسيح، مثل الكآبة التي تهدد بأن تأخذ محل المسيح، لكي تخيّم على نفوسنا وتجعلنا في قبضتها، وترمي بنا إلى قاع الحضيض، لكيلا نشع بالفرح للذين من حولنا؛ يجب علينا في هذه الحالة أن نلجأ إلى يسوع، وسوف نحصل بفضله على التحرّر والنصر والسلام. وأنا واثق تماما بأنه يمكننا من خلال الصليب، الانتصار على كل الأشياء التي تصادفنا في الحياة، مهما كانت.
#محمد_برازي (هاشتاغ)
Mohamed_Brazi#
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟