زاهر زمان
الحوار المتمدن-العدد: 6160 - 2019 / 3 / 1 - 18:16
المحور:
العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
نستانف مقالاتنا عن العرب وحلم استعادة الخلافة البائدة ، وعلاقة ذلك المباشرة والغير مباشرة ، بما يجتاح الكوكب الأرضى من عمليات ارهابية ، ترتكبها التنظيمات الاسلامية الارهابية ، فى حق كل من لا يؤمنون بالأيديولوجية الدينية المحمدية ، ونتحدث فى هذا المقال عن الأنشطة التبشيرية ، التى تقوم بها الأنظمة - التى تعتمد الأيديولوجية الدينية المحمدية - فى شتى أنحاء العالم ، وبخاصة فى الدول التى كانت ذات يوم مجرد ولايات تابعة للخلافة القريشية ومن بعدها للخلافة العثمانية ، وكذلك فى دول العالم المتحضر فى شتى أرجاء المعمورة ! ونبدأ بالخطوات العملية التى انتهجتها تلك الأنظمة منذ هبوط الثروة الدولارية عليها من دول العالم المتحضر ، بعد اكتشاف البترول فى أراضى تلك الأنظمة ، التى تعتمد الأيديولوجية الدينية المحمدية كنظام حكم تقمع به شعوبها ، وتستعمل به الأنظمة الأخرى التى تعتنق شعوبها نفس الأيديولوجية ، كأدوات لها فى تسهيل اعادة ترسيخ تلك الأيولوجية فى وجدان وعقول تلك الشعوب ، انتظاراً لساعة الحسم ، بازاحة تلك الأدوات عن سدة الحكم ، واستبدالها بأدوات أخرى تجعل من تلك الشعوب ، مجرد ولايات تابعة للخلافة الجديدة التى تسعى ( السعودية وقطر وايران وتركيا ) الى اقامتها من جديد ؛ والتى يتنافس كل نظام من الأنظمة على أن تكون الخلافة الحديدة تابعة له دون غيره !
• التطبيق العملى لتحقيق الاختراق :
أ – العمالة :
مع ظهور البترول فى دول الخليج ، وتضخم خزائن تلك الدول بمليارات الدولارات من عوائد تصديره الى كل أنحاء العالم ، بدأت حركات تنمية واعمار فى كل قرية ومدينة فى سائر الدول الخليجية . ولأن شعوب الدول الخليجية ، كانت تعانى من الجهل والفقر والتخلف فى كل مناحى الحياة ، قبل ظهور البترول وتصديره للخارج ، فقد احتاجت تلك الدول الى كوادر بشرية مؤهلة فى كل مجالات الحياة العصرية ، لكى تقوم بعصرنة وتحديث أساليب حياة شعوبها ، لذلك اضطرت للاستعانة بكوادر من الدول الأخرى التى تمتلكها ، وبصفة خاصة الدولة المصرية . منذ ستينيات القرن الماضى ، وحتى بدايات القرن الحالى ، كانت العمالة الغالبة فى تلك الدول ، وبصفة خاصة فى مملكة آل سعود ، هى العمالة المصرية !
ولأن الدولة المصرية تم توريطها عن عمد وسوء نية وسوء قصد ، فى حروب متواصلة ضد الدولة الاسرائيلية ، بداية من اعلانها فى العام 1948 وحتى ابرام معاهدة السلام المصرية الاسرائيلية فى 1979 ، فقد كانت الظروف المعيشية لغالبية الشعب المصرى ، فى أسوأ حالاتها من التدنى . وعندما فتحت المملكة العربية السعودية أبواب العمل ، فى شتى المجالات على أراضيها ، أمام العمالة الوافدة من الدول المسماة الدول الاسلامية ، وكذلك عندما حذت دول الخليج الأخرى حذو المملكة السعودية ، كانت أعداد العمالة المصرية التى ذهبت للعمل هناك ، تكاد تكون الأضخم والأكبر بين العمالة الأخرى الوافدة من دول ناطقة باللغة العربية كسوريا وتونس والمغرب والجزائر والسودان ، وكذلك الدول الغير ناطقة باللغة العربية كباكستان وبنجلاديش والجاليات الاسلامية الموجودة فى الهند . كان الشرط الأساسى للعمل فى المملكة السعودية ودول الخليج الأخرى هو أن يكون الوافد مسلم الديانة ، الا فى التخصصات النادرة جداً ! تلك الاستراتيجية اتبعتها المملكة السعودية ودول الخليج الأخرى حتى من قبل تأسيس منظمة التعاون الاسلامى . الهدف الظاهر من استقدام عمالة مسلمة الديانة من الدول التى كانت ذات يوم ، مجرد ولايات تابعة للخلافة القريشية ، كان هو اعمار دول الخليج ، ورفع مستوى معيشة العمالة الوافدة بما تجنيه من أجور مرتفعة بالمقارنة مع الأجور التى كانت تتقاضاه فى الدول التى أوفدتهم . أما الهدف الاستراتيجى والأهم فى نظر أولئك الطامحين طول الوقت ، الى استعادة أمجاد الخلافة البائدة ، فكان هو اعادة ترسيخ الأيديولوجية الدينية المحمدية ، فى وجدان وعقول العمالة الوافدة ، والذين بدورهم سوف يصبحون من الأدوات المجانية ، التى تعمل على ترسيخ الأيديولوجية الدينية المحمدية فى بلادهم ، فور انتهاء عقود عملهم فى دول الخليج ، وعودتهم للاقامة الدائمة فى دولهم .
من سنحت له الفرصة بالعمل على أراضى المملكة السعودية يدرك مغزى ماأقرره هنا فى هذا المقال . فالغالبية الساحقة من تلك العمالة التى كانت تستجلبها المملكة ودول الخليج ، لم تكن فى بلادها الأصلية من المواظبين على آداء الصلوات الخمس فى جماعة فى المسجد ، لكن الأمر يتغير بعد تواجدهم هناك ، فإما يلتزمون بآداء الصلوات الخمس - ولو من باب الحفاظ على لقمة العيش - وإما يتم ترحيلهم فوراً الى بلادهم لو ثبت عليهم الانقطاع عن آداء الصلوات الخمس فى جماعة فى المسجد . باختصار ، هناك تتم عملية تطويع مستمرة للوافدين ، على الالتزام بالنهج الوهابى الاسلامى شكلاً ومضموناً . تلك العمالة التى تم تطويعها على النهج الوهابى من بداية ستينيات القرن الماضى وحتى يومنا هذا ، تقدر بعشرات الملايين ، فى مصر وحدها ، عبر تعاقب الأجيال المختلفة ، وهى التى أفرزت لنا مانراه من ردة حضارية رهيبة فى كل نواحى الحياة على أرض مصر ، ليس فقط فى المظهر ، بل أيضاً فى السلوكيات والأفكار والتطرف الدينى ، الذى يعتبر من الروافد الرئيسية لانخراط المغيبين من عوام وبسطاء الشباب المصريين ، فى التنظيمات الارهابية المسلحة ! بالطبع تلك العمالة التى ذهبت للعمل فى بلاد الخليج ، سواء من الدول الناطقة بالعربية أو الناطقة بغير العربية ، كانت من المسلمين بالوراثة ، الذين ولدوا ونشأوا وتربوا فى دول ، دأب حكامها على استغلال الأيديولوجية الدينية المحمدية ، فى السيطرة على شعوبهم ، ومن ثم كان هؤلاء الحكام – بحكم مولدهم وتربيتهم فى بيئة ترسخت فى وجدان وعقول أهلها ، الأيديولوجية الدينية المحمدية – هم أيضاً مؤدلجين دينياً بتلك الأيديولوجية الدينية المحمدية ، وظنوا أنهم يستطيعون النهوض بشعوبهم وحل مشاكلهم ، بتوثيق العلاقات مع الأنظمة التى تعتمد الأيديولوجية الدينية المحمدية كدستور أساسى لنظام الحكم ، وعلى رأس تلك الأنظمة المملكة السعودية ! بل حتى النظام الناصرى فى مصر ، والذي كان معادياً للنظام الملكى السعودى ، استخدم الأيديولوجية الدينية المحمدية ، فى حشد الشعب المصرى وراءه ، للوقوف ضد تآمر النظام السعودى على توجهات النظام الناصرى آنذاك ! فأنشأ عبدالناصر اذاعة القرءآن ، التى جمعت قرءآن محمد مقروءاً على أشرطة تسجيل لأول مرة فى تاريخ الأيديولوجية المحمدية . وكذلك قام عبدالناصر باعتماد مؤسسة الأزهر كمؤسسة تابعة للدولة المصرية ، يتم الانفاق عليها من ميزانية الدولة المصرية . وتوسع جمال عبدالناصر فى انشاء المساجد ، التى يقوم عليها وعاظ وأئمة تابعين لوزارة الأوقاف المصرية ، ظناً منه أنه بذلك يستطيع تأمين نظام حكمه ضد المد الوهابى وتنظيم الأخوان المسلمين ، وذلك بتحصين الوجدان والعقل الجمعى للمصريين المسلمين ضد الأفكار الاخونجية والوهابية ! وقد نجح عبدالناصر فى تأمين الشعب والنظام بتلك الاستراتيجية ، ضد أى تغلغل للأفكار الاخونجية أو الوهابية طوال فترة حكمه ، لكنه ماإن رحل عبدالناصر وجاء السادات حتى فتح الباب على مصراعيه أمام التيارات التى حجمها عبدالناصر ، وكذلك فعل حسنى مبارك من بعده ، حتى كانت الكارثة الكبرى فى 25 يناير 2011 ، والتى كادت أن تودى بالدولة المصرية وشعبها ومؤسساتها الى الحروب الأهلية والدمار الشامل ، لولا أن هناك رجالاً وطنيين مخلصين فى الجيش المصرى والشرطة المصرية تصدوا ومازالوا يتصدون لمؤامرات من يحاولون الرجوع بالدولة المصرية الى عشرات القرون للوراء ، عندما كانت مجرد ولاية تابعة للخلافة القريشية !
وللكلام بقية
#زاهر_زمان (هاشتاغ)
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟