مهند صلاحات
الحوار المتمدن-العدد: 1519 - 2006 / 4 / 13 - 11:46
المحور:
العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
منذ أيام ذهبت عند صديق لي لاستعير منه كتاباً سبق أن تحدثت أنا وهو عن موضوع الكتاب، وحين ناولني الصديق الكتاب تأملته وقرأت تعليق الناشر عليه من الخلف، ولكن لفت نظري عبارة صغيرة مكتوب على غلاف الكتاب من الخارج، حيث كُتب بخط يد أحدهم هذه العبارة
"the God Is Big Swindler "
تأملت بالعبارة قليلاً وسألت صديقي الإنسان البسيط الذي أعارني الكتاب: هل تعرف معنى هذه الجملة
تأمل فيها قليلاً وقال صدقاً لا أعرف معنى كلمة " Swindler))
قلت له ببساطة تعني مخادع .
دهش صديقي البسيط من العبارة وقال: أستغفر الله العظيم يبدو أنها سقطت سهواً أو أن أحد العابثين خطها لي على كتابي.
ضحكت وقلت له : ولكنه لم يقل شيئاً مسيئاً.
نظر لي نظرة غريبة وقال: يبدو أنك مثله كافر، على العموم أنا عرفت من كتبها، إنه أحد أصدقائي الشيوعيين الأغبياء والذي كلما رآني أحمل أحد الكتب يقول لي ابحث عما يفيدك وكفاكَ نبشاً في التاريخ، نحن في عصر العولمة، والآن يبدو أني أكتشفُ صديقاً لي أخر كافر، هاتِ الكتاب ولن أعيرك إياه
حقيقة الكتاب كان جميل جداً ويتحدث عن أحد مراحل الصراع في التاريخ الإسلامي التي يعنيني حقيقة البحث فيها، فطلبت منه أن أوضح له الأمر على الأقل من أجل أن يسمح لي باستعارة الكتاب، فقلت له ببساطة : هل تؤمن أن كل ما جاء في القرآن صحيح ؟
أجاب بدون تفكير : نعم
قلت : إذا اتفقنا أن الله مخادع
فجن جنون الرجل وكاد أن يضربني لولا أني قلت له: يا صديقي أنا لا أكفر بل أعيد عليك ما قاله الله عز وجل في كتابه، أنا لا أسخر منك فعلاً ولكني أود أن أقول لك أنك أسأت فهم الرجل الذي كتب العبارة الصغيرة هذه، فربما لا يكون الشيوعي الملحد إياه، ربما يكون أحد المؤمنين، حاول أن يترجم أية قرآنية.
قال : وضح لي دون لف ودوران وتلاعب.
قلت : إنا أنزلناه قرأنا عربيا ، هل تعرف هذه الآية ؟
أجاب :نعم أعرفها، هو قرأن عربي أنزله الله على نبي محمد بلغة أهل قريش الذين كان يعيش بينهم بلغتهم ليتحداهم فيه.
فقلت: جميل إذاً أن نتفق حتى هنا، أنا لن أخوض معك في مسألة قصائد امرؤ القيس التي تشابهت ألفاظها ومعانيها في القرآن.
فقاطعني قائلاً: توقف هنا، امرؤ القيس أقتبس عن القرآن وليس العكس.
ضحكت جدا من نباهة صديقي وقلت له: يا صديقي امرؤ القيس سبق محمد بثلاثين عاماً.
فقال : وكيف ذلك؟ وما الذي تشابه بين القرآن و القيس هذا ؟
فقلت له : هنالك قصيدة لامرئ القيس يقول فيها :
دنت الساعةُ وانشقَّ القمر عن غزالٍ صاد قلبي ونفر
أحور قد حرتُ في أوصافه ناعس الطرف بعينيه حَوَر
مرَّ يوم العيــد في زيـنته فرماني فتعاطى فعقر
بسهامٍ من لِحاظٍ فاتــكِ فتَرَكْني كهشيمِ المُحتظِر
وإذا ما غــاب عني ساعةً كانت الساعةُ أدهى وأمرّ
كُتب الحسنُ على وجنته بسَحيق المِسْك سطراً مُختصَر
عادةُ الأقمارِ تسري في الدجى فرأيتُ الليلَ يسري بالقمر
بالضحى والليلِ من طُرَّته فَرْقه ذا النور كم شيء زَهَر
قلتُ إذ شقَّ العِذارُ خدَّه دنت الساعةُ وانشقَّ القمر
وله أيضاً:
أقبل والعشاقُ من خلفه كأنهم من كل حدبٍ يَنْسلون وجاء يوم العيد في زينته لمثل ذا فليعملِ العاملون
الأبيات المذكورة واردة في سورة القمر 54: 1 و27 و29؛ وفي سورة الضحى 93: 1 و2؛ وفي سورة الأنبياء 21: 96؛ وفي سورة الصافات 37: 61، مع اختلاف طفيف في اللفظ وليس في المعنى. مثلاً ورد في القرآن »اقتربت« بينما وردت في القصيدة »دنت«. فمن الواضح وجود مشابهة بين هذه الأبيات وبين آيات القرآن.
مع ملاحظة أن امرؤ القيس سابق محمد بثلاثين سنه....
وامرؤ القيس كتب قصيدته باللغة العربية، وكذلك القرآن " أنزلناه قرآنا عربيا" وبما أن التحدي القرآني كان لاحقاً لقصيدة امرؤ القيس فيعني أن امرؤ القيس كان يعني حالة تفرد لم يشملها التحدي القرآني، " فأتوا بسورة من مثله" أو بعشر سور، أو بعشر آيات أو غيرها من آيات الإعجاز القرآني. بالتالي لن نقف كثيرا عند هذا المووضع الذي سبق البحث فيه وحير فقهاء الإسلام كثيراً في إيجاد مخرج حقيقي له سوى أن بعضهم قال: لا يوجد إعجاز قرأني علمي فقط هنالك إعجاز لغوي في ذات اللغة. واللغة العربية التي استطاعت أن تحتوي كل ما أراد الله أن يقوله لعباده في كتاب واحد، لأن اللغة بحر كبير ولأن المتصوفة قالوا: كلما أتسع المدى ... ضاقت العبارة.
يعني أن أفق ومدى معرفة قريش كانت قليلة جداً بالمقارنة مع المدى الذي فتح باب جهنم على الأديان حين فكر بعض الفقهاء المسلمين ترجمة الفلسفة اليونانية كابن رشد والغزالي وابن عربي وغيرهم من فلاسفة أو فقهاء الإسلام ففتح عليهم السلاطين النار فتراجع بعضهم عما قاله كما فعل الغزالي حين تراجع عن أقواله.
ليس هذا موضوعنا بقد ما موضوعنا هو العبارة التي كُتبت على كتابك "the God Is Big Swindler " فلو حاولنا أن نترجم هذه العبارة ترجمة حرفية ستعطي المعنى التالي : " الله نصاب كبير" أو محتال كبير أو ماكر كبير.
ولو رجعنا للقرآن لندقق في مدى صحة الترجمة سنجد في المقابل الآية التي تقول : " ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين"
بالتالي من كتب هذه العبارة ربما يكون قد حاول ترجم المقطع الأخير من الآية " الله خير الماكرين" ولنقف قليلاً عند عبارة خير الماكرين والتي تعني مفاضلة في المكر، أي أنهم يمكرون وهنالك فعل مكر واقع على معطى ما، وأن الله مَكَرَ هو الأخر فكان أفضل من مارس فعل المكر، والمكر حسب النص العربي لأنه كما قلنا سابقاً "قرآنا عربياً" مما يعني أن القرآن يفسر حسب اللغة التي نزل فيها، ففعل المكر بحد ذاته يعني الذي يحاول الوصول بطرق غير مشروعة، والذي يجيد الدهاء، وغيرها من الصفات التي تتشابه أو تتراوح ما بين المكر والدهاء والخداع، وقالت العرب: فلان ثعلب، في وصف دهاءه ومكره وخداعه، فإن كان الله يصف نفسه بالماكر المخادع، فكيف لا ترضى أنت أن يقول أحدهم ذلك ؟
توقف صديقي قليلاً بعد هذا الإسهاب الطويل في كلامي له وقال: ولكن الله فوق كل شيء ولا يجوز تشبيهه في شيء لأنه لا يشبه شيء ولا يشترك مع أحد في الصفات، فهو الخالق لكل شيء، فكيف تقارن بين الخالق والمخلوق ؟
قلت له: ومن قال لك أن الله هو الخالق الوحيد ؟
جن جنون الرجل مرة أخرى وقال : وهل ستقول لي بأن زيوس أو فينوس أو غيرهم من آلهة اليونان خلقوا ؟
قلت: أنا لا أقول ولكن الله هو الذي يقول هذا الكلام، ومرة أخرى لنعود للقرآن ونرى ماذا يقول، ومن ثم نعود للغة العربية التي نزل بها القرآن ونرى كيف يمكن ترجمة ما قاله الله.
قلت : "تبارك الله أحسن الخالقين" ولنضع خطين تحت كلمة ( أحسن ) وأحسن صيغة تفضيل تفاضل بين الواحد والأخر، وهي تفيد التفضيل بين المتشابهات في الصفات والقدرات، فيقال : أحمد أحسن من محمد بالمدرسة، فحين تسمع هذه العبارة تفهم منها أن كلاهما طالب في المدرسة لكن أحدهما أفضل من الأخر، أي أنهما يشتركان بذات الصفة أو الفعل الذي تم التفضيل بينهما عليه صح ؟
قال: نعم
فقلت: وبما أن القرآن عربيٌ كما قلنا، إذا هنالك تفضيل بين الله الخالق حسب النص القرآني وبين خالقين آخرين كان الله أفضلهم، بدليل النص القرآني الذي لم يقل: تبارك الله الخالق العظيم، ولكنه قال أحسن الخالقين في إشارة قرآنية واضحة على تشابهه في الصفات مع الآخرين، فهو الأفضل بينهم.
وقف صديقي قليلاً يتأمل فيما قلت، ثم سحب كتابه من يدي ومضى وعلامات حيرة كبيرة على وجهه.
وأنا خسرت بسبب محاولة التفكير والتفكر البسيطة التي دعا لها أيضاً القرآن حين قال: " إن في ذلك لعبرة لأولي الألباب" والألباب تعني العقول، بالتالي تذكرت نقاشاً سبق لي مع أحد الأصدقاء من المملكة العربية السعودية التي يشيع فيها المذهب السلفي حين كنا نتحدث حول مصادر التشريع في الإسلام حين قلت أنا أن أحد مصادر التشريع في الإسلام العقل، فجن جنونه وتعالى صوته وقال أن تريد أن نحكم العقل تحكمنا الشهوات وأنصرف وأنا حاولت أن أقنعه أن هذا ليس رأيي ولدي دليل من السنة هو قول معاذ بن جبل حين سأله النبي محمد عما سيحكم حين أرسله لليمن فقال معاذ: بكتاب الله
فقال له فإن لم تجد
قال : بسنه نبيه
فقال: إن لم تجد
قال أجتهد رأيي
وكذلك قصة الأمام علي في حادثة التحكيم بينه وبين معاوية حين قال هو كذلك أجتهد رأيي، ويبدو أني حين فكرت باجتهاد رأيي خسرت صديقي السعودي، وفي المرة التالية خسرت الكتاب.
حقاً إن في ذلك لعبرة لأولي الالباب.
#مهند_صلاحات (هاشتاغ)
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟