حسن دليلة
الحوار المتمدن-العدد: 1512 - 2006 / 4 / 6 - 01:00
المحور:
حقوق الانسان
تؤنسني العصافير في هذه الأرض وأنا جالس تحت ظلال أشجار السرخس أراقب حركاتها وطيرانها من غصن إلى غصن ويؤنسني تنوّع أصواتها وزقزقاتها التي تنم عن سعادتها في العيش بحرية بعيداً عن العابثين بها وبحياتها من هواة القتل والتشريد والإبعاد ، ساعات طويلة وأنا أراقبها وأسمع زقزقاتها فتذكّرني حياتها وتصرّفاتها بجزء من حياتي عندما كنت في القرية صغيراً أتصرّف بحريّة كما يحلو لي اللهم إلاّ بخلاف بسيط معها وهو أنّ حريّتي كانت تقيّدها أحياناً أوامر والدي ووالدتي والأكبر منّي سنّاً ولا أدري إذا كانت هذه العصافير تقيّدها أوامر والديها في صغرها بمثل ما كان يحدث معي ، مع ذلك أعادتني إلى الماضي البعيد ، ما أجمل الحريّة التي كنّا ننعم بها في طفولتنا ، في قريتنا ، في ريفنا الجميل .
تؤنسني زقزقات العصافير ولكن ليس كما يأنس أخي عارف بزقزقاتها التي تصله من خلال نوافذ زنزانته الضيّقة والذي يشعر بأنّه سيفقدها إذا ما شاء له القدر بالخروج خارج هذه الزنزانة سالماً معافى ، وهذا ما يحزّ في نفسه وهو داخلها ، إنّ العصافير الموجودة خارج السجن كثيراً ما يتم التصويب عليها من بنادق الصيّادين لذلك فهي دائماً ما تكون خائفة في طيرانها ، مرتجفة في أصواتها ، لا تشعر بالأمان ، لا تشعر بالإستقرار ، بعكس العصافير الموجودة داخل السجن والتي لا يجرؤ أحد على المسّ بها لذلك تراها تغنّي وتطير بكل حريّة ، بدون خوف اللهم إلاّ من بعض روّاد الظلام الذين يقتنصون الفرص للإيقاع بها والتهامها في غفلة من حرّاسها ،
عارف دليلة الذي عانى كما عانت العائلة جميعها من كل مآسي الأنظمة السابقة وذهب حافياً أيّاماً كثيرة في الشتاء وفي الصيف إلى المدارس للحصول على العلم وجد في نفسه أنّ من حق الوطن عليه أن لا يبخل بأي معلومة أو أي فكرة قد يراها مفيدة لمجتمعه ووطنه ، وقف وبجرأة يطرح أفكاره الإقتصادية أمام الجميع مطالباً بالحوار وحريّة طرح الأفكار ومناقشتها للوصول إلى أفضلها وتقديمها خدمة للوطن وللشعب ، وخلال مسيرته هذه وجد نفسه محاطاً بثلّة من رجالات يريدون منه أن يوجّه كل أفكاره في خدمتهم ولتحقيق مصالحهم الخاصة على حساب مصلحة الوطن والشعب ولمّا رفض الدخول من هذه البوّابة الرخيصة ، كان لا بد من وضعه خلف القضبان وبعيداً عن الشأن العام رغم الاعتراف والأخذ ببعض أفكاره فيما بعد طبعاً بعد تجزئة هذه الأفكار وتفريغها من مضمونها بما يضمن لهم مصالحهم ويحقّق بعض التوازن الذي لا بد منه لوقف التدهور ولو إلى حين إطالةً لأمد الفساد والمفسدين .
عارف دليلة وبعد خروجه من مقابلة الرئيس بشار الأسد تلك المقابلة التي جلبت عليه البلاء ، و كانت وبالاً عليه ، والتي لا أدري كيف أوصلته هذه المقابلة إلى ما وصل إليه ، ولا أحد يعرف السبب الذي أوصله إلى ما هو عليه سوى من قابله ، والذي لا أدري إذا كان سمع منه كلاماً غير مقبول أو تصرّفاً غير مقبول يمكن أن يحاسب عليه بهذه الطريقة ويوصله إلى هذا المستوى من العقوبة ، حتى وإنّ كل محاولاتنا لإيصال المعلومة الصحيحة عنه إلى السيد الرئيس أو مقابلته قد باءت بالفشل ، إنّني أتساءل أإلى هذا الحد كبيرة هي الجريمة التي اقترفها عارف دليلة بحق الوطن والشعب حتى أنّ جميع المسؤولين يخافون ولا يريدون طرح أو مناقشة موضوعه مع القيادة السياسية ، ما هي الجريمة التي ارتكبها حتى أخذ عليها هذه العقوبة الكبيرة والتي نشعر بأنّنا نحمل جميعاً وزرها ، أليس من حقّنا أن نعرف ماهية هذه الجريمة ، أم أن إبقاء أسبابها مجهولة سيبقى محط خوف ورعب للآخرين ، وإنّ تسريب بعض هذه الأسباب هو نشر لهذه المحرّمات بشكل أو بآخر حتى لا يجرؤ بعد الآن أي شخص على الإقتراب منها أو مقاربتها بأي شكل أو بأي صورة من الصور .
عارف دليلة الذي أعرفه أكثر من غيري كوني شقيقه الأكبر وكنت مسؤولاً عنه عندما كنت آخذه معي إلى المدرسة الإبتدائية في رحلة يومية تستغرق حوالي الساعة ذهاباً والساعة إياباً سيراً على الأقدام من قرية الدروقيات شمال اللاذقية إلى قرية حرف مشقيتا في طريق ترابية وعرة تحت المطر والثلج ورافقته كذلك في رحلته الدراسية في مدينة اللاذقية وقد عانيت معه مرارة العذاب والجوع والحاجة حتى حصلنا على الشهادة الثانوية فافترق كل منّا في طريقه وكانت طريقه إلى جامعة دمشق فالوظيفة فالسفر إلى الإتحاد السوفييتي للحصول عل الدكتوراه في الإقتصاد حيث كنت على اتصال مستمر معه ، أعرف عن دواخله ومشاعره ما لا يعرفه أحد مثلي ، وعندما ظهر كمهتم بالشأن العام وخاصة فيما يتعلّق بالأمور الإقتصادية والتي هي من إختصاصه يعطيها همّه الأكبر ومنذ فترة حكم الرئيس حافظ الأسد بدأ بالبحث والمناقشة والتحليل وكانت آرائه ومحاضراته مسموعة من الجميع وخاصة من الجيل الجديد الذي اكتوى بالطغمة الفاسدة الذين كانوا مسؤولين عن السياسة الإقتصادية في هذا البلد والذين اعتبرهم عارف دليلة هم المسؤولون عن إيصال البلد إلى الحالة السيئة التي وصلت إليها من بطالة وفساد ورشاوى إلى ما هنالك من آثار سيئة ترتبت على هذه السياسة ، والتي قد توصل النظام إلى التخلّي عن ثوابته الوطنية والقومية نتيجة لذلك ، لم يكن عارف دليلة ناقداً و مضيئاً على النواحي السلبية فقط بل كان يحلّل ويناقش ويضع المقترحات للخروج من السلبيات إلى الإيجابيات فقد كان نقده إيجابي وكان يطالب دائماً بحرية التعبير والكلام والشفافية لفضح كل الأساليب والقرارات التي تصدر خلافاً للقوانين وللدستور والخلفيات والنتائج السيئة التي تصدر عنها والمجموعة الفاسدة التي تقف من ورائها والأهداف والمصالح الخاصة لهؤلاء والتي تستغل وجودها في السلطة لتحقيق هذه المصالح ، كان همّه الأول وضع القيادة السياسية في الصورة الصحيحة لما يجري على أرض الواقع من فساد وتخريب للإقتصاد السوري قد ينتج عنه في المستقبل آثار سيئة على القطر يتم استغلالها من الناحية السياسية للتأثير على التوجّهات االوطنية وحرفها لمصلحة أعداء الوطن والشعب إذ أنّ الإقتصاد لا يمكن فصله عن السياسة في أي زمان ومكان .
عارف دليلة الذي لا أزال معه وعنده وبعد مرور ما يقارب خمس سنوات في زنزانته الإنفرادية وتحت وطأة المرض الجسدي والنفسي وإعتلال صحته ، أتساءل ما هي الجريمة التي ارتكبها حتى حكم عليه بالسجن عشر سنوات ، أعود إلى القانون الجزائي السوري أدرس القضيّة من خلال مجريات التحقيق والمحاكمة والتي حضرتها بصفتي محامياً فلم أجد ما يوجب تجريمه ومعاقبته بهذه الطريقة ، أعود لوضعه الشخصي هل هو منتسب لأي جماعة أو تنظيم حزبي معادي للنظام فلم أجد ذلك رغم معرفتي المسبقة عنه ومع ذلك كنت أبحث في خباياه فما وجدت إلاّ الروح الوطنية والإلتزام بمصلحة الوطن والشعب ، لم يعرف الحقد إلى نفسه سبيلاً لم يقبل الفساد والإستزلام في حياته أبداً ، وهنا وقفت عند كلمة الفساد والإستزلام وناقشتها في نفسي فوجدت أن هاتين الكلمتين وعدم قبوله بهما لفظاً ومضموناً كان لهما أثراً كبيراً في مجريات المحاكمة والحكم عليه بهذه العقوبة ، فقد سمعت منه بعد عودته من مقابلة السيد الرئيس أنّ بعض المسؤولين الأمنيين وجّهوا إليه رسائل شفهية بضرورة الرجوع إليهم قبل وبعد المقابلة كغيره ، وإنّ خروجه عن هذه القاعدة سيكون لها تأثير على مستقبله وحياته ، ورسائل أخرى من أنّه هو شخصيّاً يجب أن يكون محسوباً على النظام وإلاّ ستكون عقوبته أقسى بكثير من غيره ، وذلك لتذكير الباقين من أمثاله بما هو مطلوب منهم ، وكذلك رسائل أخرى بضرورة الإلتزام بالإملاءات الواردة من قبلهم حتى ولو كانت شخصية ، وهذا باعتقادي ما كان له أثر كبير في إيصاله إلى ما هو عليه حيث استطاع هؤلاء نتيجة استطالاتهم الأمنية السلطوية بإيصال ما هو غير صحيح وبطرق غير صحيحة إلى السيد الرئيس ممّا سهّل لهم بذلك سبل الإنقضاض عليه بهذه الطريقة اللئيمة والغير إنسانية ، فهل الإنسان هو الذي يختار دينه وشكله وبلده وشعبه وقبيلته عند ولادته ، أعتقد أنّ ذلك ليس بإرادته وإن كان يستطيع بعد بلوغه سن الرشد أن يتعامل في هذه الأمور بما يراه صحيحاً ، فهل يحاسب الإنسان على ما اكتسبه في ولادته بدون إرادته ، ألم يحن الوقت لأن يصبح الإنسان إنساناً ويعامل على هذا الأساس في حياته عارف دليلة ربّما كانت عقوبته أقسى لسبب من هذا أو ذاك والله والحاكم أعلم .
هذا هو عارف دليلة الذي عرفته عن قرب فأين موقعه الآن في هذا الوطن ، إنّني أدعوا جميع الشرفاء في هذا الوطن ، جميع المخلصين لهذا الوطن أن يقولوا كلمة الحق جريئة في عارف دليلة ، وأدعوا جميع المسؤولين لأن يعملوا حكم القانون والدستور فيه ، وأسأل الذين حاكموه وحكموه بهذه العقوبة وأستحلفهم بالله هل هم مقتنعون بهذا الحكم ، وهل الجريمة المتّهم بها تستوجب مثل ذلك الحكم قانوناً " وإذا حكمتم فاحكموا بالعدل " صدق الله العظيم .
#حسن_دليلة (هاشتاغ)
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟