فادي كحلوس
الحوار المتمدن-العدد: 1510 - 2006 / 4 / 4 - 10:03
المحور:
حقوق الانسان
لا يمكننا اختزال مفهوم حقوق الإنسان و نشر ثقافة حقوق الإنسان إلى مجرد التعريف بالمعاهدات و المواثيق والإعلانات الصادرة بهذا الشأن، و النظر إليها على أنها نصوص فقط. فالتعامل الاختزالي و الجاف مع هذا المفهوم و الثقافة التي أنتجته لا يؤدي إلى ترسيخهما و تأصيلهما في الواقع العملي، لأنهما أخصب وأوسع من هذه النظرة.
ما يمكن فهمه بشكل أساسي من تعبير "نشر ثقافة حقوق الإنسان" هو العمل الوقائي،أي ما قبل حدوث الانتهاك، وذلك بتأصيل هذه الحقوق بكافة الوسائل المتاحة ومعرفة طبيعة العوامل التي ساعدت على إطلاق ضرورة تحديد هذه الحقوق وتوثيقها ووجوب حمايتها، أيمانا بأهمية الإنسان كفرد حر و واع ومسئول، وبالتالي تصحيح القيم والعادات والتقاليد التي تتنافى مع مبادئ حقوق الإنسان .
إن تعزيز الإيمان بحقوق الإنسان سيشكل دافعا اجتماعيا يؤثر في سلوك الفرد و يعمل على تقبل الآخر لمجرد إنسانيته، ليصبح الاختلاف (كحق) منصبا على الآراء و الأفكار، و ليس على الوجود الإنساني.
إن ثقافة حقوق الإنسان في هذا الإطار تعمل وفي الصميم على الارتقاء بمجمل ما ينتج عن هذا (الإنسان) ، فهي ترتقي أولا بمستوى الثقة بالذات نتيجة الإيمان بحقوق هذه الذات، مرورا بالارتقاء بأنماط الفكر وأساليب الحوار وطبيعة الإيديولوجيات وانتهاء بالارتقاء ببنية المجتمع ككل على اعتبار أن "الثقافة : هي مجموع الرموز التي تعكس الحياة الجماعية انعكاسا مباشرا" *.
إن تفعيل هذه الثقافة هو ما يجب أن يمثل البوصلة التي توجه النشطاء والمفكرين والمهتمين بمجال حقوق الإنسان، وهنا يكون الهدف قد حدد, أما الوسائل والآليات اللازمة للوصول إلى هذا الهدف فهي ما يجب معرفتها ، وذلك عن طريق دراسة بنية المجتمع , فلا يزال مفهوم حقوق الإنسان محاطا بالكثير من الضبابية وإشارات الاستفهام حتى عند بعض الناشطين في هذا المجال، وتبقى المهمة الأساسية هنا هي إزالة هذه الضبابية عن المفهوم وإيجاد الأجوبة المناسبة التي تعبر عن جوهره بما ينسجم ومستوى المعرفة والوعي المتأصلان في ثقافة هذا المجتمع،لان إيصال أي فكرة لمجتمع ما يجب أن تسبقه خطوات تتناول معرفة بنية هذا المجتمع، وهذا ما يفسر هشاشة عمل بعض المنظمات المعنية بحقوق الإنسان أو فشلها نتيجة إهمالها هذا الجانب.
إن قراءة الواقع المعاش قراءة صحيحة وموضوعية هو ما يساعد على إفراز الوسائل والآليات الخاصة لنشر ثقافة حقوق الإنسان، فإذا ما استطعنا التحلي بالواقعية ، والنزول من أبراجنا العاجية، والخروج بمفهوم حقوق الإنسان من دائرة الأحلام والهواجس الطوباوية، عندها فقط سنلامس الواقع وسنجد تلك الوسائل والآليات المرجوة، فمعيقات وسائل واليات نشر ثقافة حقوق الإنسان ليست موضوعية فقط، بل هناك أيضا ما هو ذاتي وهو هام بالدرجة نفسها، و الذي يتجلى بضرورة الوقوف على الذات والثورة عليها لتخليصها من الرواسب المتعارضة أصلا مع ثقافة حقوق الإنسان .
لا يزال النهج الأكاديمي هو المسيطر على طبيعة العمل في مجال حقوق الإنسان وهذا مبرر، كون هذا العمل ما يزال محصورا في أوساط النخب من المثقفين والساسة والذين يتعاملون معه على أنه مجرد بنود قانونية معزولة عن الواقع، وهذا للأسف يزيد من حجم الهوة القابعة بين المفهوم و حامليه من جهة، والواقع المعاش من جهة ثانية.
إن الدور الطليعي للمثقفين مثبت تاريخيا في تحريك سواكن المجتمع وثوابته، وفي تهيئة التربة الملائمة لزراعة الأفكار والرؤى الحديثة، لكن ذلك مشروط بالانفتاح على جميع أطياف المجتمع ومكوناته، لمعرفة مدى ملائمة هذا الفكر لهذا المجتمع أو لتقدير برنامج أولويات أخرى لهذا المجتمع .
إن ثقافتنا السائدة بما تحمله من عادات وأعراف وأنماط تفكير وقيم وعقائد وسلوكيات، نجدها غير متضمنة للمفاهيم الأساسية إذا ما أردنا الدخول إلى حقوق الإنسان، ( كالحرية- الإنسان- الفرد... الخ) ، و هي المفاهيم التي ساهمت في تأسيس البنية الفلسفية لحقوق الإنسان. لكن تجدر الإشارة إلى أنه عندما تطرح ثقافة حقوق الإنسان فإن ذلك لا يعني بالضرورة رمي ثقافتنا برمتها، بل تأصيل المفاهيم الغائبة عنها وتوضيح دلالات هذه المفاهيم وامتداداتها، لتكوين وجهة نظر جديدة حيال قضايا هذا المجتمع تتماشى مع متغيرات هذا العالم، للوصول إلى الحياة الأفضل والأكثر سعادة .
إن ما يدفع لتناول موضوع وسائل وآليات نشر ثقافة حقوق الإنسان في ثقافتنا السائدة، هو ذاك الثمن الباهظ الذي ندفعه ضريبة لهذه الثقافة ذات الطابع المتحجر، والتي إذا ما حاولت الانفتاح فأقصى ما تستطيعه هو قصر المفاهيم والمصطلحات الحديثة إلى تعابير هامشية، لتزيين الخطابات السياسية والمقالات الفكرية و الأعمال الأدبية .
إن حالة الانغلاق التي تسم ثقافتنا السائدة عملت على إضافة الكثير من الإشكاليات إلى الإشكاليات الموجودة فيها أصلا. هذه الحالة لو قدر لنا تجاوزها و التعامل خارج إطار دفن الرؤوس في الرمال والتعامي عن واقع الحال والتاريخ, لاستطعنا النهوض بآفاق عقليتنا وملامسة ايجابيات الانفتاح. فإشكالية عالمية حقوق الإنسان أو خصوصيتها، وإشكالية الداخل والخارج، وإشكالية الأخر، ليست إلا تعبيرا صريحا عن ثقافة الخوف والتقوقع إزاء كل جديد، والإقرار ب(فضيلة الجمود)، وكأننا بذلك نعترف أيضا برفضنا لكافة مظاهر الدولة الحديثة ومقومات المجتمعات المتقدمة، كقيام المجتمع المدني المتسلح بالمفاهيم الديمقراطية والإنسانية والمؤمن بتحرر الفكر من هيمنة التراث و الماضي.
إن إعادة تكوين ثقافتنا لتكون نواتها الديمقراطية و حقوق الإنسان، و تشكيل نمط فكري جديد و متناسب مع العصر، هو ما يخرجنا من معظم الاشكاليات المطروحة علينا، ويساعدنا على الشفاء من الاهتزاز في الرؤيا، و يعيننا على كسر حاجز البدائل التقليدية (التقليد الأعمى- التعصب والانطواء- رفض الآخر جملة و تفصيلا) ويدخلنا في احتمالات لانهائية نعبر فيها بشكل سوي عن هويتنا وثقافتنا و مصلحتنا الوطنية .
لقد بات الاعتراف بمبادئ حقوق الإنسان كحد أدنى مشترك بين جميع البشر من البديهيات، وتبقى وسائل وآليات نشر هذه المبادئ و الثقافة التي استندت إليها هي السؤال المطروح على نشطاء حقوق الإنسان و المثقفين.
إن المعارك الثقافية تحتاج، كما هو معروف، إلى زمن طويل لتؤتي ثمارها، لكن تبدو الأهمية اليوم هي في الانطلاقة أو البداية على هذا الطريق الطويل ، التي تحتاج منا إلى التحلي بالنفس الطويل و الصبر و الهدوء والمنطق العقلاني للوصول إلى نتائج أقل سلبية.
فادي كحلوس
---------------------------------------
عبد الله العروي , ثقافتنا في ضوء التاريخ .i
#فادي_كحلوس (هاشتاغ)
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟