سهر العامري
الحوار المتمدن-العدد: 1510 - 2006 / 4 / 4 - 10:20
المحور:
اليسار ,الديمقراطية, العلمانية والتمدن في العراق
كان الصفويون إبان حكمهم للعراق يلزمون الناس فيه ، وخاصة في الجنوب والوسط منه ، بسب الخلفاء الثلاثة : أبو بكر ، وعمر ، وعثمان ، وظلت هذه السبة تلازم نفر من الناس الى يومنا هذا ، وما كنا نحن الأطفال أن نتلمس السبب الحقيقي وراء تلك المنقصة التي لا تزين صاحبها ، مهما طرح من أعذار ومبررات ، فالسب مذموم في كل الأحوال .
لقد اختلف المسلمون الأوائل على السلطة والحكم شأنهم في ذلك شأن البشر الآخرين الذين اختلفوا قبلهم وبعدهم عليهما ، ولكن هذا الاختلاف تحول ، فيما بعد ، الى تشريع من شرائع الدين عند أغلب المذاهب الإسلامية ، وصار كل حاكم يلبس تلك الشرائع الثوب الذي يفتنه ، ويحقق له هدفه ، فحين اتسعت رقعة انتشار الإسلام ، ودخلته أقوام أخرى ، نازعت العرب ، والقريشيين منهم على وجه خاص ، الحكم ، تأصلت تلك السبة والمنقصة عند هذا المذهب أو ذاك ، كما أن بعض القادة الذين حكموا باسم الدين قد تجاوزوا حتى مباديء الدين ذاته في ذلك ، وكان همهم الأول والأخير هو حفظ دولهم ، وإدامة عمر حكوماتهم ، ودليل على ذلك هو أن الحجاج بن يوسف الثقفي ، والي العراق ، والذي تمت على عهد فتوحات كثيرة شرقا ، قد رفض إسلام فلاحي العراق من النصارى الذين تحولوا الى الإسلام تخلصا من ضريبتي الجزية والخراج الباهظتين ، وألزمهم البقاء في أرضهم لزراعتها ، بعد أن وسمهم على أيديهم كيا بالنار !
وحين حكم الصفويون العراق ألزموا الناس فيه كذلك بسب الخلفاء الثلاثة ، مثلما أسلفت ، وقد شرع سبهم على أنه واحد من المستحبات في الصلاة ، أو في عمليات الحساب ، فصار العراقي الجنوبي على عادة أن يذكر كلمة اللعنة بعد أن يصل الى الرقم الثالث من أية عملية عد ، فيقول : اللعنة على الثلاثة ، ويقصد هنا بهذه اللعنة : الخلفاء الثلاثة ، وفي المقابل تمسك العثمانيون بمذهب الأحناف في العراق كغطاء سياسي في صراعهم المرير ، مع الصفويين المستشيعين ، على أرض السواد التي كانت تفوق غلتها غلال بلدان مجتمعة ، والقول من أن الأتراك قد أخذوا بالمذهب الحنفي لأنه أباح لهم شرب النبيذ ، هو قول يجافي الحقيقة ، ولا يريد أن يضع يده على الدافع الحقيقي الذي كان يدفع الدولتين الى حكم على العراق ، بسبب من الثروة الزراعية العظيمة التي كانت تنتجها أرض الرافدين ، حالهم في ذلك حال الأمريكان وإيران اليوم في نزاعهم على تقاسم المصالح فيه .
والعجيب في الأمر هو أن الصراع بين هذه الدول كثير ما كان ينعكس على العراقيين أنفسهم ، بعد أن غذت هذه الدول استعار نيران المذاهب بينهم ، فصراع الدول اليوم على العراق صار قتالا بين متطرفي المذاهب من العراقيين ، ولهذا فقد عرفت ساحة القتال في العراق اليوم طرفين أحدهما حُسب على الشيعة ، والآخر حُسب على السنة ، وقد وصل الأمر بهذا الطرف أو ذاك الى استغلال أحط الأساليب ، وأكثرها قذارة ، في عمليات القتل المتبادلة ، والجارية منذ سقوط صدام ، تلك الأساليب التي تذكر بالأساليب التي اتبعت في التصفيات الجسدية إبان القرون الوسطى .
قبل أيام من الآن قرأت حكاية مبكية مضحكة عن زوجين عراقيين ، يعيشان في بغداد ، كان الزوج شيعيا ، بينما كانت الزوجة سنية ، وكانا قد رزقا بولدين ، أحدهما اسمه علي ، والآخر اسمه عمر ، لكنهما امتنعا الآن عن إرسال ابنهما ، عمر ، الى المتوسطة التي يدرس فيها من جانب الكرخ في بغداد ، والسبب هو أن مدرس اللغة العربية قد هدد عمرا بالويل والثبور إن هو لم يغير اسمه من عمر الى اسم آخر ، فما كان من الأب الشيعي إلا أن توجه الى مديرية تربية الكرخ ، وعرض المشكلة المفتعلة ، وسلوك القائمين على أمر تلك المدرسة حيالها ، فما كان من حماة التربية الحديثة ! في الزمن الأمريكي - الإيراني الأسود الذي يعيشه العراق إلا أن يقدموا له حلا مخجلا ، وتافها في الوقت نفسه ، وقد تجسد ذلك في قول واحد من موظفي تلك الدائرة له : يا أخي لا تصنع من مسألة ولدك مشكلة ، بدل اسمه ، وسينتهي كل شيء !
أرأيتم الحل التربوي القادم من أيام الدولة الصفوية ؟ أرأيتم هذا السلوك المشين الذي لا يمكن لرجال التربية مهما كان مذهبهم ، وملتهم أن يقترحوه على طفل ما كان يملك من أمر اسمه شيئا في هذه المشكلة ، وذلك حين تسمى باسم عمر ، فأسرته هي المسؤولة عن تسميته بهذا الاسم منذ أن فتح عينيه للمرة الأولى على هذا الكون ، والأسرة هذه معذورة ، ذلك لأنها ما كانت تعلم أنه سيأتي على العراق زمن أمريكي - إيراني تطالب فيه الناس بالعراق بتغير أسمائها ، وتكون المطالبة هذه ليس من حكومات الشوارع في عراق اليوم ، وإنما من القائمين على التعليم وتربية الأجيال ، هذا الجهاز الخطير الذي سيقود العراق الى الهاوية إن ظلت مثل هذه العقليات المتخلفة تتحكم به .
روى لي صديق مرة أنه ذهب الى السفارة الإيرانية بغرض الحصول على تأشيرة دخول الى إيران ، ولكن طلبه رفض من قبل الموظف المسؤول بسبب من كون اسم جده عثمان ، فما كان من صديقي إلا ان رد عليه : وما ذنبي أنا ، مادام جدي هو المجرم بعرفكم ؟
فسخف الأفكار هذه الذي ينتشر مثل وباء في العراق الديمقراطي!هو صناعة يقف وراءها نفر لا زال يعيش في كهوف الماضي ، ولا فرق في ذلك بين حملة اللواء الشيعي من المتخلفين ، وبين حملة اللواء السني من المتخلفين كذلك ، فقد صار كلا الطرفين يقتل الناس في العراق على أسمائها ، فإذا ما كان اسمك عبد الحسين ، وعبد الحسن ، فسيقتلك حملة اللواء السني ، أما إذا كان اسمك أبا بكر ، أو عمر أو عثمان ، فسيقتلك حملة لواء الشيعة ، وذلك وفقا لما نشرته صحيفة صنداي تليغراف الإنجليزية التي كتبت : ( إن الشرطة عثرت على 14 جثة لشباب كانوا قد اختطفوا في إحدى ضواحي العاصمة بغداد، وكان الاعتقاد السائد أنهم ضحايا أعمال العنف التي تضرب هذا البلد ، ولكن لوحظ أن هويات جميع الضحايا، الذين لقوا حتفهم جميعا برصاصة في الرأس، قد ثبتت بعناية على صدورهم، وكانوا جميعا يحملون اسم عمر . )
والعجيب في الأمر أن هؤلاء الضحايا قد وصلتهم رسائل تهديد مسبقا تطالبهم بتغير أسمائهم ، وإلا فسيلقون المصير الذي لقوه فيما بعد ، وهو رصاصة بالرأس ، فأية حرب مشؤومة هذه التي حلت على الناس في العراق ؟
ليعلم فرسان هذه الحرب أنهم لن يستطيعوا ، مهما حاولوا ، إلغاء اسم عمر أو الحسين أو غيرهما من المسلمين ، فعمر بن الخطاب هو من قامت الدولة الإسلامية في زمن خلافته ، واستطاعت أن تنتصر على الإمبراطورية الفارسية العريقة بجيوشها ، والى الحد الذي ما قامت لتلك الإمبراطورية قائمة بعد ذلك ، وقد يكون هذا هو مبعث البغض الذي يكنه بعض الفرس من الإيرانيين لعمر الى يومنا هذا ، تماما مثلما يكن بعض الاسبان البغض لفاتح الأندلس ، موسى بن نصير ، فالمرأة الإسبانية إذا أرادت تخويف طفلها الآن قالت له : سيأتيك موشى !
كما أن الآخرين لن يستطيعوا إلغاء أسم الإمام الحسين ذلك القائد الذي جاد بنفسه من أجل ما يؤمن ، ويعتقد به . ومأثرة كربلاء مأثرة قل نظيرها في تاريخ المسلمين وتاريخ العالم أجمع .
ويظل هنا سؤال يلوح من خلال غبار حرب الأسماء هذه هو إذا كانت هذه الحرب تجري بين المتطرفين من الشيعة والسنة ، وبدفع من جهات إقليمية ودولية ، فما ذنب مسيحيي العراق الذي هُدت عليهم بيوتهم قبل أيام في كمب الأرمن من بغداد ، هذا بالإضافة الى هروب آلاف منهم خارج العراق ؟
فمتطرفو الشيعة حاربوهم بأرزاقهم ، وطاردوا نساءهم لسفورهن في البصرة مثلا ، رغم أن بيع الخمور ، وسفور المرأة ليس من المحرمات في الديانة المسيحية ، فعلام يتحمل مسيحيو العراق تبعات أحكام دينية هي ليست من دينهم ؟ أهذه هي الديمقراطية التي وِعِد بها العراقيون ؟
أما متطرفو السنة فيرون في مسيحيي العراق جنودا من جنود بوش ! ولهذا وجب قتلهم ، وتهديم بيوتهم ، وتشريدهم من بلدهم ، العراق ، الذي استوطنوه منذ آلاف السنيين ، مع علمهم أن جنود بوش المسيحي ! قاتلوا مع المسلمين وضد السوفيت في أفغانستان ، كما أنهم قاتلوا مع مسلمي البوسنة والهرسك ضد الصرب المسيحيين بعد أن قعد المسلمون عن نصرتهم . وعلى هذا يكون تفسر هؤلاء النفر من السنة للصراع الدائر في عالم اليوم على أنه صراع ديني ، لا يختلف عن وسم نفر من الشيعة لخليل زاده ، السفير الأمريكي في العراق ، بسمة الطائفية . وإذا كان هؤلاء وأولئك عاجزين عن فهم أسباب الصراعات ، واندلاع الحروب في العالم ، فما عليهم إلا أن يسألوا ماركس عنها .
#سهر_العامري (هاشتاغ)
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟