|
الدولة والسلفيون
فريدة النقاش
الحوار المتمدن-العدد: 5782 - 2018 / 2 / 9 - 00:46
المحور:
العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
قضية للمناقشة: الدولة والسلفيون
تبحث دوائر السلطة فى مصر بعد الإنجاز الكبير للموجة الثانية للثورة عام 2013، وإزاحة الإخوان عن الحكم بعد أن اكتشف المصريون حقيقتهم.. تبحث عن حليف قوي فى الساحتين الاجتماعية والسياسية، حليف يكون عونا لها فى مواجهة النفوذ الإخواني، ولأسباب كثيرة يطول شرحها لم تلجأ الدولة للقوى السياسية واليسارية الديموقراطية، بدعوى أن هذه الأخيرة هي ضعيفة وتفتقر إلى الروابط المتينة مع الجماهير، تلك الروابط التي نسجها تنظيم الإخوان على مدى عقود، لكن الحفر الدءوب عن الأهداف والمرامي الحقيقية لهذا الاختيار يشير بقوة إلى المصالح الطبقية المتوافقة. ولجأت الدولة مبكرا جدا إلى السلفيين لا فحسب فى مواجهة فلول الإخوان المسلحين ونفوذهم الممتد بطول البلاد وعرضها، وإنما أيضا فى مواجهة كل من الجماهير الغاضبة من السياسات الاقتصادية والاجتماعية، وقوى اليسار وشباب الثورة الذين يطرحون سياسات بديلة تتوافق مع أهداف الموجات الثورية وشعاراتها : عيش حرية عدالة اجتماعية كرامة إنسانية دولة مدنية. وتجلى إنحياز دوائر السلطة ممثلة فى المجلس الأعلى للقوات المسلحة للسلفيين وممثلهم حزب « النور « أثناء كتابة الدستور حين وقف ممثلوها متضامنين مع كل من « الأزهر « وحزب النور ضد النص على مدنية الدولة سواء فى مقدمة الدستور أو ضمن مواده، ليطرحوا فى النهاية صياغة لا علاقة لها بالشعار الذي رفعته الموجات الثورية ولا بتطلعات المصريين لإرساء مبادئ المواطنة والحداثة فى ظل دولة مدنية ديموقراطية حديثة، وخرج لنا الدستور بتعبير مائع لامصداقية له حين كتب المهيمنون أو الذين يملكون حق النقض رغم أنهم أقلية فى لجنة الدستور كما قال أحد أعضاء اللجنة أي كل من الأزهر وحزب النور والمجلس الأعلى للقوات المسلحة : حكومتها مدنية (!). وأصبح طرح شعارات ومطالبات تجديد الفقه والخطاب الديني وصولا لمطالبة الرئيس « السيسي « بما سماه ثورة دينية أمراً مثيرا لشكوك جدية، لأن رعاية الدولة للسلفيين متواصلة، ومنابرهم تحظى بالحماية، بل وأدبياتهم ومصطلحاتهم شائعة ومتداولة، والأهم من ذلك كله أن ممارساتهم ضد النساء وضد المسيحيين متواصلة دون رادع، أو عقاب، بل إن بعض رموزهم تمارس فى الحياة العامة نفوذاً كبيراً على مشاعر الجماهير الغاضبة وسلوكها، بينما يجري التضييق على القوى المدنية واليسارية على نحو خاص. ولم تتعلم السلطات القائمة درس تجربة « السادات « الذي سبق أن إستخدم نفس المنطق حيث لم يكتف فى بداية حكمه بالإفراج عن الإخوان وحتى الجماعات الجهادية ليستعين بها على نفوذ اليسار فى الجامعات والمناطق العمالية، بل إنه تحالف فعليا معهم وصولا إلى قيام رجاله بتمويل تسليحهم ليقوموا بمهمة تصفية اليسار ولكنهم انقلبوا عليه بعد ذلك وقتلوه. يندرج تحالف الدولة مع السلفيين فى سياق مركب ومعقد يرعاه العقل البراجماتي النفعي، وضيق الأفق السياسي الذي يغذي مصالح لا حصانة لها فى أوساط الجماهير التي أشعلت موجات الثورة، ويمثل الفساد السياسي والاقتصادي عصب الأسباب التي أدت إلى الانفجار، وهنا يكون الغطاء الديني ملاذا وحصانة وتبريرا للثروات التي تراكمت فى ظل الفساد، فضلا عن تهدئة المشاعر الغاضبة لجماهير أنجزت موجات الثورة، ولم يتغير شئ سوى أشخاص وأصبح حالها أسوأ مما كان، لكنها هي نفسها تغيرت بعمق. وللتشهير بالاشتراكية والاشتراكيين يتشدق المعادون لها بقول ماركس إن الدين « أفيون الشعوب «، وكالعادة ينتزعون هذه الجملة من السياق العام الذي جاءت فيه حين تحدث « ماركس « عن كون الدين هو روح عالم بلا روح، وعزاء من لا عزاء لهم منتقدا ما يلحقه الاستغلال من أذى بإنسانية الإنسان مما يؤدي لاغترابه، ويلجأ المستغلون لاستخدام الدين لتغييب وعي الجماهير وتبرير استنزافها. نستطيع أيضا أن نستنتج من حماية الدولة للسلفيين وهم المعادون لكل ما تطرحه من شعارات، كيف أن منطق الألاعيب السياسية البهلوانية يقف خلف هذه الممارسات وهو منطق يرى أن السياسة هي لعبة شطارة، و» ما تكسب به العب به « أياما كانت نتائج مثل هذه الألاعيب، وللأسف أنها كانت غالباً نتائج كارثية. وتتعدد أشكال تقصير المثقفين التنويريين والنقديين، ومن ضمنها تقاعسهم عن تقديم صيغة أخرى ومنهج آخر للسياسة، لا باعتبارها لعبة الشاطر يكسبها وإنما باعتبارها أداة جبارة لتغيير حياة الناس إلى الأفضل، وإرساء القيم العليا المبنية على تضامن الجماهير العريضة، صاحبة المصلحة فى التغيير، ومنجزة الثورات، وصانعة التاريخ الحقيقية.
#فريدة_النقاش (هاشتاغ)
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
بعض ملامح تطوير الفكر الاشتراكي منذ ماركس ولينين وحتى الآن
-
مخاطر الدولة الأمنية
-
الليبرالية تخون نفسها
-
عيد الثورة الاشتراكية
-
سوف نبتكر الأمل
-
إنصاف النساء
-
دكاكين الفتوى .. المسخرة !
-
فلسفة التحالفات
-
هزيمة الهزيمة
-
الفاشية الجديدة
-
المسيحيون مجددًا
-
الهوية بديلا للتحرر
-
«العظم» وذهنية التحريم
-
«كاسترو».. القامة والمعنى
-
قضية للمناقشة: قوة الضعفاء
-
الدين لله
-
لا.. لفلسفة السمع والطاعة
-
فلسفة التوافقات
-
بحثا عن مشتركات
-
تجاهل البدائل
المزيد.....
-
إطلاق نار على قوات إسرائيلية في سوريا وجبهة المقاومة الإسلام
...
-
تردد قناة طيور الجنة الجديد بجودة HD على جميع الأقمار الصناع
...
-
بدء احتفالات الذكرى الـ46 لانتصار الثورة الاسلامية في ايران
...
-
40 ألفا يؤدون صلاة الجمعة في المسجد الأقصى
-
40 ألفاً يؤدون صلاة الجمعة في المسجد الأقصى
-
تفاصيل قانون تمليك اليهود في الضفة
-
حرس الثورة الاسلامية: اسماء قادة القسام الشهداء تبث الرعب بق
...
-
أبرز المساجد والكنائس التي دمرها العدوان الإسرائيلي على غزة
...
-
لأول مرة خارج المسجد الحرام.. السعودية تعرض كسوة الكعبة في م
...
-
فرحي أطفالك.. أجدد تردد قناة طيور الجنة على القمر نايل سات ب
...
المزيد.....
-
السلطة والاستغلال السياسى للدين
/ سعيد العليمى
-
نشأة الديانات الابراهيمية -قراءة عقلانية
/ د. لبيب سلطان
-
شهداء الحرف والكلمة في الإسلام
/ المستنير الحازمي
-
مأساة العرب: من حزب البعث العربي إلى حزب الله الإسلامي
/ حميد زناز
-
العنف والحرية في الإسلام
/ محمد الهلالي وحنان قصبي
-
هذه حياة لا تليق بالبشر .. تحرروا
/ محمد حسين يونس
-
المرحومة نهى محمود سالم: لماذا خلعت الحجاب؟ لأنه لا يوجد جبر
...
/ سامي الذيب
-
مقالة الفكر السياسي الإسلامي من عصر النهضة إلى ثورات الربيع
...
/ فارس إيغو
-
الكراس كتاب ما بعد القرآن
/ محمد علي صاحبُ الكراس
-
المسيحية بين الرومان والعرب
/ عيسى بن ضيف الله حداد
المزيد.....
|