ابراهيم ملازادە
الحوار المتمدن-العدد: 5658 - 2017 / 10 / 3 - 15:29
المحور:
القضية الكردية
الصراع الموجود بین الشعب الكردي والدولة العراقیة منذ بدایات تأسیس هذە الدولة، علی الكثیر من الاصعدة تعتبر صراعا وجوديا ولیس صراعا من أجل الشراكة السیاسیة وتوزیع المناصب، كما یفهمها أو فهمها النخبة السیاسیة الكردیة والعربیة علی حد سواء. فالخلل في أساسە في بناء الدولة العراقیة كنموذج للدولة القومیة، سواء كانت تحت قیادة السنة أو الشیعة العرب. فطبیعة الدولة القومیة، أقل ما تكون متمثلة في مستویین، كالتالي:
1) هیمنة القومیة الاكثریة، أو السلطة التي تتمسك بزمام الحكم، بثقافتها ومصالحها القومیة، وهي تحتكر القوة العسكریة والاقتصاد.
2) تبعیة الاقلیات للدولة، ولكن بشروط تأمین حقوق المواطنة لهم بما فیها الحقوق الثقافیة.
هذان المستویان، نجدهما في الكثیر من الدول القومیة التي أسست بعد خروج المستعمر (Post Colonialism) في حظیرة الشرق الاوسط. وأن هذه الدول التي بنیت بفعل المستعمر، وأعطيت مقود الدولة إلی مكون واحد، وفق مصالح المستعمر الاستراتیجیة، علی حساب المكونات الاخری الرئیسیة، والتي من المفروض أن تراعی فیها - علی الاقل - حقوق الاقلیات، ولكنها تعرضت الی الاجحاف أیضا وهضمت حقوقها.
فهل الشعب الكردي أقلیة بالمفهوم السیاسي الدارج؟
قصة الشعب الكردي هنا مختلفة تماما عن قصة الاقلیة، لأن الشعب الكردي لیست أقلیة بالمفهوم السیاسي المتداول، داخل الدولة القومیة، أو علی الاقل أن الكرد لا یعتبرون أنفسهم أقلیة. فإنهم حتی التاریخ القریب، كانت لهم إماراتهم وكان لهم دور في التاریخ القدیم والحدیث، وهم یعیشون في موقع جغرافي متحد ومعین ومتمیز. وتم تقسیمهم على الرغم منهم بین هذه الدول الاربع القومیة الحالیة؛ تركیا، إیران، العراق وسوریا، بفعل المستعمر الذي كان له دور مباشر أو غیر مباشر في تأسیس هذه الدول الاربع، ولا یختلف عاقلان علی هذا. وكما تم تقسیم الجزیرة العربیة إلی دویلات وإمارات، ولكن في إطار مختلف، وبسیادة كاملة بالمفهوم القانوني الدولي لكل إمارة، وقصة دولة العراق وسوریا لا تخرج عن هذا المألوف.
لذلك، الاشكالیة هنا، في بنیة هذە الدول التي لا تفهم المسألة الكردیة، أو لا ترید أن تفهم، لأن الكرد كما أسلفت لا یعتبرون أنفسهم أقلیة، وإنما یریدون أن تكون لهم سیادة سیاسیة وقانونیة داخل جغرافیة تواجدهم، كباقي شعوب المنطقة. وهم لا یعتبرون انفسهم اقل من هذه الشعوب، ولا أزید. وهذه الارادة اسمیها هنا (المنظومة النفسیة الجماعیة للشعب الكردي) مع أن هناك تفاصیل دقیقة في جزئیات هذه المنظومة، لا مجال للولوج فيها.
إذا، التخبط في طبیعة هذه الدول القومیة واضحة، هذه الدول ترید أن تحجم الكرد، بتاریخه، وجغرافیته وتطلعاته داخل مفهوم المواطنة الضیقة، ولكن هذه الدول، لیس فقط لم تراعِ خصوصیة الشعب الكردي بالمفهوم آنف الذكر (المنظومة النفسیة الجماعیة للشعب الكردي)، بل حتی حرمتهم - ولا تزال في تركیا وأیران - من مفهوم المواطنة الكاملة داخل الحدود المفروضة علیهم ضمن هذه الدول، وقامت بقمعهم وحاولت إصهارهم، حتی وصلت جنون دولة العراق داخل المنظومة البعثیة؛ إلی ارتكاب جریمة الإبادة الجماعیة بحقهم في العراق.
فالعراق، وفق القانون الدولي، دولة مارست الإبادة الجماعیة داخل حدودها، ضد مكون مختلف عن الاكثریة في عرقه، وتاریخه وثقافته، لمجرد أن طالبت بالحقوق الثقافیة وبعض الحقوق السیاسیة، والتي تمثلت في مفهوم الحكم الذاتي آنذاك.
لذا فإن عودة النخبة السیاسیة الكردیة الی بغداد بعد سقوط نظام البعث فیه، كانت سذاجة سیاسیة ونتیجة لعدم النضوج السیاسي لدیهم. لانهم كان من حقهم - قبل الذهاب إلی بغداد - طلب ضمانات دولیة بعدم تعرضهم للابادة مرة أخری، وإحدی تلك الضمانات، هو السیادة الكاملة داخل جغرافیته، وفق اتفاق بین الاطراف. ومع الاسف هذا لم یحدث، ورجعت النخبة السیاسیة الكردیة الی بغداد من دون أن یفهموا المنظومة البنیویة للدولة العراقیة.
فالمنظومة البنیویة للدولة العراقیة، كانت ولا تزال، تنحصر في هیمنة مكون واحد من المكونین الاساسیین "عرقیا" العرب والكرد، واعتبار الآخر الكردي، رعیة الدولة ضمن مفهوم المواطنة. وهذا ما حول الصراع بین القومیة المهیمنة داخل منظومة الدولة، مع القومیة المهیمن علیها، الی صراع وجودي. والاشكالیة هنا، لا النخبة السیاسیة الكردیة بعد ثورة الشیخ محمود الحفید تحركت ضد الدولة العراقیة، والتي كانت آنذاك تحت الانتداب البریطاني، بمفهوم "الدولة المحتلة"، ولا الدولة العراقیة تعاملت مع الكرد بهذا المفهوم. بل تعاملت معهم، كأقلیة منتشرة في العراق. ونتیجة لمناهضتهم الدولة، حرمتهم حتی من حقوق المواطنة، ومارست ضدهم أخلاقیة المستعمر باتباع سیاسة «فرق تسد»، والارض المحروقة وسیاسة التعریب والتهجیر.
ولكن، في الاساس، الشعب الكردي داخل منظومته النفسیة وبموجب تواجده البنیوي داخل جغرافیته وثقافته، وتمایزه الواسع مع الاخر العربي، یعتبر وطنه محتلا من قبل الاخر المستعمر، كما اصطلح علیه عالم الاجتماع التركي إسماعیل بیشكچي، "كردستان مستعمرة دولیة". وأي محاولة لتقمص القضیة الكردیة ضمن مفهوم المواطنة داخل هذه الدول، سوف تمنی بالفشل.
* باحث وأستاذ علم الاجتماع في جامعة سوران - كردستان العراق
#ابراهيم_ملازادە (هاشتاغ)
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟