عبدالباقی مایی
الحوار المتمدن-العدد: 5599 - 2017 / 8 / 2 - 22:32
المحور:
القضية الكردية
بعد الحرب العالمیة الأولی تم تقسیم كردستان بین الدول الحالیة تركیا و إیران و عراق و سوریا، بالتعاقب حسب الأكثریة. منذ ذلك الوقت قام الشعب الكردی فی فترات متقطعة بثورات تحرریة عدیدة فی مناطق مختلفة من أرض كردستان للمطالبة بحقوقه القومیة، ومن ضمنها حق تقریر المصیر. ولكن جمیع هذه الثورات باءت بالفشل نتیجة عدة أسباب أهمها تنازل قیادات هذه الثورات عن الهدف الرئیسی لجماهیرها تحت ضغط سلطات الإحتلال. حیث كانت تلك الثورات تبدأ دائما" علی شكل إنتفاضة شعبیة للدفاع عن الهویة القومیة الكردیة والمطالبة بالحقوق القومیة أسوة بالقومیات التی كانت ولاتزال تكون الأغلبیة الحاكمة فی تلك الدول؛ الترك فی تركیا، الفرس فی إیران، والعرب فی العراق و سوریا. و كانت تلك الإنتفاضات سلمیة فی بدایتها وتعبر عن مطالبها عن طریق التظاهر أو إرسال الوفود للتفاوض مع السلطات المعنیة. كانت الوفود تمثل القطاعات المختلفة من سكان تلك المناطق وتتكون فی أغلب الأحیان من وجهاء المنطقة المعروفین لدی السلطات المحلیة سواء" كانو شیوخا" أو رۆساء عشائر أو رجال دین أو أصحاب نفوذ إجتماعی. كان الشعب ینادی فی جمیع هذه الإنتفاضات بالحریة فی ممارسة عاداته و تقالیده لإحیاء المراسیم والطقوس الدینیة والقومیة الخاصة بتراثه، وبإستعمال لغته الخاصة التی تختلف جذریا" عن لغات االسلطات القائمة فی تلك الدول؛ اللغة التركیة فی تركیا، والفارسیة فی إیران، والعربیة فی كل من العراق و سوریا. فكانت الأمور تسیر فی جمیع هذه الثورات نحو الإصطدام المباشر بمصالح وخصوصیات القومیات الحاكمة. ونتیجة لإلتزام تلك السلطات بمصالحها القومیة التی ورثت ثقافة قومیة سلطویة إن لم نقل شوفینیة فی تطبیق مسار الحكم، فقد إستعملت تلك السلطات العنف و قوة السلاح بالإضافة إلی اللجوء إلی سیاسة “فرق تسد” لإخماد تلك الثورات. نتیجة لخوف تلك السلطات من إنتشار شبكة الثورة إلی أجزاء أخری فی كردستان إعتمدت السلطات الحاكمة علی مد ید العون والإستشارة إلی سلطات الدول المجاورة والتی كانت ولاتزال تحتل قسما" من أرض كردستان، مما أدی إلی نشوء جبهات و تحالفات دولیة ساعدت من خلالها تلك الدول أن تتفاهم فی ضرب تلك الثورات الإجتماعیة فی أساسها لكی تصبح ثورات سیاسیة وعسكریة مسلحة ومدعومة من تلك الدول نفسها لإستعمالها كورقة ضغط فی تعاملها مع بعضها البعض من أجل مصالحها المختلفة. فكانت تلك الثورات تستغل من قبل سلطات الإحتلال و تجد نفسها فی صراعات تلك الدول وتحالفاتها وتفقد بذلك عمقها السلمی الإجتماعی لتصبح حركة مسلحة تدار مادیا" وعسكریا" من قبل تلك الدول المحتلة لكردستان. أستعمل هنا كلمة المحتل بمعناها العملی أكثر من المعنی السیاسی، حیث تحكم هذه السلطات ضمن حدودها المعترف بها دولیا" لذلك قد لا ینطبق مصطلح الإحتلال السیاسی علی سیطرة هذه الدول علی كردستان. أما من الناحیة العملیة فیعتبر الشعب الكردی فی كل من هذه الدول السلطة الحكومیة قوة محتلة مفروضة علیه دون الأخذ بنظر الإعتبار رغبة الشعب الكردی وما له من حقوق وتطلعات وما یعانیه من مآسی وحرمان. فنتج عن هذا الواقع وضع نفسیإجتماعی فی مجتمع كردستان یتسم بستراتیجیات نفسیة للبقاء علی الحیاة مثل الصمود والتحدی للمحافظة علی هویته القومیه ولمقاومة الإضطهاد والتعسف، مما أدی بشعب كردستان إلی البقاء فی التأخر المجبر بدلا من التطور الطبیعی للمجتمع. لذلك لازال شعب كردستان یعیش فی عصر الأساطیر حسب قواعد علم البشر (الأنتروپولجیا)*. كان لهذا الوضع الغیر طبیعی فی كردستان تأثیرات نفسیإجتماعیة سلبیة وأخری إیجابیة علی مستوی الفرد والمجتمع. فمن ضمن التأثیرات الإیجابیة علی مجتمع كردستان ذكرنا ستراتیجیات البقاء مثل الصمود والتحدی التی أدت إلی الإحتفاظ بالهویة القومیة للشعب الكردی، وكذلك إعتزاز الفرد بالعادات والتقالید والقیم القومیة، مثل اللغة واللباس والتعاون فی النكبات والمصائب وتوزیع الوظائف والمسۆلیات فی هیكلیة العائلة و الكرم والوفاء وقابلیة التأقلم مع كل جدید…الخ. أما التأثیرات السلبیة علی مستوی الفرد فهی نتیجة لبقاء المجتمع علی العادات القدیمة التی كانت ضروریة فی زمانها ولكنها هدامة فی عصر التمدن، مثل التربیة المبنیة علی الخائات الثلاث: الخوف والخجل والخطیئة مما یۆدی إلی تكوین شخصیة ضعیفة تتسم بعدم الثقة، والتفرقة الجنسیة، والعیش من أجل ما بعد الموت*. أصبحت هذه التأثیرات السلبیة علی مستوی الفرد أقل وطأة بعد التحولات الإجتماعیة السریعة فی مجتمع كردستان العراق تحت تأثیر الدعم الدولی للنظام السیاسی الجدید فی العراق عامة ولكردستان بصورة خاصة*. الأمر الذی أدی إلی زیادة الثقة بالنفس لدی الفرد فی كردستان العراق وبلوغ جیل من الشباب الواعی الذی یدعو إلی الحریة الشخصیة بصورة دیمقراطیة وبأسلوب سلمی. هكذا نمت روح التمدن لدی الشباب فی كردستان العراق بینما تم الإحتفاظ بالقیم القومیة وتقویتها. ولكن القیادة السیاسیة فی كردستان العراق بقت علی شكلها المساوم مع سلطات الإحتلال والمهیمن بقوة السلاح علی مۆسسات الدولة التی تستغل من قبل الأحزاب السیاسیة وكذلك الأسلوب العشائری القدیم للحكم. فإزدادت المحسوبیة والمنسوبیة فی الحكم، وتفشی الفساد وتوالت الأزمات فكبرت الفجوة بین الجیل الجدید من الشباب والجیل القدیم فی القیادة السیاسیة مما إدی إلی ثورة الشباب التی قامت بتسییسها الأحزاب السیاسیة، الإسلامیة منها والعلمانیة. و عندما وجدت القیادة السیاسیة نفسها بین إستغلال سلطات الإحتلال و زیادة مطالبة الشباب بالحریة لم تستطع الإستمرار فی إدارة الدولة فلجأت أخیرا” إلی الطریق الصحیح وهو فسح المجال للشعب لكی یقرر مصیره بنفسه ویختار نظام الدولة المناسبة لرغباته وطموحه الأصیلة التی تتوحد فی الإستقلال وهو أهل لها. * یمكن الحصول علی المصادر من المۆلف.
#عبدالباقی_مایی (هاشتاغ)
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟