أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - جميل حسين عبدالله - شوارد الفكر -9-















المزيد.....


شوارد الفكر -9-


جميل حسين عبدالله

الحوار المتمدن-العدد: 5593 - 2017 / 7 / 27 - 12:09
المحور: العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
    


شوارد الفكر ‏
‏-9-‏
في نهاية هموع هذه المقالات، تعود بنا إلى الوراء هوامل الذكريات، لكي نكتشف من المسار الذي كشف ضعفنا الإنساني، كيف كانت اللغة خائنة ‏لنا في بعدها البشري، وكيف كانت فسحة لنا في مداها الطبعي، لأنها بمقدار ما انفتحت على عوالم مديدة، وانبثقت عن طرق الوعي بالهويات ‏العديدة، فإنها لم تفض بنا إلى معين ما تتضمنه علاقاتها من مدارات ثقافية وإنسانية عظيمة، إذ هي في طبيعتها المتحولةِ منفصلةٌ عن ذواتنا، وفي ‏حقيقتها المتداولة صورُها منحازةٌ إلى كسر ما تآلفت عليه قوالبنا، وتوافقت عليه وسائل معرفتنا، وتحددت به ماهيتنا، لأنها ولو كانت محايثة ‏لملابسات واقعنا، ومقابلة لسيرنا في مدارنا، فإنها تضمر عدم حيادتها في صياغة مفاهيم حياتنا، وتخفي كيف تسكنه منها لحظة سارحة في فضاء ‏زمننا. ولذا، فإن لا محدوديتها تتناسب مع لانهائية جزئيات حدودنا، وتتفاعل بلاتَعَيُّنِهَا مع ما نخوضه في فراغ نظم وجودنا، وضياع نواميس كثير ‏من المهاد التي كنا نحس في هدوئها بالطمأنينة، ونسعد في رحابها بالسكينة، لأن آلية التأويل التي نفسر بها سبب هبوطنا من عالم السماء، لكي ‏ندوس بخفافنا ما تناثر على الأرض من فناء، لم تكن إلا حماية للكينونة التي تحددها عوامل أخرى، ربما لا علاقة لها بما رسمناه من مثل جلى، ولا ‏صلة لها بما دوناه من حقائق كبرى، إذ هي في انفتاحنا على العالم بوسائط شتى، لا نختبر ما فيها من ضرورات قصوى، ولا ننتزع منها ما تبرزه ‏انعطافاتنا من تحولات عظمى. ‏
ومن هنـا، يكون إدراكنا لسلبية انتمائنا إلى اللغة دليلا على انفتاح نظرنا إلى العالم الخارجي، وبرهانا على أننا ما زلنا نبدع في تدجينها نوعية قالبنا ‏النفسي، وحجةً على أننا ما فتئنا نؤرخ للحظة التلاقي مع عرضية محيطنا الاجتماعي، لأن ما يضمن لنا في مأزق اللغة عضوية إنسانيتنا، ويصيرنا ‏قادرين على التعبير عن حقيقة كياننا، هو ما نحس به من فاعلية في كائنية الفكر الذي نساءل به روابط الواقع، ونتحاور به مع خاصيات الموضوع. ‏وهو ما يضمر صبغة عمقنا الذي تتحرك به آليات قراءتنا للذات، والمحيط، والمجتمع، ويكشف عن صيغة التسامي الذي نحدد به صورة تاريخية مفاهيمنا ‏في الأنس، واللذة، والإمتاع. وإذا كان هذا وجع ما بعد الحداثة، فإنه قد كان لنا وعاء فكريا في زمن غالى بتكفير الحداثيين بسبة تنافي القديم ‏للجِدة، وتعاديه مع البدعة، وفاخر بالاحتماء المبطن تطرفُه بتقديس العوالم الماضوية، والأشكال المتعالية، لأن ما طرأ على طابع بنيتنا التقليدية، وما ‏شاكسها من تعينات لانفعال الأفعال المتواترة، كان في ميكانيزم التفكير برهانا على أزمة الكنه، والهوية، واختناق الذات من زفير الصناعة، والآلة، ‏وفقدان صفاء المطالع في مرآة التطور التاريخي للعلاقات الاجتماعية، والثقافية، وضياع المدى الذي يضمن لنا امتداده صيغة قيمنا الحضارية، ‏والإنسانية، ويحتوي على ما تآلفنا على اشتراكه في حقوقنا الكونية، والعالمية، إذ ما حدث من كسر لصيغنا التي نعيش في هامش اشتقاقها بخضوع، ‏لم يكن إلا إرغاما لكفاحنا على مبدأ الخنوع، لأنه حين يمتعنا باستعارات جديدة، وكنايات لذيذة، فإنه يطبعنا بوعي يتحيز للدائرة المحدودة، ‏والصورة الملحوظة، والحقيقة المطلوبة. وهي ما يمثلنا في أقليات عرقية، ويجسدنا في جنسيات فاقدة لصلاتها اللغوية، إذ هي في مواقفها السلبية، ‏وتوجهاتها الفوضوية، تبين انحسارنا عن الجماعية، وانزياحنا عن المألوفات البشرية، وتوضح لنا طرق انغماسنا في بحر الأنانية الذاتية، وأمداء ‏الفردية المتضخمة. ‏
ولذا تكون أصالتنا مهددة بالانقراض، لكونها لا تعبر عن الأساليب القديمة التي تواءمنا عليها بلا اعتراض، لأنها بمقدار ما تقبل انتماءنا إليها، فإنها لا ‏تمنحنا حق الاقتباس منها، إذ هي مفارقة لما يسوقنا من نماذج اقتصاديات تسوِّق لمبدأ خاص في مدَنية الحياة العامة، والخاصة، ومنفصلةٌ بمسافات ‏عن إمكانات تاريخنا في توظيف أنماط هويتنا الفردية، والجماعية، لأنها ولو استخدمت المعنى القديم انتحالا، فإنها لا تعبر إلا عن علاقة انتقائية ‏تربطنا بما نبدعه في حاضرنا احتيالا، إذ هي لا تقيم رابطة ضرورية بين عوالم الماضي ورهانات المستقبل، لأنها بمقدار ما هي أداة زاخرة بالتواصل، ‏فإنها تتضمن خدعتَها في طرق صوغ نزعات معاني الموضوع. ومن هنا، فإن تجاوز اللغة لمداراتها الذاتية في أصل الوضع، إن لم يكن الغموض فيه ‏مطلوبا لجزالة القول المقصود بالبلاغة، لن يكون إلا اتفاقا على صيرورة سالبة، إذ هي في إغرائها بطابعها المطلق، لا تستوحي ماهية معينة في ‏الإطلاق، وهي ما يحددنا بسببية الدم، واللحم، بل تبني جوهرا آخر في البرهنة، والفهم، وهو ما يجمعنا في ماهية تتجاوز الأنماط، والأطر، ‏والأشكال، وتتعالى على الأنساق، والسياقات، والمثل، لكي تصاقب ما يُحكِّم القوة في العالم من نظم، ونواميس، وقوانين، لأنها علة لصياغة عهد ‏يبتعد في قوالبه المعرفية عن مرسوم الأديان، والعقائد، والإنسان. وهكذا غدونا بدهشة فعل الجديد صرعى، لا ندري كيف سرقت منا محتويات ‏حضارتنا المثلى، ولا كيف يمكن لنا أن نستعيد حقيقة تحديد سياقاتنا اللغوية، ولا كيف نطيق أن نحتفظ على طبيعة تركيب أنماطنا الفكرية، ولا ‏كيف يجوز لنا أن نرتب طريقة تطوير وشائجنا الاجتماعية. ولا غرابة إذا عادت بنا اللحظة إلى سابق العهد، وسالف الود، لأن ما نعانيه اليوم ‏من بؤس المعرفة، هو عين ما وجهناه زمنا من رجس الحضارة، إذ كان مسرح واقعنا مترعا بِشرِّية الصراع بين القديم، والحديث، ومفعما بخطابات ‏فوقية ترى النجاة في كنه نفوذ سيرها على الطبيعة بخطوها الحثيث، لأن الناقل الذي ربطنا بالحاضر عن طريق التضحية بالماضي، لم يكن في تصميم ‏الإرادة إلا انحيازا إلى غد مجهول المعاني، إذ هو في ترويضه لنا على قبول الفعل المتجاوز للزمان، والمتعدي للمكان، لا يكسبنا إلا مهارة الانتقاء ‏لأساليب الواقع المعترك البنى، والمتحارب القوى، لأنها هي التي تهبنا استعداد التفاعل مع كل التحولات، وقوة التحقق باللامتناهي في غدونا نحو ‏مستقبل غامض الغايات. ‏
وإذا كان الفقيد محمد بوزليم رحمه الله، وهو أغلى صديق صاحبته فكرا، وفارقته نظرا، وأمثل رفيق عشت معه لحظات السمو، وأوقات الدنو، يقول: ‏الأوغاد لا يموتون، وإن رغبت في مد اليد إلى وصالهم، ضاع منك واضح البيان، وصريح الجهد، وإن باينت ما يعقدونه من حمية صراعهم، نالك جائر ‏الغبن، وغائر الكمد، فإني أتذكر بالمصادفة، وأنا قد عدت من سفرةٍ تضني الأنظار السارحة بالآراء الكاسدة، ورحلةٍ تجولت فيها بين دروب المدن ‏الشاردة بأحلام غائرة، والأزقة المزدحمة بملامح شاحبة، والدور المتشظية بفوادح نازفة، ينطق صمتها بعلة الذات المدنفة، وصوتها بسباب الحياة المعذبة، ‏ونظرها بشماتة المطالع المسودة، كيف عَنَّ أن أرسم هذه الصورة التي تراءت لي منذ زمن بعيد ملوثة بأوجاع الوعي الشقي، وأوضار السرب الدوي، ‏وتتناهت إلى ذهني في نقوش مشوهة بالألم الطافح بالعناء، ورسوم معتقة بالأمل الطازج بالرثاء. وكأنها لم تتوال علي أسباب الحنين إلى نفض ما يغشاها ‏من غبار السنين العابسة، ويلفها من أوحال الأماكن البائسة، إلا لتجبرني على اشتهاء المقام الرديء، وانتخاب المرام المريء، لعلي أن أكون واثقا بما ‏مدت إليه الأيدي بجشع، فأبلغ حظي مما يفقد معناه بوضيع الولع. لكني كنت أخال ما كمُن فيها لونا خادعا، وأظن ما تبرزه مفاتنها حجابا مانعا، وأخشى ‏أن أحتار مما يكشفه الزمن فيها من عمق، ويوضحه من ذوق، لأن قرار نهاية العشرينيات في سيرة الأفكار، وبداية عقد الثلاثينيات من عمر يمسكه عناد ‏مارد الحرف الأبتر، ليس هو ما أتأبط كمده بعد أن بدأ العظم يهن، والبدن يئن، وصار الإحساسُ بعلل الأرزاء منكسرا، والشعورُ بما أبني قبابه منهارا، ‏وغدا اليقينُ بما أكتب حرفه معلولا بالتجافي، والرغبةُ فيما أدبره مخذولا بالتنافي. ‏
إذ ما نحن عليه من أحداث غضة بالاعتبار، وبضة بالانتظار، ومهما أغرقت أوجاعنا في فوضى السؤال، ووجع الأحمال، وأفسدت أعراضنا فيما تستره ‏المعالم من خزي الديار، وعار الأكوار، لا يدني إلا ما نشربه من سؤر في جرن الثواني التي نعدها بحذر، وانتباه، ونحصيها بحرص على ما تنتظم به ‏عوارضها من نظائر، وأشباه، وكأنها تحمل إلينا نذارة في صوت بشارة، وتذكيرا بما سيضيع بين رحاب الكون من تيجان النقاوة، وما سيسلب في مراح ‏الطبيعة من إكليل الحفاوة، إن هجونا الائتلاف بسمج الأقوال، ودنيء الأفعال، وجعلنا الصراع فدية نضحي بها لتقديس وجه السماء، وتطهير الأرض بدم ‏الإنسان البريء الرجاء، لأنها ومهما ناء بحملها قلبي المتعب بالأتراح ، والمثخن بالجراح، فإن ما استشرفه من فضاء يغزو ما وراء السراب، لا يكلفني ‏عناء الجلوس على أريكة المفاضلة بانكباب، لكي أتخيل تلك الدقيقة الساهمة في سحر العالم المتقيظ بحرارة الحروب، والمتلفع برداء النزاع النازف بصديد ‏الكروب، إذ تضييع الوقت في طرق الباب المغلق على أحلامنا الساذجة، لن يمكننا من النداء الذي يرج الصواري الجاثمة على مرفأ أمانينا البالغة، لكي ‏يحدث في الآذان طنينا، وفي الصدى رنينا، لأنها ومهما تعالت الأرزاء في جوقة الصراخ المشروب نخبه على جماجم الكرامة البشرية، وأشلاء الديار ‏الكئبية، لم تصنع فينا خشونة الطبع، ولا رقاعة التطبع، إذ لو كان ذلك حريا بالظهور الذي يكسبنا حلة المجد، وسنة الحمد، فإنه سيبرزنا بين حوصلة ‏الزمن بلا وقاء، وسيرغمنا على السير بلا حدو، ولا غناء.!‏
‏ لكن مرح الذات التي تألمت بانصرام عهد البناء، وانتهاك حرمة ما رفعه الإنسان من نداء، ولو التبس بغموض الدهشة، وحبور الأطلال بصوت ‏الغربان المخيفة النظرة، لم يجعلنا إلا متذوقين لما تنقشه أنامل الفنان في عوالم لوحته، ومترنحين بما تسلتهمه استعارات الشاعر من آفاق صوره، ومتعقلين ‏بما تضمره حدود الحكيم من مدرات حدسه، لأن قراءة رموز اللغة التي عبرت عن ملكتها بالألسن المختلفة، وناجزت عدوها بدربتها المتنوعة، هو الذي ‏يدفع نبض قلبي إلى التسارع في يم التثاقل، ويدني حظي من الولوغ في مورد التواكل، إذ الإغراء الذي يشع على وجه البحر المخبوء في غموض ضجيج ‏أمواجه، وهدوء شطآنه، لا يفسده إلا النظر الرديء، ولا يغيضه إلا الأمل الدنيء، لأننا لو نظرنا إلى وجه هذا الطفل الذي يرد المقاهي الصاخبة، لكي ‏يستلطف عطف القلوب الواجفة، عساه أن يظفر في حدبها بكسرة خبز كسيرة، أو يستظهر من سواد نظرتها بسمة حقيرة، لأيقنا بأننا في أفول المعنى، ‏وضمور المجنى، نهرول بخطواتنا نحو آجام اليأس، ونجرول بسيرنا نحو غِيل البؤس، إذ ما ننتظره على مستشرفات البيوت الباذخة بأحلام حرى، ‏والشامخة بأمان شتى، لا يخلي من ألمه مهيع الأمل في آمالنا، ولا ينجي من عقابه ركب الأحلام في سبيلنا، إذ ما يقوم عليه من اختلال، وما يتركه من ‏ابتذال، لا يجسد إلا أمثولة الضحية التي يدلل بها العالم على احترامه للإنسان بمنتهى الأمانة، واعتداده بحقه في وافر السعادة، ودوره في نماء الفضيلة، ‏ووظيفته في بقاء الطبيعة، لأنه لا يدل على فعل العطاء فيما يمسح من رؤوس الأيتام، والفقراء، ولا على ثراء الحب فيما يضعه من أزهار على قبور ‏الأحرار، والشهداء، بل يعرب عن الشفقة التي تؤلم انتشاءنا بذرى لذاتنا، وربى متعنا، ويفصح عن نزولنا من على البرج الذي يستر كدورة أطماعنا، ‏ويعري سوأة أعراضنا، لكي نجعل خلاص هذا الطفل قضية إنسانية، وفداء هذا الكون ضرورة في امتلاك السطوة، وعلة في ادعاء القوة.‏
ومن الغرابة التي نجامل بها مغبة الواقع، ونماذق بها معرة النزاع، أننا في انتظار عودة أمه الغائبة عنه، وانهماكنا في استدرار عواطفنا من دموعه، قد ‏ابتاع أرضه لمن طلب الأجر بلمس رأسه، وارتجى أن يكون ما ذبحه من آبائه سلما لرقيه، وعشا لأمنه، وقبرا لخوفه، لأن مسة القلب التي يستهديها ‏المشهد من غوره، لم تنهمر برذاذ الحنان على قلبه، لكي تكون دليلا على الوفاء للحن الإنسانية، وبرهانا على الاحترام للقيم الخالدة. تلك الأم الذي ‏ضاعت بين الأدخنة، ومادت بين الأوبئة؛ وهذا قدرها حين رأوها غائبة وراء أسمال الرجل المتنجس بفحولته، والمتضخم بذكورته، لم يكتب لها أن ‏تحضر عرس انتهاء عهد الأبناء بالحوباء، لكي يطل عصر ذلك اليوم الذي يموت فيه العز، والوفاء، وتنتحر فيه الهامات المتضمخة بعطر الإباء، والنخوة ‏الشماء. وها هو هذا الطفل المهمل، والفتى المضلَّل، يبدو بين أقرانه حاسر القرون، وكأنه ثور أهوج بين الميادين، يخيف المشاة على وحل الأماكن ‏البائسة، ويهين الآبقين من رمضاء الديار الحالكة. فأين أمه التي احضنته تحت إبطها، لعله أن يكبر في إلفها، وينعم بما فقده الآباء من إباء، وضيعوه من ‏وعاء، حين أنشدوا برماحهم أنشودة الحرية، لكي يقول حلم الشاب في صريح القضية: أنا محتاج إلى خصوبة الحنان بلا امتنان، وإلى عذوبة المكان بلا ‏افتتان، لا إلى كسرة خبز تبعد عني حزن الفوت، أوتدني مني وجع الموت. ‏
هذه القصة قد تقاسمت سحق صورتها مع صديقي بوزليم بقرية المزار، (هي من ضواحي أيت ملول بأغادير) وعشنا عزلتها فيما اختبرناه من أقدار، ‏ومسارات، ودوناه من أفكار، ولغات، لأن حقيقة الأوغاد فيما يلبسه الزمن الوبيء من أكيسة الحلم، وقطائف الألم، هو الذي يجدف بشراعنا إلى ‏منطوق اللحظة الهاربة، ومفهوم اللذة السارحة، ويدلف بنا إلى محصور الذكريات التي نثرنا وردها بين أحاديث السهر، ونفثنا عقدها بين مقصور ‏حكايات السمر. وما أكثرها حين ائتلفنا على صوغ قالب للقضية، ووضع عيار لكسب المُنية السخية، وكان في لزوم المعلول للعلة، أن لا يشهد كل واحد ‏منا وهج ذاته إلا في قبضه على وجع الأمة، وانطواء عمقه على حدس معالم العمران في الحضارة الإنسانية.! لكن ما عج في القرية من فخار اللئام، قد أنسى ‏الحواصل غم ابتلاع زفرة الآلام، إذ ما أحرقه الصرب من أصوات المنارات في البلقان، لم يكن إلا وصلا للماضي بالحاضر المترنم البنيان، وفصلا معتبطا ‏بين رسوم الملل وحدود الأديان، لأن تسويغ هذا الرأي بكتم عاجز الأدوار، لم ينبُت في الفكر إلا عند الشعور بغصة الانكسار، وكان حريا به أن ‏يسوق جيل التيه إلى فضاء الانحسار، إذ ما غدا في السابق لونا للحداد المنعكس حزنه على الأبدان، قد صار في اللاحق قاليا للمضجع الذي علمنا ‏كيف ننطق بالبيان، وفقهنا بما يجب أن نخفيه من همس بين حفيف الأشجار، وما يلزمنا أن نعلنه من سر لسرب الأطيار، لأن عطف الأماكن لا ينال إلا ‏بالخداع، ولا يعبر عنه إلا بشدة الالتياع. فكيف به أن يكون جهرا بين مجاهل الثُّكل، واليتامى.؟ أو كيف به أن يأمن قاصده من غوْل الجُيَّع، ‏والعطشى.؟ ‏
شيء أربك جيل التيه بالوفاء للعِدَة، وهم قد اختفوا بين ضمائر مكنونة بمعان عِدَّة. فالذي اعتاد الوفاء للعهد الذهني، ليس هو ذاك المقيم على الوعد ‏الذهبي. فكلاهما كان متحدثا عن طراوة المحتد، وغضارة المولد، لأن التعبير عن الخلاص الذي يجمع الجماهير على القصد الأوحد، هو الذي حذف جواب ‏الشرط في السؤال، لكي يسرح الخيال فيما بنته الهمم على بطاح الأجيال. فهل سيركب هذا سفينة الأمل، لكي ينجب لنا خيرا مصونا من شر الدجل، ‏فيكون قوله نصا يستوجب الإذعان، وفعله معجزة تستوحي الإيقان.؟ ذلك ما أغاض صديقي محمد بوزليم في لحظة التدني، وأفلس حظي في التأسي، ‏ووجدي في التعزي، وأملي في الترقي، وأبصر قلةً بما في الطريق من شساعة، ووُسع، وأغرق غيرنا في دقْعاء النفاق، والخداع. وهنا يكون جيل التيه ‏قد تناضل حول معنى العالمية، لأنها في زعم التمسك بخيط النجاة المجلوبة، لم تكن إلا صابا وعلقما فيما دهم من نوازل الرزية، إذ أضاع ضعيف الظهر ما ‏حمله من نوء خائر، وحظ خاسر، فلم يجد إلا الإغضاء عن العهد القديم حماية، والتصدي عنه حميَّة في المناعة، لأن عالمية النظرة، وكونية الرؤية، لم ‏تكن إلا استعارة لكل ما يفيد الأمة، ويصيرها بعد هوان في حلل العزة. وذا هو المرغوب في الطلب، والمحبوب في كل الحناجر التي رفعت الشعار ‏بأدب، وأرادت أن تكون البوسنة لسانا إنسانيا يخاطب الأقوياء، لكي يتذكروا أن ذمة الأرض التي يخفرها الأشقياء، لا يفي بها إلا من غرس بذرة ‏الإنسان بين عريض الرحاب، وسكون الهضاب، لكي يكون نسخة مجردة للروح الفاعلة بتلقائية، ووحدة كونية متسمة بالحرية، والعفوية.‏
ربما تكون هذه الفجوة التي حصلت في تاريخ الأفكار، هي المهرب الذي نفذنا منه إلى رسيم الأنوار، ونحن قد ودعنا اليوتوبيا الحالمة بلا انتظار، وحدنا ‏عن مداراتها بلا انكسار، وهي مناط التفكير عند تشظي المعنى، وتلاشي المبنى، لكي نتمتع بعودة الحلم بعد شحوبه إلى الظهور، ونجاة الأمل من فقده بين ‏أنقاض الصدور، فنرفع على قبور الحكماء مآذن مزخرفة، تنادي بالسلم العالمي بأصوات مزمجرة. فهل صرعنا الوهم حين لم نستوعب جوهر الفوضى.؟ ‏أم ذهلنا الورم حين أدركنا أن الحرب مادة البقاء في العدوى.؟ لعل يقيننا بوجود فضاء مهمل في اليوتوبيا التي تحركنا برفع الشعار للأمة، هو الذي ‏أغرى العقول بالبحث عن هذه العوالم الخفية، لأنها تعود بنا إلى رحم الوجود، وتؤوب بنا إلى مولد الذكرى في العهود، لكي نتفحص ما تلده مشيمتها من ‏ألوان في الصراع، وضروب في النزاع، ونختبر ما تنجبه من أنماط العلاقات، وأنساق الثقافات، إذ دراسة ذلك لمعرفة الإنسان الأرقى في الطبيعة، ‏والاعتماد عليه في تحبير اللغة الحديثة، وتصوير الصورة الجديدة، ومهما بدا غامضا في درس الفلسفة، وهي زندقة في المجامع التي سلبت الحكيم باب ‏المدينة، ثم صلبته على أساطين معاهد اللاهوت الهامدة، لكي يموت فكره بمباركة القديسين، ويفنى جرمه بحرق عظامه بين أعين الغوغائيين، لم يكن إلا ‏طلبا للنواميس التي تتأسس عليها حدود المعرفة في الطبيعة، والقواعد التي تبني حظ الحياة في حظيرة الإنسان الشاسعة. ‏
ولذا، فإن ما انبجس في عقل القرية التي احتضنت رفات محمد بوزليم من أفكار مبددة للمقامات القديمة، ومحددة لما يجب صوغ ماضيه في حاضر حماية ‏الذات من المرامات الذليلة، ليس إلا انتقادا طال الثقافات، لئلا تتأثم بما اختفى من علل كابية في الحضارات. وهنا كان سؤال جيل التيه سيكولوجيا ‏في سبب الفرار، وأنطولوجيا في اختيار القرار، ولو بدا لنا حيرة في حرز الخيار، وغربة في الديار، إذ التراجع عن كونية القصد بالآمال التي تخبو في ‏الذوات، لم يكن انكفاء على المحليات التي تصوغ التجربة فيما تشرئب إليه من عناق بين الأمارات، ووفاق على الكمالات، لأن ما يحتقنه الجيل من ‏بساطة في مواجهة أخطاء التاريخ الخالص، لن ير النور بين سراديب ينطوي سرها على لغز الفدائي، المخلص، إذ كثير ممن عاش المخاض، وتعرف على ‏عهود السوقة والدهماء في رص الحياض، وخبر خطاب الواجدين، ومحص نصح المجدودين، لم يبدع فيه سياق المحنة إلا صور الألم، لأنه عثر على طبعة ‏أخرى لكتاب ميتافيزيقا العالم، وقبض على معنى جديد لجينالوجيا الأخلاق في الكائن البشري، إذ الكون غدا في عمقه زافرا من عجز الإنسان عن السير ‏المعنوي، والأرض صارت في مهادها مقبرة لحروب الإبادة، قد تنهي هذا الحيوان العاقل إلى جرن المحرقة، وتنشئ سوبرمانا ينتقي ولادة ألوانه من بحر ‏الآلة، وأشكاله من فضاء التقنية. ‏



#جميل_حسين_عبدالله (هاشتاغ)      



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- شوارد الفكر -8-
- شوارد الفكر -7-
- شوارد الفكر -6-
- شوارد الفكر -5-
- شوارد الفكر -4-
- شوارد الفكر -3-
- شوارد الفكر -2-
- شوارد الفكر -1-
- سوانح البيان (3-4)
- سوانح البيان (1-2)
- موارد العنف -8-
- موارد العنف -7-
- موارد العنف -6-
- موارد العنف -5-
- موارد العنف -4-
- عطر الصباح (شهادة في حق والدي رحمه الله)-2-
- عطر الصباح (شهادة في حق أبي رحمه الله) -2-
- موارد العنف -3-
- موارد العنف -2-
- عطر الصباح (شهادة في حق والدي رحمه الله) -1-


المزيد.....




- قبيل الانتخابات المحلية.. عون يتعهد بحماية ضباط الأمن من الض ...
- محفوظ ولد الوالد يتحدث عن معسكرات تدريب -القاعدة- وأول لقاء ...
- الأمم المتحدة تدين الهجوم على المسيحيين بدهوك: التنوع الديني ...
- الكلمة والصورة.. التطور التاريخي لصناعة المخطوط في الحضارة ا ...
- الكويت تدين اقتحام وزير إسرائيلي المسجد الأقصى
- “نزلها واستمتع”.. تردد قناة طيور الجنة الفضائية 2025 على الأ ...
- كيف تنظر الشريعة إلى زينة المرأة؟
- مجلس الإفتاء الأعلى في سوريا.. مهامه وأبرز أعضائه
- الرئيس بزشكيان: نرغب في تعزيز العلاقات مع الدول الاسلامية ود ...
- ضابط إسرائيلي سابق يقترح استراتيجية لمواجهة الإسلام السني


المزيد.....

- السلطة والاستغلال السياسى للدين / سعيد العليمى
- نشأة الديانات الابراهيمية -قراءة عقلانية / د. لبيب سلطان
- شهداء الحرف والكلمة في الإسلام / المستنير الحازمي
- مأساة العرب: من حزب البعث العربي إلى حزب الله الإسلامي / حميد زناز
- العنف والحرية في الإسلام / محمد الهلالي وحنان قصبي
- هذه حياة لا تليق بالبشر .. تحرروا / محمد حسين يونس
- المرحومة نهى محمود سالم: لماذا خلعت الحجاب؟ لأنه لا يوجد جبر ... / سامي الذيب
- مقالة الفكر السياسي الإسلامي من عصر النهضة إلى ثورات الربيع ... / فارس إيغو
- الكراس كتاب ما بعد القرآن / محمد علي صاحبُ الكراس
- المسيحية بين الرومان والعرب / عيسى بن ضيف الله حداد


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - جميل حسين عبدالله - شوارد الفكر -9-