|
التقليد والأجتهاد
عباس علي العلي
باحث في علم الأديان ومفكر يساري علماني
(Abbas Ali Al Ali)
الحوار المتمدن-العدد: 5572 - 2017 / 7 / 5 - 09:33
المحور:
العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
التقليد والأجتهاد
لعل واحدة من أهم إشكاليات المجتمع الإسلامي هما قضية الأجتهاد والحق في فهم ما يمكن أن يكون عليه الفكر الأجتماعي مستمدا من مشروعية المسلم الأبتدائية بالتعامل مع الدين، وبين من يرى أن التقليد هو مسايرة تامة وأنطباقية للرؤى الأولى والتي يعدها الأنضج لفهم هذه العلاقة وتبنيها كما هي، بين الفكرتين رابط حقيقي وبينهما أيضا فاصل حقيقي، فلا يمكن أن نجتهد خارج ما يمكن أن نتقلده ونتقيد به، ولا نقلد إلا ما أجتهدنا فيه، كلا الفكرتين ساهمت في تقييد المسلم بفكرة أصلها القراءة الأعتباطية للدين بلحاظ أن من يجتهد أو يدع للتقليد هو ليس الدين بل بشر يقرأ ويفكر ويستنبط وفقا لمقدماته (هو) وليس وفقا لروح وجوهر الدين. الأجتهاد كما يعرفه الجميع محاولة أستنطاق النصوص للكشف عن محمولها كأحكام وليس كفهم عام، فالمجتهد يبحث عن جزئية في النص ليطبق مضمونه على المجال المتناسب مع الحالة، فلا هو باحث في شؤون النص عامة ولا في أدبيات ولا محمولات النص عامة، ولا مجرد قارئ يستطلع الدين ليفهمه، بذلك ظهر مفهوم الأجتهاد مقترنا بالبحث عن الأحكام الكلية من خلال شواهد وموارد النص، فما يعنيه المجتهد بعمله هو تعبير عن قراءة تخصصية للنص وليس تخصصية للمجتهد. مشكلة توزيع وتنوع الطرق التي تتعامل مع النص بين مجتهد وفقيه وعقائدي ولغوي وتأريخي ومفسر ومتأول، وضعت النص تحت تجربة تنوعت في نظرتها وتباين في مناهج الدرس والتحليل والقراءة، وبالتالي لا يمكن بأي صورة من الصور أن نتوقع نتائج متجانسة ومتماهية فيما بين هذه القراءات لتؤشر أتجاها كليا، وحتى لو كانت تحت غطاء فكري واحد أو تحت هدفيه عملية موحدة، كما لا يمكن لهؤلاء جميعا بعد أن وزعوا النصوص بينهم تخصصيا أن يجتمعوا ليقرروا مجمل موحد للقراءة، أو تلمس الغائية القصدية منها وفقا لنسق معياري منطقي وعملي. لا يمكن إذا أن نخرج من النص الديني وفقا لمراد النص ومقصده ونحن نتعامله مع جزئيات تخصصية، هذا بالأضافة إلى أن البعض لا يمكنه أن يقرأ مستقلا بعقله وأخرون يرفضون أصلا وجود قراءة سابقة، الكل يدع النموذجية في التطبيق، المجتهد هنا يتعامل مع النص ليس خاليا من تشعبات القراءة أي لا يعامل النص مجردا، فهو أجتهد فقط ليبين خطأ القراءة السابقة أو يصحح ما أنحرف منها على أقل تقدير، فهو يتبنى القراءة قبل النص ويقلد في ذلك رأيه الذاتي في الحكم بين ما قرأ ويقرأون . في الجانب الأخر المسلم المقلد لا يمكنه أن يستحضر أكثر مما في القراءة السابقة ولا يزيد عليها إلا كلمات أطراء ومدح، ليس لأنه عاجز فقط عن ذلك ولكنه مؤمن بأن العقل الذي قرأ من قبل، عقل مقدس لا يخطئ ولا يمكن أن يكون هناك نظير أفضل لم يتوصل له في حينه، لذا فالمسأله عنده أن ما وصل هو نهاية ما يمكن أن يصل له عقل بشري، وعليه بنى نظريته كما يقول الكاتب محمد العشري من أن التفليد مستحكم ضروري عند البعض (التقليد فرضًا لازمًا في جميع العلم العمَلي لزومًا مُطلَقًا لجميع الناس بعد عصور الاجتهاد الأولى المفضَّلة؛ حتى ليُصبح اتِّباع إمام من هؤلاء الأئمة بمنزلة اتباع الرسول - صلى الله عليه وسلم ) . قد لا يكون المسلمون وحدهم من وقع في هذه الثنائية الجدلية، ولكن سبقهم الكثير من معتنقي الدين، لأن طبيعة الفكر الديني ينظر لها على أنها مرتبطة بحال التنزيل أو حال النشوء، ولم يحاول أحد منهم من تجريد النص كونه كائن مستقل عما حوله، فمثلا الأب جورج مسوح في نظرته للتقليد والأجتهاد في الفكر المسيحي يقول (فالتقليد ليس مجرّد عملية نقل للقديم، بل هو تواصل حيّ يعاش في شركة الكنيسة فقط. وتالياً لا يمكن أن يكون التقليد إلاّ عمل الروح القدس الذي يقود الكنيسة في ملء الحقيقة. فنعم للاجتهاد) . الفكر الديني عموما بمحموله النصي التقليدي يجعل قضية الفهم القصدي دوما قضية خارج نطاق الأصل ويحيلها للواقع أكثر مما يحيلها للمتوقع منها، الفكرة إذا يمكن إدراكها من أن المجتهد مثلا يقدم عقله الذاتي مؤسسا للحكم ويرى فيه غاية النص، ويفرض هذا الأجتهاد على الأخر لأن الأخير لا يملك المؤهلات اللازمة لذلك، فهو داع لتقليد من بعده طالما أنه لا يقبل بالأحتمالية النسبية في ما توصل له، أما الذي يدع للتقليد ويمارسه فهو أجتهد أيضا في البحث ولكن نتيجة أجتهاده توصلت إلى ذات النتيجة السابقة فأصر على الأنحياز لأجتهاده، فكلاهما مجتهد ومقلد أو داع لهما أستجابة لواقع الفكرة وليس لفكرة النص ذاتها. البعض من مؤرخي الفكر الديني عند دراستهم لفكرتي التقليد والأجتهاد يرجعون المسألة لمفهوم العقلانية الفلسفية، ويتفرعون في دحض أو إثبات ذلك بناء على أختلافهم في مفهوم العقلانية ذاتها، قد يسند بعض العقلانيين مسألة الأجتهاد كونها إرادة عقلية طبيعية تتلائم مع وظيفة العقل التي ترفض أن تكون المعرفة والفكر ترديد لواقع الفكرة عينها، وبالتالي البحث عن الجديد بروح منطقية ووفق سياقات عمل العقل مشروع عقلاني بأمتياز بغض النظر عن كون النتائج مطابقة للمقدمة أو متخلفه عنه لأن الزمن هو الفيصل والتجربة هي المحك فيه. فالعقلانيون المسلمون أو ما يسمى كذلك يرفضون قاعدة (لا أجتهاد في مورد النص) ليس لأن النص مقدس فقط ولكن لأن الأختلاف يقع في تحديد المورد ذاته، فإذا كان المورد هو البناء اللفظي عينه يكون القصد والدلالة والهدف في إنفصال عنه بأعتبار أن المحمول اللفظي قد يحمل أكثر من معنى تبعا لمقدمات القارئ ومكونه الثقافي والعقيدي وهذا نتج عنه مفهوم الأختلاف، وإذا كان المورد في النص هو القصدية والدلالة المعنوية فهو ليس موردا للنص بقدر ما هو نتيجة له. إذن الأجتهاد بطبيعته أخضاع النص للعملية الفكرية بحثا عن المعقول اللازم منه لا المعقول الأنطباعي، وبالتالي فأي عملية فهم تتطلب تدخل العقل مجتهدا ومتوازيا مع النص، يقول أحدهم (هناك مقولة تثار كثيرا وهي انه لا اجتهاد مع وجود النص، والحق ان هذه المقولة اسطورة في حين ان الاجتهاد الحقيقي في الاسلام، هو اجتهاد ينطلق من النص، فالخطاب الشرعي واذا ما استثنينا الامور الضرورية اي الثوابت، فإن هذا الخطاب قابل للاجتهاد وذلك بعد تعقل النص، واستكشاف مقاصد الشارع من النص فالاجتهاد الحقيقي ينطلق اذن مع النص) . إن مفهوم ومصطلح المجتهد اليوم ومن خلال ما يطرح على الناس من قضايا دينية يعيدنا إلى فكرة التقليد الأولى، فكرة أن المجتهد يقدم نفسه وفكرته الأجتهادية بديلا عمليا عن النص بالخلط ما بين متجه وبين المستنتج منها، وبذلك نؤسس لمشروع التقليد على أنه إنحياز للعقلانية العملية كما يتصور البعض وفي حقيقتها أنتصار لعقل المجتهد، لا أنتصار لمحمولية النص وقصديته التي يريدها من خلال المبنى اللغوي وما يتضمن من عناصر أبعد من حدود الواقع (العقل المجتهد) على إنفراد. في هذا المبحث لا أتناول قضية الأجتهاد والتقليد على أنهما من القضايا التي نشأت من أريخية الفكر الديني، ومن مستوجبات فهم الطبقة الدينية التي تزعمت مهمة نشر الدين وتقديمه للناس، ولكن أناقش بالتحديد كيف فعلت المفاهين هذه دورهما في تغيب مفهوم الإسلام الفكرة عن واقع المجتمع، وكيف لعب الأجتهاد والتقليد دورهما في جعل المجتمع الإسلامي مجتمع مخالف لعنوانه والهوية التي أتخذها سمة أجتماعية له. لقد نشأ عن فكر التقليد تعزيز دور المدرسة الأجتماعية المحافظة التي جعلت ليس موضوع الدين وحده من أساسيات البناء العام لوجود الإسلام والمسلمين، بل تعدى ذلك إلى طبيعة العلاقة الأجتماعية الأهم في نظام المجتمع ومنظومته التأسيسية وهي السياسة، فقد حرص أصحاب مذهب التقليد على نمطية التجربة في حدودوها الأولى والتي أفرزت أنتصارا تأريخيا لمدرسة مكة المحافظة وأنصارها في المدينة، والتي ركزت على مبدأ الطبقية في الإسلام (سادة وعبيد)، طبقية دينية (الصحابة والتابعين وتابعي التابعين) والقراء والبدريون وأهل الصفة وغيرهم. وأيضا طبقية أجتماعية (المرأة ناقصة عقل ودين) والأحرار والموالي، وطبقية أقتصادية سلطوية تتخذ من عناوين أهل الحل والعقد وأصحاب الفضل ممن يقدم الزكاة والحقوق الشرعية مقابل الفقراء والمساكين، حرصت هذه الطبقية على مجاراة الأوضاع الأجتماعية لما كانت عليه مكة قبل الإسلام، وحرصت أيضا أن تسد الباب بوجه التغيرات التي أحدثتها الأنتفاضات والتمردات التي تم قمعها عسكريا والمطالبة بحق المساواة والعدل بين المسلمين كمجتمع محكوم لنظام عادل أفتراضيا (المسلمون كأسنان المشط). لم يكن الواقع السياسي كمعطى ومقدمات وعلل وأسباب حولية كانت بمعزل عن نشأة وتطور الخلاف الفكري بين الأجتهاد كمدرسة تقترب من تحكيم العقل، وتقديم الدين على أنه مفتاح الحل في التغلب على تناقضات والواقع وإشكالياته ضد مدرسة التقليد والأتباع، المدرسة الذي أرتدى شعارها الحفاظ على بيضة الإسلام وعدم السماح للعقل القاصر في أن يقدم الدين أجتهادا بما عرف لاحقا بمسمى الأهواء والتحريفات والبدع الدينية، فقد رأي الدكتور جابر عصفور وزير الثقافة المصري ، أن الفكر الديني العقيدي لا ينفصل عن واقع الحياة ولا يتقاطع معها في نقطة أو نقاط محددة (أن الخطاب الديني لا ينفصل عن الثقافي، وأن الفكر لن يتقدم إلا بتقدم الخطاب الديني الذي ينقسم إلى خطابات عديدة، منها السياسي والديني المرتبط بالأحكام الشرعية، وأن هذا لن يحدث إلا في أجواء مواتية ومناسبة) . فالخلاف أساسا خلاف طبيعي لما يعانية المجتمع من أزمة وإشكالية وليس خلافا مصدره النص الديني ولا غياب الحكم الشرعي من محموله الخاص والعام، لقد ساهم الصراع السياسي والأجتماعي في بناء التعارض بين النقلي والعقلي وبين الأجتهاد والتقليد، وعمق هذا الخلاف لاحقا أسس الصراع الأول حين أمتلك كل جزء من المنظومة الفكرية الدينية أساليب ومناهج وطورها لتدعيم السياسي والثقافي وليس العكس أن يتحول هذا الخلاف إلى العودة للفكرة الدينية لضبط الصراع الأجتماعي والسياسي.
#عباس_علي_العلي (هاشتاغ)
Abbas_Ali_Al_Ali#
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
المسلم والأخر الغيري
-
أزمة المسلمين وأفاق المستقبل
-
الإسلام المعاصر وتحديات العصر
-
الديمقراطية وإشكالية الولاية والتولي
-
ضرورة الديمقراطية وتحديات أحترام حقوق الإنسان في رؤية أستشرا
...
-
المرأة ودورها في المجتمع ح2
-
المرأة ودورها في المجتمع ح1
-
إعادة صياغة مفهوم الأمن القومي
-
التنمية الأقتصادية ودور المال وراس المال في بناء القاعدة الم
...
-
المال ورأس المال في الفكر الديني
-
الخيارات الصعبة في قرارات التغيير
-
العولمة ما لها وما عليها
-
أحلام تمتنع عن الطيران
-
العدم والوجود وما قبل وبعد الموجود ح2
-
العدم والوجود وما قبل وبعد الموجود ح1
-
رواية أفتراضية من عالم ممكن الحدوث
-
العودة إلى دراسة ظاهرة الألحاد وقضية تحرير العقل
-
حين يكون الفقد فوزا ونحن الخاسرون
-
ظاهرة الإلحاد ومشكلة تحرير العقل
-
دروس في تدبر القرآن الكريم لا تأويلا ولا تفسيرا 6
المزيد.....
-
الكويت تدين اقتحام وزير إسرائيلي المسجد الأقصى
-
“نزلها واستمتع”.. تردد قناة طيور الجنة الفضائية 2025 على الأ
...
-
كيف تنظر الشريعة إلى زينة المرأة؟
-
مجلس الإفتاء الأعلى في سوريا.. مهامه وأبرز أعضائه
-
الرئيس بزشكيان: نرغب في تعزيز العلاقات مع الدول الاسلامية ود
...
-
ضابط إسرائيلي سابق يقترح استراتيجية لمواجهة الإسلام السني
-
المتطرف الصهيوني بن غفير يقتحم المسجد الأقصى
-
اكتشافات مثيرة في موقع دفن المسيح تعيد كتابة الفهم التاريخي
...
-
سياسات الترحيل في الولايات المتحدة تهدد المجتمعات المسيحية
-
مفتي البراميل والإعدامات.. قصة أحمد حسون من الإفتاء إلى السج
...
المزيد.....
-
السلطة والاستغلال السياسى للدين
/ سعيد العليمى
-
نشأة الديانات الابراهيمية -قراءة عقلانية
/ د. لبيب سلطان
-
شهداء الحرف والكلمة في الإسلام
/ المستنير الحازمي
-
مأساة العرب: من حزب البعث العربي إلى حزب الله الإسلامي
/ حميد زناز
-
العنف والحرية في الإسلام
/ محمد الهلالي وحنان قصبي
-
هذه حياة لا تليق بالبشر .. تحرروا
/ محمد حسين يونس
-
المرحومة نهى محمود سالم: لماذا خلعت الحجاب؟ لأنه لا يوجد جبر
...
/ سامي الذيب
-
مقالة الفكر السياسي الإسلامي من عصر النهضة إلى ثورات الربيع
...
/ فارس إيغو
-
الكراس كتاب ما بعد القرآن
/ محمد علي صاحبُ الكراس
-
المسيحية بين الرومان والعرب
/ عيسى بن ضيف الله حداد
المزيد.....
|