أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - فاطمة ناعوت - مّن فجّر الكنيسة قبل أن أجدل السعف؟














المزيد.....

مّن فجّر الكنيسة قبل أن أجدل السعف؟


فاطمة ناعوت

الحوار المتمدن-العدد: 5494 - 2017 / 4 / 17 - 19:02
المحور: العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
    


====================

الأحد الماضي، أهدوني عيدانَ سعفٍ بكرٍ من نخيل أخضرَ، وورودًا بيضاءَ من حدائق قلوبهم، تكفيي لأُشيّد مدينةً وارفةً من المحبة. ثم كسوا أرضَ مصرَ بدمائهم البريئة وهم ناظرون إلى السماء يُصلّون. واليوم يحتفلون بعيد القيامة المجيد، بعد أسبوع الآلام الذي علّمنا فيه أقباطُ مصر، كيف يزدادون تحضرًا وسُموًّا، ومحبة، وغفرانًا.
حدث أن غادرتُ القاهرة إلى دولة الإمارات قبل أسبوعين. فتزامن وجودي هناك مع أحد السَّعف، أو "عيد الزَّعف" كما كنّا نسميه حين كنّا صغارًا نجدل عيدانَه معًا في مدارسنا، مسلمين ومسيحيين، لا تُفرّق بيننا عقائدُ؛ وتجمعنا مصرُ في قلبِها على رباط المحبة الأبديّ. يحمل لي هذا العيدُ ذكريات طفولية طيبة، شأني شأن كل المصريين من جيلي ومن الأجيال السابقة، وربما اللاحقة.
عشيةَ العيد، الأسبوع الماضي، كنتُ قد تأخرتُ في الحصول على شيء من سعف النخيل، لأجدل بعض الأشكال الجميلة التي أُهديها إلى أطفالي وأصدقائي وأُزيّن بها جدران بيتي، كما تعوّدتُ منذ طفولتي وحتى هذا العام. لم أخلف عهدي مع السعف عامًا، ولا أخلف السعفُ عهدَه معي في أي عام.
عصر السبت قبل الماضي، اتصلتُ بالأستاذ رأفت إسكندر، سفير النوايا الحسنة بالأمم المتحدة، صديقي المصري المقيم بالإمارات، وطلبتُ منه بعضَ عيدان السعف من أجل الغد. فقال لي: “انسي... السعف كله خلص من إمبارح!” كانت الساعة تقترب من الخامسة عصرًا، ومضى بائعو السعف إلى بيوتهم، بعدما نفدت بضاعتُهم. ولما لمح الحزن في صوتي، أخذني في سيارته وأسرع إلى كاتدرائية الأنبا أنطونيوس للأقباط الأرثوذكس، بمدينة أبو ظبي، وهي كنيستنا المصرية بدولة الإمارات، في محاولة يائسة للحصول على سعفة أو اثنتين. وهناك التقينا بأشقائنا المصريين الذين فرحوا بوجودي، وبهم شعرتُ أنني في مصر. ومن حقيبة كل منهم، كانت تُطلُّ باقاتٌ من عيدان السعف، يُخبئها عن العيون، حتى يختلي إلى نفسه فيجدل لأسرته ولأصدقائه تمائم خيرٍ للعام الجديد. كانوا كرماءَ حين عرفوا سؤالي. فتبرّع كلٌّ منهم بحزمة، حتى صار لديّ ما يكفي لبناء مدينة خضراء من المحبة. ثم أهداني السفير رأفت وردةً بيضاء مضفورة في جريدة سعف، لأُكمل مدينتي.
فرحتُ بكنزي الوفير، الذي فاق ما تمنيت. فحملتُه جرّتي ووقفتُ عند ساحةٍ مظلّلة، يلتقي عند جناحيها مسجدٌ وكنيسة، حيث يقفُ المسلمون والمسيحيون يتصافحون ويتمنى بعضهم لبعض فيضًا من رضوان الله وبركته. أبهجني المشهدُ، فالتقطتُ بعض الصور. وانتظرتُ حتى أشرق يوم الأحد لأكتب على صفحتي هذا البوست:
"هنا الإمارات في أحد السعف. دي الكاتدرائية المصرية في أبو ظبي، يجاورها مسجد الشيخ محمد بن زايد آل نهيان. الجميع بيتقابلوا يسلموا على بعض ويبتسموا لبعض ويهدوا بعض ورود، وبعدين يدخلوا يصلوا كل واحد في دار عبادته. ولما يخرجوا يسلموا على بعض تاني ويبتسموا لبعض تاني ويروّحوا وهما مبسوطين وفرحانين. مسجدٌ ليس عليه حراسة. كنيسة ليس عليها حراسة. في هذا البلد الجميل، عباد الله يعبدون الله، كلٌّ وفق معتقده دون أن يخاف بعضُهم البعضَ، أو يُخيف بعضُهم البعضَ، أو يبغض بعضُهم البعضَ. الكلُّ يحب الكلَّ، والكلُّ يأمن الكلَّ، لأن الجميعَ يحبون الَله فيحبون خلقَ الله. لا حراسة على أي دار عبادة هنا، حتى المعبد الهندوسي والمعبد البوذي بلا حراسة، لأنه لا تهديد ثمة. فكل إنسانٍ حرٌّ ويحترم حرية الآخر. هنا بالإمارات مجتمعٌ صحي. مجتمعٌ طبيعي. وتلك الأمور عادية. غير العادي هو وجود فرد أمن مسلح يحمي دار عبادة! يحميها ممَ؟! لماذا هي مهددة أصلا؟! معلش .... بكرا أجمل بإذن الله يا مصر.” ثم أنهيتُ كلامي بأمنية تقول: "كل سنة وأنتم طيبين وأحد سعف جميل عليكم وعلى مصر الحلوة.”
لم أكن أدري أن ذلك الأحد لن يكون جميلا على مصر. ولم أكن أدري أنني لن أجدل السعف لأول مرة في حياتي. بعد نشر البوست بدقائق بدأت الأخبار الكابية تتقاطر فوق رأسي تقاطرَ صخور جبل يتصدّع فوق غصن نحيل. شهداءٌ مسيحيون جددٌ، كانوا قبل برهةٍ أحياءً يصلّون لربّهم آمنين في كنائسهم. صائمون ينتظرون عيدهم، الذي يحلُّ اليومَ، وقد أشرق على وجوههم وهم في رحاب الله ورحمته. مادت بي الأرضُ وعشت يومين من أعسر ما مرّ بحياتي. ولم أستردّ أنفاسي إلا بعدما كتبتُ "إقرار الذمّة" الذي قرأتموه على صفحتي الأحد الماضي، وأهديته إلى أقباط مصر الذين قال فيهم القرآن: “وقَفَّيْنا بِعِيسَى ابنِ مريمَ وَآتَيْنَاه الإنجيل وجعلْنَا في قلوبِ الذين اتَّبَعُوه رأفةً ورحمة.” من أين يأتون بكل تلك الرأفة والرحمة والمغفرة لمن أساء؟! هي من عند الله.
اللهم لا تؤاخذنا بما فعل ويفعلُ السفهاءُ منّا في حقّ أقباط مصر. اللهم افصل بيننا وبين لصوص الفرح الذين يُحولون أعيادنا جنائزَ ومراسم عزاء، الذين خضّبوا السعفَ الأخضر بقطرات الدم البريء.



#فاطمة_ناعوت (هاشتاغ)      



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- حاضر عن المتّهم
- رسالة مسيحي …. إلى وكلاء السماء
- مصر لم تجدل عيدان السعف!
- دموعي في كف الأبنودي
- سمير فريد … عصفور النقد النبيل
- الطفل الأحمق والطفلة الغبية
- محمد عناني … ذلك العظيم
- حاكموا: فقر خيال نجيب محفوظ!
- الأرنبُ الصغير … يا وزير التعليم!
- أمهاتٌ على أوراق الأدباء
- مَن يكره عيدَ الأم؟
- مصحفٌ من يد دميانة
- محمد عبد الوهاب طاووس الشرق
- تحية احترام للبابا تواضروس
- عزيزي ربنا …. ممكن أعرف عنوانك؟
- أطرقُ باب بيتٍ لا يعرفُ الحَزَن
- المعاصي سرُّ الغلاء .... يقول الإمام
- إنهم يصنعون المستقبل في الإمارات
- المرأةُ العفريت … المرأةُ الصقر
- المعاصي سرُّ الغلاء


المزيد.....




- الكويت تدين اقتحام وزير إسرائيلي المسجد الأقصى
- “نزلها واستمتع”.. تردد قناة طيور الجنة الفضائية 2025 على الأ ...
- كيف تنظر الشريعة إلى زينة المرأة؟
- مجلس الإفتاء الأعلى في سوريا.. مهامه وأبرز أعضائه
- الرئيس بزشكيان: نرغب في تعزيز العلاقات مع الدول الاسلامية ود ...
- ضابط إسرائيلي سابق يقترح استراتيجية لمواجهة الإسلام السني
- المتطرف الصهيوني بن غفير يقتحم المسجد الأقصى
- اكتشافات مثيرة في موقع دفن المسيح تعيد كتابة الفهم التاريخي ...
- سياسات الترحيل في الولايات المتحدة تهدد المجتمعات المسيحية
- مفتي البراميل والإعدامات.. قصة أحمد حسون من الإفتاء إلى السج ...


المزيد.....

- السلطة والاستغلال السياسى للدين / سعيد العليمى
- نشأة الديانات الابراهيمية -قراءة عقلانية / د. لبيب سلطان
- شهداء الحرف والكلمة في الإسلام / المستنير الحازمي
- مأساة العرب: من حزب البعث العربي إلى حزب الله الإسلامي / حميد زناز
- العنف والحرية في الإسلام / محمد الهلالي وحنان قصبي
- هذه حياة لا تليق بالبشر .. تحرروا / محمد حسين يونس
- المرحومة نهى محمود سالم: لماذا خلعت الحجاب؟ لأنه لا يوجد جبر ... / سامي الذيب
- مقالة الفكر السياسي الإسلامي من عصر النهضة إلى ثورات الربيع ... / فارس إيغو
- الكراس كتاب ما بعد القرآن / محمد علي صاحبُ الكراس
- المسيحية بين الرومان والعرب / عيسى بن ضيف الله حداد


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - فاطمة ناعوت - مّن فجّر الكنيسة قبل أن أجدل السعف؟