نظرا إلى طبيعة العلاقات الاقتصادية المختلفة التي تربط دول مجلس التعاون الخليجي والولايات المتحدة الأمريكية من الطبيعي ان تكون هذه الدول الأكثر تضررا من غيرها من تبعات الأزمة الدولية الحالية حيث تعتمد معظم الدول الخليجية على تصدير النفط والغاز الى الولايات المتحدة الأمريكية وتستورد منها معظم احتياجاتها الاستهلاكية والاستثمارية اضافة الى ارتباط عملات هذه الدول بشكل أو بآخر بالعملة الأمريكية كما ان هناك قسما كبيرا من الاموال الخليجية مستثمرا في الولايات المتحدة الأمريكية وغيرها من الدول الغربية التي تشير معظم التقديرات إلى ان قيمة هذه الاموال تتراوح حول 400 مليار دولار أمريكي مقارنة مع حوالي 600 الى 800 مليار دولار للدول العربية مجتمعة وهي تتوزع بين استثمارات مباشرة متنوعة واستثمارات غير مباشرة في الاسهم والسندات والودائع المصرفية، وفي واقع الامر فان الاضرار التي لحقت بالاستثمارات الخليجية المهاجرة نتيجة لأحداث سبتمبر ذات اوجه عديدة فقد تعرضت الاستثمارات الخليجية في البورصات الأجنبية لخسائر ناتجة عن التدهور العام في أسعار تلك البورصات وخصوصا الأمريكية والأوروبية واليابانية، وهي مرشحة إلى مزيد من الخسائر لأن أسعار الاسهم والسندات في البورصات العالمية قد تنخفض بصورة كبيرة نتيجة لتداعيات الازمة في الامد القريب. أما بالنسبة إلى الاستثمارات الخليجية الخارجية التي تأخذ شكل ودائع مصرفية فقد تعرضت هي الاخرى لضغوط شديدة حيث ان أسعار الفائدة عليها تراجعت بسبب قيام البنوك الأمريكية والأوروبية المركزية بخفض اسعار الفائدة لانتعاش اقتصادها وتجنب الركود الاقتصادي الذي اخذت ملامحه بالظهور نتيجة لتداعيات الازمة اضافة الى الهزة التي تعرضت لها مصداقية الشركات العالمية وخاصة الأمريكية منها، وفيما يتعلق بالاستثمارات المباشرة فهي تتعرض لضغوط قوية بسبب التدهور الذي بالفعل يضرب الاقتصاد الأمريكي الضخم ويؤدي إلى توليد حالة من التباطؤ الاقتصادي الذي سيعم العالم مما يؤثر سلبا على الاستثمارات الخليجية المباشرة في هذه الدول من خلال انخفاض قيمة الاستثمارات نتيجة لهذا التراجع حيث ان معظم الاموال المستثمرة في الخارج مودعة بالدولار الأمريكي. وتواجه الاموال الخليجية المهاجرة في هذه الايام تحديات ومخاطر اضافية غير اقتصادية تتعلق بنظرة الشك والريبة التي ينتظر بها الى المستثمرين العرب عموما والخليجيين خصوصا في أمريكا الاكثر استقطابا للأموال الخليجية المهاجرة سواء من قبل الجهات الرسمية أو الأهلية والخاصة. فالمستثمر العربي مشكوك فيه بداية باعتباره في نظر الجهات الأمريكية يمكن ان يكون داعما للإرهاب ما لم يثبت العكس. والتالي هناك دوما الخوف والخشية من تجميد هذه الأموال أو حتى مصادرتها بتهمة تمويلها الارهاب ونتيجة فقد سوق الأسواق الأمريكية جاذبيتها بالنسبة إلى المستثمرين العرب والخليجيين فقد اكدت مصادر مختلفة أن هناك حركة تدفق لهذه الاموال الى خارج الولايات المتحدة، حيث بادر بعض المستثمرين الى سحب استثماراتهم من الخارج وتحويل قسم منها الى دول متقدمة اخرى أو العودة بها الى المنطقة وتختلف التقديرات بشأن المبالغ التي تم سحبها من الاسواق الأمريكية بين تقديرات عالية جدا تصل إلى حدود 100 الى 200 مليار دولار وبين تقديرات موضوعية تتراوح ما بين 5 الى 10 مليارات من اجمالي قيمة الاموال المستثمرة بالخارج. وبعيدا عن حجم الاموال التي تم سحبها من الاسواق الامريكية فان المطالبة بعودة الاموال الخليجية المهاجرة مطلب شرعي ودائم فهذه الاموال يجب ان تسخر قبل وبعد كل شيء لخدمة الاغراض التنموية الاقتصادية والاجتماعية لدول المنطقة لكن يجب ان يؤخذ في الاعتبار أمران في غاية الأهمية هما ان الخروج غير المنضبط والمبرمج للأموال الخليجية في الخارج قد يفقدها جزءا معتبرا من قيمتها ويعرضها لخسائر جمة حيث ان قيمتها في الوقت الراهن منخفضة بسبب تراجع الظروف الاقتصادية العامة في الدول الغربية، الامر الذي يستدعي التريث الى حين تحسن الظروف الاقتصادية في الغرب بشكل يتيح الخروج من اسواقها من دون خسائر جسيمة.
كما ان استعادة الاموال المهاجرة الى المنطقة وتغذية المنفعة الاقتصادية الحقيقية برجوعها تتطلب بداية تهيئة الظروف السياسية المناسبة لاستثمار هذه الاموال في مشاريع اقتصادية جديدة تعزز من وتيرة النمو الاقتصادي لدول الخليج بدل ان تزاحم الاموال المستثمرة حاليا في مشاريع قائمة وهو الأمر الذي يهدد برفع قيمة الاصول المالية وغير المالية بصورة غير مبررة اقتصاديا مما قد يخلق ما يسمى بـ "الفقاعة الاقتصادية" التي قد تنفجر في اي لحظة. ان الازمة الحقيقية التي تواجه الاموال المستثمرة في الخارج هي في واقع الامر محدودية الخيارات البديلة المتاحة امام اصحاب هذه الاموال لاستثمارها بشكل مريح في دول المنطقة فالمناخ الاستثماري مازال بحاجة الى بذل مزيد من العمل والجهد لتطويره ليصبح قادرا على استيعاب واستقطاب الاموال المهاجرة وهو الامر الذي يستدعي تبني استراتيجية خليجية موحدة لتحسين المناخ الاستثماري في هذه الدول ليصبح قادرا على توظيف مزيد من الاموال سواء المهاجرة منها أو المحلية بحيث لا ينتج عن ذلك ارتفاع في قيمة الاصول المالية بصورة لا تعكس قيمتها الاقتصادية الحقيقية. ان تبني الاستراتيجية المقترحة يتطلب العمل على تحقيق الأمور التالية: 1 ــ الاستمرار في خطوات متسارعة وغير مترددة في تحرير اقتصاد الدول وتعزيز درجة انفتاح السياسيات المالية والنقدية لتصبح اكثر ملاءمة لتحفيز دور القطاع الخاص الخليجي في قيادة مسيرة التنمية الاقتصادية. 2 ــ الاسراع في تنفيذ برامج الخصخصة الاقتصادية التي اقرتها من حيث المبدأ كافة دول المجلس فخصخصة المشاريع الكبيرة والعملاقة في مجالات الاتصالات والكهرباء والمياه وغيرها بخطوات مدروسة ستوفر قدرا واسعا من الفرص المناسبة لتوظيف الاموال المهاجرة والمحلية في مشاريع حقيقية تخدم اقتصاديات دول المنطقة بما توفره من فرص لتحسين اداء مثل هذه المشاريع تحت ادارة القطاع الخاص وامكانية تحسين وتعزيز فرص استخدامها لتقنيات الانتاج بعيدا عن البيروقراطية الحكومية التي عادة ما تعوق تقدمها. 3 ــ تطوير دور الاسواق المالية الخليجية في جذب الاموال وتنويع ادواتها الاستثمارية بما يسهل عملية استيعاب قسم من الاموال المهاجرة في هذه الاسواق مما يوفر تمويلا اضافية من مصادر تمويل النمو الاقتصادي الحقيقي. 4 ــ ازالة كافة العوائق والصعوبات التي تواجه المستثمرين في دول المنطقة والتي تتعلق بالاجراءات الروتينية والبيروقراطية المتشددة التي تحبط من عزيمة المستثمر وتثنيه عن الاقبال على الاستثمار بعزيمة قوية وغير مترددة، ويشكل تعزيز العمل الاقتصادي الخليجي المشترك وتحقيق أقصى درجات التكافل الاقتصادي بين دول المجلس عنصرا مهما لا غنى عنه ضمن اطار تحقيق الاستراتيجية المطلوبة لاستقطاب الاموال المهاجرة.