|
المسيحية الصهيونية
عبد الغني سلامه
كاتب وباحث فلسطيني
(Abdel Ghani Salameh)
الحوار المتمدن-العدد: 5425 - 2017 / 2 / 7 - 02:48
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
لفهم "المسيحية الصهيونية" يتوجب أولا فهم التحولات الاجتماعية والاقتصادية والتطورات السياسية التي حصلت في أوروبا في عصر النهضة؛ عصر الإصلاح الديني والتجارة والإكتشافات الجغرافية والتحولات الكولونيالية.
في بدايات القرن ال16 زار الراهب "مارتن لوثر" روما، وصُدم من هول ما رأى في الفاتيكان، فانتقد سلطات البابا المطلقة، وعاب على رجال الكنيسة انصرافهم لجمع الثروة وترفعهم عن الشعب، الأمر الذي أدى به لقيادة عملية إصلاح ديني ثورية، ترافقت معها حروب دينية عنيفة، نجم عنها انقسام العالم المسيحي بين المذهبين الكاثوليكي والبروتستانتي.
هذا الانقسام، أوجد وعمّق خلافات كثيرة بين المذهبين في مسائل عديدة، من بينها الموقف من اليهود؛ فحتى ذلك الوقت، كانت الكنيسة الكاثوليكية تعتبر فلسطين الوطن المقدس للمسيحيين، وظلت تفصل ما بين اليهود القدامى واليهود المعاصرين, ولم تنظر لهم بوصفهم شعب الله المختار، الذي قدر له أن يعود إلى أرض الميعاد, بل نظرت للخطايا التي ارتكبوها بحق الرب، وبناء على ذلك تم عزل الكثير من الجماعات اليهودية في أحياء مغلقة.
أما الكنيسة البروتستانتية الأصولية فكان لها رأي آخر، إذْ آمنت بأن قيام دولة إسرائيل مسألة دينية، باعتبارها تجسيدا لنبوءات الكتاب المقدس، وتشكل المقدمة لمجيء المسيح المخلص إلى الأرض، وبالتالي رأت أن من واجبها الدفاع عن اليهود، وعن حقهم بوطن قومي، الأمر الذي أدى فيما بعد إلى بروز ما يسمى بالمسيحية الصهيونية، التي ساهمت بتغيير النظرة الأوروبية (أو جزء منها) تجاه اليهود، حيث أخذت بعض الأصوات المسيحية تنادي بعودة اليهود إلى "أرض الميعاد".
بعد موجة من الحروب الدينية تمكن الإنجليز من الانفصال عن الكنيسة الكاثوليكية، والانتقال إلى البروتستانتية، والتي نشأ عنها فيما بعد تيار أصولي متشدد (البيوريتانية). عملت هذه الجماعة على إحياء العهد القديم "التوراه"، واعتبرته أساس المسيحية، وجعلته مرجعيتها بدلاً من تفسيرات الكنيسة الكاثوليكية؛ وجعلت من يوم السبت بدلاً من الأحد ذكرى قيام المسيح، وأخذوا يستخدمون اللغة العبرية في صلواتهم وكنائسهم.
ومع تقديسهم للعهد القديم تحسنت علاقتهم باليهود، بوصفهم الشعب المختار، لذلك تبنوا فكرة إعادتهم إلى فلسطين، كمقدمة لعودة المسيح؛ ثم انتشرت فكرة "عودة المسيح" في أنحاء أوروبا، وارتبطت بضرورة إعادة اليهود أولاً إلى فلسطين.
ومن هنا، فقد أدى إيمان البروتستانتية الأصولية المطلق بالتوراة، إلى وجود فكر يربط بين الديني والسياسي، وبين مجيئ المسيح وإقامة دولة يهودية. ومن أشهر السياسيين البريطانيين الذين تبنوا هذا الفكر اللورد "آرثر بلفور" مهندس وعد بلفور (1917).
ومع بدايات القرن التاسع عشر حدث انقسام بين منظري المسيحية الصهيونية، حيث ظهرت مدرستان: البريطانية الداعمة لنظرية تحول اليهود للمسيحية قبل عودتهم لفلسطين كمسيحيين، والأميركية التي آمنت بأن اليهود سيعودون إلى فلسطين كيهود قبل تحولهم للمسيحية. ويعتبر القس الأيرلندي "جون داربي" بمثابة الأب الروحي لحركة المسيحية الصهيونية الأميركية؛ حيث بشَّر لسنوات طويلة لنظريته التي تربط بين عودة المسيح والحياة الألفية السعيدة، التي تستدعي قيام دولة اليهود الممهدة لذلك؛ وأيضا كتب "سايروس سكوفيلد" حول الحرب الكونية على الأشرار، ولكنه جعلها حرباً مدمرة "هرمجدون" بين اليهود وأعدائهم من المسلمين والكفار.
مثلت الكنيسة البروتستانتية في أمريكا الداعم الأكبر لمشروع الوطن القومي لليهود في فلسطين، بوصفها تشكل أكبر الطوائف المسيحية 65% مقارنة بالكاثوليك 30%، وفي ذات الإطار، وظفت الولايات المتحدة البعد الديني لخدمة البعد السياسي. بدا ذلك واضحاً في تصريحات السياسين والمفكرين ورجال الدين، فمثلا قال "جيري فالويل" بأن "الله بارك أمريكا لأن أمريكا باركت اليهود".
ولتأطير هذا الدعم أسس المسيحيون الصهاينة في أمريكا عدة مؤسسات هدفها المعلن مساندة إسرائيل، أبرزها "مسيحيون متحدون من أجل إسرائيل" وهي النسخة المسيحية من "أيباك"، ومؤسسات أخرى مثل "مؤتمر القيادة المسيحية من أجل إسرائيل" و"السفارة المسيحية العالمية في أورشليم" وغيرها.
وتلتقي الحركتان الصهيونية اليهودية والمسيحية الصهيونية حول "مشروع إعادة بناء الهيكل اليهودي في الموقع الذي يقوم عليه المسجد الأقصى اليوم"؛ لذا فالهدف الذي تعمل الحركتان على تحقيقه يتمحور حول فرض سيادة يهودية كاملة على كل فلسطين، بدعوة أنها "أرض اليهود الموعودة"، الأمر الذي سيؤدي إلى تعميم البركة الإلهية على كل العالم!!
قبل أن تتحول المسيحية الصهيونية إلى أداة سياسية كانت في إطار الاجتهادات اللاهوتية، وكانت تنظر لعودة اليهود إلى فلسطين من منطلق روحي/ ديني بحت؛ من حيث تحقيق النبوءة، والعلاقة بين اليهود وتحقيق الوعد القائم على عودة المسيح المخلص. ولكن، بدءاً من القرن السابع عشر بدأت المصلحة السياسية تلقي بثقلها على الجانب الديني، أو بمعنى أوضح تبين البعد السياسي للمشروع الاستعماري البريطاني الذي ظل يتوارى خلف اللباس الديني؛ فتم ربط الأفكار الدينية مع السياسة الواقعية القائمة على الحصول على نفوذ في الشرق الأوسط، وتقوية هذا النفوذ تحت شعار الدين، وأصبحت أفكار عودة اليهود تُستغل كستار للمصالح الإستعمارية البريطانية في فلسطين، التي ارتبط موقعها بالمتطلبات الأساسية للإمبراطورية.
وتلخص المؤرخة الصهيونية "بربارة تخمان" كيفية توظيف البعد الديني لخدمة السياسي، بالإستفادة من اليهود وتوظيفهم في خدمة المصالح الاستعمارية، والإرتباط الإنجليزي المبكر بالصهيونية، فتقول: "الدين وحده لم يكن كافيا؛ إذ أن مشاعر البيورتانيين الغامضة والتآخي الروحي مع أبناء إسرائيل ما كانت لتؤدي إلى نتائج عملية لو لم تتدخل المصالح السياسية". وبالفعل، منذ عهد "كرومويل" وحتى عهد "دونالد ترامب" كان أي اهتمام استعماري بفلسطين يعتمد على دافع الربح تجارياً، أو استعمارياً وعسكرياً، ولكن بغطاء الدافع الديني.
خلاصة القول، ظلت الصهيونية المسيحية تيارا هامشيا في بريطانيا، ولم تهيمن على الحياة الدينية لا في بريطانيا ولا في غيرها.. سيما وأن الكاثوليكية والأرثوذكسية ظلت تعارضها، لكنها ساهمت بشكل أو بآخر في تشكيل الصهيونية اليهودية الجديدة. وهي اليوم حركة قوية، ولها حضورها الفاعل، خاصة في أمريكا (منذ عهد ريغان)، وهناك نحو 40 مليونا من أتباع الصهيونية المسيحية داخل أمريكا، ولكن هذا لا يعني أنهم جميعا مهتمون بإسرائيل، ويشهد الإعلام الأميركي حضورا متزايدا لها، حيث تمتلك نحو 100 محطة تلفزيونية، وأكثر من 1000 محطة إذاعية، ويعمل في مجال التبشير آلاف القسيسين.
#عبد_الغني_سلامه (هاشتاغ)
Abdel_Ghani_Salameh#
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
مؤامرات شيطانية
-
هجوم على الشيعة
-
مظاهر الأبارتهايد في السياسات الإسرائيلية - دراسة بحثية
-
عن التغير المناخي، مرة أخرى
-
لنرحم الطفولة
-
صور من التخلف التعليمي
-
داعش، مرت من هنا
-
رحلة الحياة .. البدايات، والنهايات..
-
الموصل.. المعركة الأشرس والأخطر
-
المرأة والرجل.. ورد الاعتبار
-
المجاهدون الأجانب
-
هيلاري، الحرب والأنوثة
-
حقيقة داعش
-
تسع سنوات من حكم حماس
-
موجات متواصلة من العنف الطائفي
-
تاريخنا المؤدب
-
ماذا يريد راشد الغنوشي ؟!
-
عمدة لندن الجديد
-
في حنان الحرب على حلب
-
حفلات التوبة في مدارس غزة
المزيد.....
-
لحظة لقاء أطول وأقصر سيدتين في العالم لأول مرة.. شاهد الفرق
...
-
بوتين يحذر من استهداف الدول التي تُستخدم أسلحتها ضد روسيا وي
...
-
الجيش الإسرائيلي يعلن مقتل جندي في معارك شمال قطاع غزة
-
هيّا نحتفل مع العالم بيوم التلفزيون، كيف تطوّرت -أم الشاشات-
...
-
نجاح غير مسبوق في التحول الرقمي.. بومي تُكرّم 5 شركاء مبدعين
...
-
أبرز ردود الفعل الدولية على مذكرتي التوقيف بحق نتنياهو وغالا
...
-
الفصل الخامس والسبعون - أمين
-
السفير الروسي في لندن: روسيا ستقيم رئاسة ترامب من خلال أفعال
...
-
رصد صواريخ -حزب الله- تحلق في أجواء نهاريا
-
مصر تعلن تمويل سد في الكونغو الديمقراطية وتتفق معها على مبدأ
...
المزيد.....
-
المجلد الثامن عشر - دراسات ومقالات - منشورة عام 2021
/ غازي الصوراني
-
المجلد السابع عشر - دراسات ومقالات- منشورة عام 2020
/ غازي الصوراني
-
المجلد السادس عشر " دراسات ومقالات" منشورة بين عامي 2015 و
...
/ غازي الصوراني
-
دراسات ومقالات في الفكر والسياسة والاقتصاد والمجتمع - المجلد
...
/ غازي الصوراني
-
تداخل الاجناس الأدبية في رواية قهوة سادة للكاتب السيد حافظ
/ غنية ولهي- - - سمية حملاوي
-
دراسة تحليلية نقدية لأزمة منظمة التحرير الفلسطينية
/ سعيد الوجاني
-
، كتاب مذكرات السيد حافظ بين عبقرية الإبداع وتهميش الواقع ال
...
/ ياسر جابر الجمَّال
-
الجماعة السياسية- في بناء أو تأسيس جماعة سياسية
/ خالد فارس
-
دفاعاً عن النظرية الماركسية - الجزء الثاني
/ فلاح أمين الرهيمي
-
.سياسة الأزمة : حوارات وتأملات في سياسات تونسية .
/ فريد العليبي .
المزيد.....
|