فاضل الخطيب
الحوار المتمدن-العدد: 1414 - 2005 / 12 / 29 - 11:40
المحور:
اليسار , الديمقراطية والعلمانية في المشرق العربي
منذ "ثورة البعث المجيدة" قبل أكثر من أربعين عاماً, ثورة "الوحدة والحرية والإشتراكية" استطاع موظفوا البلاط أن يبحثوا ووجدوا أشخاص –تمثّل سياستهم وتوطّد حكمهم- بين الأقليات القومية والدينية في سورية, وتوطدت هذه الممارسات بعد "ثورة التصحيح" التي قادها "القائد حافظ الأسد"!
واستمرت بعد "ثورة التصحيح الثانية" والتي يقودها ولي العهد!
ولم يستثنى من هذا التصحيح الطائفة الدرزية في سوريا, فقد وجد النظام وأسوده أشخاص يرددون ما يجب ترديده, وجدوا قادة صغار يتبعون القائد الكبير, أو قوّاد صغار يتبعون القوّاد الأكبر! –ربما اشتقاق كلمة قوّاد من قائد غير صحيح لغوياً, على كل حال المعذرة من مدرسي اللغة العربية-
وكان النظام يحرك هذه الرموز عند الحاجة وحسب الحاجة وإلى أي درجة يمكن أن يذهبوا بتصريحاتهم ونشاطاتهم وفقاً للحاجة!
وبعد دخول الجيش السوري إلى لبنان وما قام به من حرب وضرب ضد كل القوى السياسية والدينية اللبنانية من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار, وتحالف مع كل هذه القوى وعلى انفراد وكما تقتضيه حالة الاستعداد, فقتل الفلسطينيين –يكفي التذكير بتل الزعتر- وقتل الكتائب وقتل الشيوعيين والتقدميين والدروز والمسيحيين والمسلمين وكل ما ملكت يمين, قتل كل من حاول انتقاد سياسته أو عدم الانقيادوراء دبابته!
ومن أبرز ضحايا تلك الفترة المناضل كمال جنبلاط, والذي كان وصار معروفاً أن المخابرات السورية كانت وراء اغتياله وقتله.
كمال جنبلاط الذي وحّد القوى الوطنية اللبنانية وكان له دور رئيسي في استقبال ووجود الفلسطينيين في لبنان قبل أن تتحول هذه القوى الفلسطينية إلى كانتونات ودويلات وحكومات داخل دولة وحكومة لبنان,
كمال جنبلاط الذي عمل على ترخيص وعلنية الحزب الشيوعي اللبناني, كمال جنبلاط الذي عمل مع زملائه الوطنيين اللبنانيين لتنظيم وحدة المقاومة اللبنانية....
كمال جنبلاط ليس فقط الزعيم السياسي, بل المفكر الفلسفي والروحي, كمال جنبلاط الأديب وقبل كل شيئ كمال جنبلاط الإنسان اللبناني الوطني!!
وعندما لم تستطع السياسة السورية ترويضه أو تحييده أو تجميده في الصراع الذي عاشه لبنان آنذاك, قام النظام السوري بتحييد كمال جنبلاط من خلال قتله!
وبعد استشهاد كمال جنبلاط ترددت على ألسن الكثير أن النظام السوري المسؤول عن اغتياله بسبب الدور الذي لعبه في أحداث لبنان,
وبعد ذلك أرسل حافظ الأسد بعض أزلامه من الدروز الذين روّضهم وكانوا يخدمون نظام حكمه آنذاك إلى محافظة السويداء –جبل الدروز في سوريا- كي يشرحوا سياسة النظام ويقنعوا الناس أن كمال جنبلاط لم يكن درزي ويشككوا بوطنيته ولبنانيته وعروبته, وقالوا أن جنبلاط من أصل كردي لا يمت بصلة للدروز وللعرب وللبنان!!
فلاسفة وحكماء وزلم الأسد لم يحاولوا طرح سياستهم "الصائبة" في لبنان وإقناع الناس بسياسة جنبلاط "الخاطئة" بل استخدموا أرخص الحجج وأبذلها!
فحتى لو كان كمال جنبلاط كردي أو مسيحي أو أن أصله من الهنود الحمر أو من الأسكيمو فهل يبرر تصفيته جسدياً, وهل الانتماء الطائفي –الديني- أو القومي والذي هو غالباً مفروض على الإنسان منذ ولادته وبغير إرادته, هل هذا اللإنتماء أو الإنحدار عامل وسبب لتقييم شخصية أي فرد كان!!
بعد استشهاد كمال جنبلاط وبعد زيارات "فحول الأسد" لمحافظة السويداء –حيث يعيش غالبية دروز سوريا- ازدادت وازدانت مضافات وبيوت الدروز بصور كمال جنبلاط!
وكانت زيارات موظفي السلطة المنحدرين من أصل درزي –يحتاج لفحص د.ن.س- لمدن الدروز وقراهم مهزلة أبدية للسياسة الأسدية!
والآن وبعد الاغتيالات المتكررة للمناضلين اللبنانيين المناهضين لسياسة النظام السوري في لبنان وهيمنته, وبعد تصريحات السيد وليد جنبلاط وشدة لهجته أحياناً –والتي يمكن فهمها واستيعابها في أكثر الأوقات- وأنا هنا لا أدافع عن وليد جنبلاط, ولي ملاحظات ولا أتفق معه في بعض تصريحاته ومواقفه,
لكن المهم رد الفعل السوري وأسلوب الرد, فقد فتح الطبيب بشار الأسد صيدلية والده –الأكثر طبابة من الولد- ومدّ يده إلى درج الطائفية وأعطى نسخة من الوصفة القديمة لزلمه كي يقرأوها على بعض رموز الطائفة الدرزية في سوريا!
من حق أي شخص كان أن يردّ بهذا أو ذاك الشكل على هذا أو ذلك السياسي أينما كان, لكن أن يقوم أحد "شيوخ العقل" الدروز أو المسؤوليين الدينيين بالدخول في هذا أو ذاك العراك السياسي لا أجده عملاً دقيقاً وصائباً, ويحتاج للتروي والحكمة,
لا أجد مبرر لأن يكون رجل الدين بنفس الوقت رجل سياسة, وهذا لا يعني أن لا يكون له رأيه وموقفه الشخصي, لكن أن يقوم الشيخ حسين جربوع بالتلميح والتلويح, بالانتقاد والتصريح ضد هذا والمديح لذاك!
انتقاد الشيخ حسين لتصريحات وليد جنبلاط ومديحه للرئيس بشار الأسد وسياسته وما قام وما يقوم به هو بعيد عن المهمة الروحية الدينية, وهل سوريا ينقصها سياسيين, وهل نظام البعث بحاجة لطبّالين وزمّارين!!
أعتقد أن ذلك ليس قضية دينية أو روحية بل هي سياسية, دموية, هيمنية مئة بالمئة!
أناشد الشيخ حسين جربوع كي يكون أكثر حكمة وبعداً عن السياسة اليومية, وكنت أتمنى أن يكون بهذه الشجاعة والحكمة والإنسانية عند قتل الصبية هدى أبوعسلي!
كنت أتمنى أن يكون بهذه الشجاعة والغيرة على الطائفة التي يمثلها يوم رتع وهتك العشرات والمئات من أفراد أجهزة الأمن القادمين من الساحل إلى الجبل وحضرتك تعرف ما فعلوه من قيم ونبل!!!
ويمكن التذكير بأكثر من واقعة وحادثة مرت على مهل, وبدون ذكر أو لفت النظر!!
أقول هذا من منطلق حرصي على سمعة سماحة السيد –الشيخ- حسين جربوع, وكي لا يضطر بعد فترة من الزمن للاعتذار أو الشرح والتوضيح والتصحيح –بعد زمن التصحيح- كي لا تضطر للتدقيق والتعليق وفتح كل عتيق!!
أقول هذا كي لا يأتي يوم يذكّر فيه أحد بالولائم المشتركة والزيارات الودية أيام رفعت الأسد والذي يرشح نفسه ليكون شيخ البلد ولله الحمد!
أقول هذا كي لا يضطر الشيخ حسين جربوع في يوم ما العودة إلى فنزويلا لقضاء سنواته الأخيرة مثل ما كان في سنواته الأولى –وفي هذا عبرة الآخرة والأولى!-
لا أقول ذلك على أساس التعصب الطائفي أو التملص من الأصول الطائفية, فأنا أعرف من بين الدروز أشخاص يخجل الإنسان من طائفته بسببهم, لكنني أعرف الكثير من الدروز الذين يكبر الإنسان ويفخر بمعرفتهم!
وإن كان تصريح البعض "وليد جنبلاط" لا يمثّل إلاّ أنفسهم –كما عبّر سماحتكم- فهل تصريحاتكم ومديحكم لسياسة النظام السوري هو كذلك لا يمثّل إلا سيادتكم!!
آمل أن يكون الشيخ حسين جربوع يتحدث باسمه الشخصي وهو من حقه مدح وإطراء من يشاء, وانتقاد وذمّ من يشاء,
شيئ واحد أعرفه –وما أنا من عقّال الدروز- وهو أن:
شيخ عقل الدروز ليس ناطق رسمي لترتيل الحروز!
بودابست/27/ديسمبر/2005 .
#فاضل_الخطيب (هاشتاغ)
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟