|
شكسبير والغوص فى النفس البشرية
طلعت رضوان
الحوار المتمدن-العدد: 5179 - 2016 / 5 / 31 - 12:52
المحور:
العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
أعتقد أنّ أحداث مسرحية هاملت كان من الممكن أنْ تبدو عادية جدًا وباهتة ، لولا موهبة شكسبير ووعية بدراما المسرح. كذلك قدرته الفائقة (فى زمنه) على توظيف (الخيال) حيث أنّ الشبح فى بداية المسرحية هو عقل هاملت الباطنى ، أو عقله الواعى المُــتشكك المُــتجادِل مع الواقع والراصد له ، فأوصله إلى النتيجة التى آمن بها ، وهى أنّ أباه مات مقتولا بتدبير من أمه وعمه ، وقد تأكــّـد ذلك بزواجهما بعد موت والد هاملت. كما استخدم شكسبير تقنية (مسرحية داخل المسرحية) حيث جسـّـد قصة خيانة زوجة مع عشيقها ، ليقرأ هاملت تعبيرات وجه أمه وعمه أثناء رؤيتهما للعرض الذى أقامه فى القصر. وبراعة شكسبير تمثلتْ فى الحوارالذى دار بينه وبين أمه ، وقبل اكتمال دائرة الشك فى عقل هاملت ، فعندما طلبتْ أمه منه أنْ يطرد سواد الليل ، ولا يبحث ((فى التراب بجفونه الكسيرة عن أبيه)) قال جملة ذات دلالة (فى باطنى ما يعجز التمثيل) كما أنّ شكسبير سخر من عم هاملت الذى صار هو الملك ، فرغم أنه (قاتل) فإنّ ذلك لم يمنعه من استخدام اللغة الدينية وتوظيفها لصالحه حيث قال لهاملت ((إنّ عنادك ضد الدين.. وعار عليك.. إنك تخطىء فى حق الرب)) فما كان من هاملت إلاّ أنْ خاطب ذاته المُـعذبة ، حيث تمنى قتل ((جسدى الدنس)) ولم يمنعه من الانتحار غير ((شريعة الرب السرمدى التى تــُـحرّم على المرء أنْ يقتل نفسه)) وهذه الطبيعة لا يملكها إلاّ من تعفــّـنَ وغلظتْ طباعه ، وكان يرمى بذلك الإيحاء إلى عمه الذى تزوّج أمه بعد شهريْن من مقتل والده . وهذا العم جعل من نفسه مثل إله الشمس ((بالقياس إلى رب الشهوات)) وأنّ أمه تعجـّـلتْ فذهبتْ إلى ((فراش مُحرّم)) وفى المشد التمثيلى قال ممثل دور الملكة ، عن علاقتها بعشيقها : إنّ مثل هذا الحب هو الخيانة فى صدرى.. ملعونة أنا إنْ تزوجتُ رجلا آخر. ومن تتزوّج الثانى تكون قد قتلتْ الأول. إنى أقتل زوجى المتوفى مرة ثانية ، حين يُـقبـّـلنى فى الفراش زوجى الثانى . فردّ عليها ممثل دور العشيق : أنتِ تعتقدين أنك لن تتزوجى زوجـًـا ثانيـًـا ، لكن اعتقادك سيموت بموت زوجك الأول . فقال ممثل دور الملكة : لتبخل علىّ الأرض بالطعام . والسماء بالنور. وأعيش فى شقاء أبدى إنْ غدوتُ أرملة ثم زوجة مرة أخرى . وهكذا قـدّم شكسبير عقيدته عن المرأة والوفاء لزوجها. وهاملت (الشكــّــكاك الساخر) عندما زاره صديقه هوراشيو قائلا ((جئتُ لأحضر مأتم أبيك)) ردّ عليه ((لا تهزأ بى..أظنك جئتَ لتحضر عـُـرس أمى)) وأنّ الطعام الذى طـُـهى للمأتم، تـمّ تقديمه باردًا على موائد العـُـرس . ومما يؤكد أنّ الشبح مجرد (رمز) ما قاله هاملت : إنى أرى أبى . فسأله الصديق : أين ؟ قال هاملت : فى عين عقلى . ويقول له (الشبح/ صوت عقل هاملت) : لا تدع فراش ملك الدنمارك ليكون سرير غرام وزواج مُحرّم لعين . وهذا الشبح/ صوت العقل ، ينصحه بعدم التهور، وأنْ يـُـعامل أمه بشىء من (التسامح) والشفقة (رغم اشتراكها فى الجريمة) فيطلب منه الامتناع عن تدبير أى مكروه لأمه. ويتركها لعقاب السماء ((ولتلك الأشواك المُستقرة فى صدرها.. تخزها وتوجعها)) ويبدو أنّ شكسبير أراد هدم الخرافات ، لذلك جعل هوراشيو يقول لهاملت ((لسنا فى حاجة إلى أشباح)) وهاملت بقدر ملكاته العقلية (حول الشك) وأهميته فى الوصول إلى الحقيقة ، فهو أيضًـا يمتلك حسّـا شاعريـًـا ، فيقول لحبيته أوفيليا فى رسالة : شـُـكى أنّ النجوم نيران.. وأنّ الشمس بلا دوران . شـُـكى أنّ الحق كذب..لكننى لاشك أحب.. وأحبك أعظم الحب. وهذا الحس الشاعرى يفسره بولونيوس (والد أوفيليا) بأنه (جنون) بهدف الطعن فى سلامة القوى العقلية لهاملت ، وبذلك يـُـحقـّـق هدفين : التقرب من الملكة ، وإبعاد هاملت عن ابنته. وعندما يـُـقابل هاملت يسأله ساخرًا : أتعرفنى يا سيدى ؟ ليؤكد لنفسه على جنون هاملت ، الذى يرد عليه بقسوة : أنت قوّاد . استنكر الرجل هذا الوصف فقال له هاملت : إذا كانت الشمس تولد الدود فى الكلب الميت ، فإنه جيفة صالحة للقبل . ويسأله (مدعيـًـا الجهل) : ألك ابنة ؟ فلما قال : نعم يا سيدى : قال له : لا تدعها تسير فى الشمس . فى إسقاط واضح من شكسبير بأنّ هاملت يسخر من الرجل ويطلب منه أنْ لا يـُـعامل ابنته مثل الكلب الميت الملقى فى الشمس . وأنّ ابنته تمتلك العقل والإدراك ، بينما هو مثل الشيوخ لهم لحى وعيونهم تــُـفرز صمغـًـا كثيفــًـا أصفر كصمغ الشجر. ووصفه بأنه مثل (يفتاح) أحد ملوك إسرائيل الذى نذر إنْ انتصر فى الحرب أنْ يـُـضحى بأول من يلقاه بعد عودته من الحرب. وكانت ابنته الوحيدة أول من لقيه فضحى بها. وهكذا سخر شكسبير منه ومن بنى إسرائيل. وإذا كان الشائع قول هاملت : أكون أو لا أكون ، فالأهم قوله : أحيا أو لا أحيا.. هذه هى القضية. وتساءل : أيهما أنبل للعقل : أنْ أتحمّــل قذائف القدر الغاشم وسهامه ، أو أشهر السلاح فى وجه المتاعب؟ وأعتقد أنّ من أهم المشاهد ، المشهد الذى جمع بين هاملت وإثنيْن من أعز أصدقائه ، كانت الأم/ الملكة حرّضتهما على استدراج هاملت للكلام عن خططه المُـستقبلية ، بعد أنْ تعاظمتْ هواجسها وأيقنتْ أنّ شكوك ابنها حول اشتراكها فى جريمة قتل والده تزداد. فى هذا المشهد حاول الصديقان جر هاملت للحديث عما ينوى فعله ، والنبش داخل صدره ليبوح بما فى عقله وقلبه. وبعد محاولات عديدة فشل فيها الصديقان ، فما كان من هاملت إلاّ أنه سحب مزمارًا وقـدّمه لأحدهما ليعزف عليه ، فاعترف بعدم معرفته بالعزف على المزمار. فقـدّمه للصديق الثانى الذى أعلن هو أيضًـا أنه لا يعرف العزف ، وهنا تفجـّـرتْ عبقرية شكسبير حيث جعل هاملت يسخر منهما (فى درس بليغ من دروس علم النفس) حيث قال للصديقيْن : تريدان الحط من قدرى . تريدان اللعب عما فى صدرى.. تريدان العزف على فتحات أنغامى.. الضرب على صميم سرى. الغوص فى أعماقى . بينما أنتما لا تستطيعان العزف على هذه الآلة الصغيرة. فهل تظنان أنّ اللعب على مكنون صدرى ، أسهل لكما من اللعب على المزمار؟ إننى لن أمكــّـنكما من اللعب على أوتار نفسى. يتلو هذا المشهد مباشرة مشهد ذهاب هاملت لمقابلة والدته. فيقول لنفسه : سأتحـدّث إليها حديثــًـا كالخناجر، لكن لن أستخدم الخناجر. وأنه لن يفعل كما فعل (نيرون) الذى دبـّـر اغتيال أمه. وعندما دخل هاملت حجرة أمه وجد عمه (الملك الجديد) يـُـصلى . فكــّـر فى قتله ولكنه تراجع قائلا : أقتله فيذهب إلى الجنة. أرسل هذا الوغد إلى الجنة. فهل أثأر منه أم أكافئه ؟ وأجـّـل قتله لفرصة أخرى يكون عمه ((مشغولا بأمرلا شأن له بخلاص الروح.. فأضربه حتى يرفس برجليه السماء.. وتغدو روحه لعينة سوداء كمصيرها فى الجحيم)) وبعد أنْ قتل هاملتْ بولونيوس الذى كان مختبئــًـا خلف الستار، فإنْ الملكة عاتبتْ ابنها الذى قال لها : دعينى أعصر قلبك. فقالت له : إنك تــُـدير بصرى إلى قرارة نفسى فأرى فيها بقعـًـا سوداء . فقال : لأنك تعيشين فى فراش يـُـلطخه العرق العفن.. وتتمرغين فى الفساد.. وتمارسين الحب فى حظيرة قذرة. فقالت : كلماتك فى أذنى كالخناجر. فقال : اعترفى أمام الرب. اندمى على ما فات وتجنبى ما هو آت. لا تذهبى إلى فراش عمى . وبعد أنْ ينصرف وصفتْ الملكة ابنها بأنه مجنون ((جنون البحر والريح حين يختصمان أيهما الأقوى)) وعندما طلب الملك/ العم من هاملت أنْ يُـخبره بمكان جثة بولونيوس ، قال الجثة على المائدة حيث يؤكل . وأنّ حشدًا من ديدان السياسة مجتمعون عليه. الامبراطور إذا مات أصبحتْ الدودة هى الامبراطور. الدود يأكل جسم الإنسان . والسمك يأكل الدود . والإنسان يأكل السمك. تلك هى دورة الحياة والموت كما وصفها هاملت بعبقرية شكسبير. وهو ما تكرّر فى مشهد المقابر، وهاملت يتأمل جماجم الموتى. وأنّ جمجمة داس عليها حمار، ربما تكون جمجمة سياسى ((غلب دهاؤه دهاء الآلهة) وعنما سأل هاملت الحفار: كم ينقضى على المرء هنا قبل أنْ يتعفن؟ كان رد الحفار (الفلسفى) الصادم : إذا لم يكن مُـتعفنــًـا قبل أنْ يموت . وتكون ذروة الفلسفة فى قول هاملت : ما أحقر مصيرنا. إنّ الخيال يستطيع تتبع التراب العظيم.. تراب الإسكندر حتى يجده فيجعل منه سدادة لبرميل البيرة. ***
#طلعت_رضوان (هاشتاغ)
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
2- مصر المنكوبة بخيراتها
-
مصر المنكوبة بخيراتها
-
الأديبة هدى يونس والغموض الفنى
-
لماذا كرّستْ الأحاديث لعبودية ؟
-
فؤاد حسنين على: مثقف من طراز نادر
-
فكرة (رب الكون) وعلاقتها بالبشر
-
العرب وعلم الآثار
-
لماذا هاجم السلمون ترامب ؟
-
علماء أوروبا وكشفهم للترتث العربى
-
لماذا الدولة المصرية (موش دولة) ؟
-
هل الشخصية الاعتبارية لها ديانة ؟
-
اليسار العربى والمصرى والموقف من الاستشراق
-
غسان كنفانى : هموم فلسطينية إبداعيًا
-
هل يتأثر العقل بالتراث ؟
-
نقابة الصحفيين والشخصية المصرية
-
هوّ الأزهر مؤسسة للدين ولاّ للسياسة ؟
-
لو الرئيس عزل وزير الداخليه.. ح يحصل إيه ؟
-
تناقض العلاقة بين الرب العبرى وشعبه المختار
-
لماذا الأزهر ضد الوحدة الوطنية ؟
-
ما مغزى تحالف (الوسطى) مع المتطرف ؟
المزيد.....
-
كيف غيرت حرب غزة مواقف الديمقراطيين واليهود الأميركيين تجاه
...
-
بزشكيان للمشاط: الوحدة تحمي الأمة الإسلامية من ظلم الأعداء
-
تردد قناة طيور الجنة 2025.. استمتع بمحتوى تعليمي وترفيهي للأ
...
-
أحلى أغاني على تردد قناة طيور الجنة الجديد 2025 استقبلها بجو
...
-
حرس الثورة الاسلامية: فتن أميركا لن توقف زوال الكيان الصهيون
...
-
قبيل الانتخابات المحلية.. عون يتعهد بحماية ضباط الأمن من الض
...
-
محفوظ ولد الوالد يتحدث عن معسكرات تدريب -القاعدة- وأول لقاء
...
-
الأمم المتحدة تدين الهجوم على المسيحيين بدهوك: التنوع الديني
...
-
الكلمة والصورة.. التطور التاريخي لصناعة المخطوط في الحضارة ا
...
-
الكويت تدين اقتحام وزير إسرائيلي المسجد الأقصى
المزيد.....
-
السلطة والاستغلال السياسى للدين
/ سعيد العليمى
-
نشأة الديانات الابراهيمية -قراءة عقلانية
/ د. لبيب سلطان
-
شهداء الحرف والكلمة في الإسلام
/ المستنير الحازمي
-
مأساة العرب: من حزب البعث العربي إلى حزب الله الإسلامي
/ حميد زناز
-
العنف والحرية في الإسلام
/ محمد الهلالي وحنان قصبي
-
هذه حياة لا تليق بالبشر .. تحرروا
/ محمد حسين يونس
-
المرحومة نهى محمود سالم: لماذا خلعت الحجاب؟ لأنه لا يوجد جبر
...
/ سامي الذيب
-
مقالة الفكر السياسي الإسلامي من عصر النهضة إلى ثورات الربيع
...
/ فارس إيغو
-
الكراس كتاب ما بعد القرآن
/ محمد علي صاحبُ الكراس
-
المسيحية بين الرومان والعرب
/ عيسى بن ضيف الله حداد
المزيد.....
|