حسن عبد اللطيف
الحوار المتمدن-العدد: 4963 - 2015 / 10 / 22 - 02:10
المحور:
العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
تؤدى العلمانية الى تقدم المجتمعات علميا وتكنولوجيا وسياسيا وبوجه عام تصبح المجتمعات فى ظلها قوية حرة متقدمة فى كل شىء. لكن المشكلة التى تجعل الشعوب الإسلامية تتنكر للعلمانية وترفضها وتهاجمها تكمن فى نظرة العلمانية للدين. فالدين يفرض على الناس فروضا وتكاليف تقيد حركتهم فى كافة أنشطة الحياة اليومية بحيث يختفى مفهوم الحرية العقلية والإبداع بمعناه الرحب وبالتالى تتخلف المجتمعات عن ركب الحضارة كما هو حادث بالفعل.
وتعريف العلمانية كما صاغه الدكتور مراد وهبة ينص على "التفكير فى النسبى بما هو نسبى وليس بما هو مطلق" وهذا الكلام معناه اطلاق حريات العقل فى وضع وصياغة القوانين التى يراها ملائمة لإصلاح وتسيير الحياة بشتى مستوياتها دون الحاجة الى الدين أو الى نصوص دينية تحد من تلك الحريات العقلية أو تضع لها القواعد.
ونلاحظ هنا أن النصوص الدينية محصورة فى القرآن والسنة. ويطالب مروجو العلمانية بإلغاء السنة النبوية باعتبارها الأكثر تشعبا وتدخلا فى شئون الحياة اليومية من القرآن الذى تعد نصوصه أكثر عمومية وتقبلا للتأويل. ومسألة الغاء السنة النبوية تلقى من عموم المتدينين معارضة شرسة تجعل من تحقيق حلم العلمانية شيئا أشبه بالمستحيل. اذ كيف يحكم العقل فى قضية نسبية حياتية صدر فيها حكم نبوى فى حديث صحيح ورد فى صحيح مسلم أو البخارى ؟ ان المسلمين مثلا يحرمون الموسيقى وآلات العزف الموسيقى بسبب كلمة واحدة وردت فى نهاية حديث بالبخارى هى كلمة المعازف فى حديث ( ليكونن من أمتى أقوام يستحلون الحر والحرير والخمر والمعازف ) وهو لفظ واحد لم يرد غيره فى تحريم الموسيقى أقيم عليه الحكم بهذا التحريم .. فماذا يصنع العلمانى المسلم أمام حديث كهذا ؟ .. لاشك أنه سيقف عاجزا لا يجد ما يفعله .. فالحديث صحيح والأمة تجمع على صحته
وإنك ان سرت فى مختلف شئون الحياة ستجد أمامك أحاديث ومرويات مماثلة تمنع عقلك عن الاقتراب لأن أحكام السنة بشأنها قد صدرت وقضى الأمر.
ان حل هذه المشكلة لا يمكن أن يتحقق بمجرد الغاء السنة النبوية وانكار ما بين أيدينا من أحاديث منسوبة لرسول الله صلى الله عليه وسلم كما ينادى القرآنيون. لكننا فقط نحتاج الى إعادة لتعريف السنة النبوية من خلال محاولة الإجابة على السؤال الآتى:
هل أقوال الرسول التى وردت فى أحاديثه صالحة للتطبيق فى كل مكان وزمان والى يوم القيامة ؟
والجواب باختصار هو .... لا
فلاشك أن اجتهاد الرسول لعصره وإن كان بالغ الحكمة عظيم الأثر الا أنه لايسرى على شتى العصور من بعده. فالرسول كبشر اجتهد فأصاب أحيانا وأخطأ أحيانا أخرى ... بل ونزل القرآن يعاتبه على ما صدر منه من اجتهادات فى بعض الأحيان .. (لم تحرم ما أحل الله لك تبتغى مرضاة أزواجك - عبس وتولى - ما كان لنبى أن يكون له أسرى ... الى آخر تلك الآيات) .. كما أنه تدخل بالنصيحة فى مسألة تأبير النخل فأخطأ أيضا وعلق على ذلك بقوله الشريف (أنتم أعلم بشئون دنياكم) ... وسبق له أن استبد به اليأس وفكر فى التردى من قمم الجبال ... والى غير ذلك من معالم وصفات البشر الذى يخطىء ويصيب ... والقرآن يقرر بوضوح (قل إنما أنا بشر مثلكم يوحى إلى ) .. أى أنه بشر لا يمتاز عن غيره سوى بميزة الوحى الذى يأتيه بآيات القرآن فقط .. ولا يمكن القول بأن الوحى (جبريل) كان يأتيه بأقواله التى يقولها لمن حوله فى اليوم والليلة وهو ما نطلق عليه (السنة النبوية) فالوحى لم يأتيه يكن يأتيه عندما عبس فى وجه الأعمى .. أو فى حادثة تأبير النخل .. أو عندما أمر عليا بقتل ابن عم مارية القبطية عندما شك فى بنوة ابنه ابراهيم منها واتضح لعلى عندما هم بتنفيذ ذلك الأمر ان ذلك الشخص كان مجبوبا فأحجم عن قتله .. أين هو الوحى فى كل ذلك ... ولئن كانت أقوال الرسول كلها وحى فلماذا يخطىء .؟ ولماذا يعاتبه ربه على تلك الأخطاء .. طالما أنها وحى ... ان معنى الآية: "وما ينطق عن الهوى ان هو الا وحى يوحى" ينصرف الى القرآن فقط .. ولمن أراد التحقق من ذلك الرجوع الى سياق الكلام فى سورة القمر وهى السورة السابقة لسورة النجم مباشرة حيث يجد الكلام متصلا عن القرآن وتأتى آية النجم لتؤكد على أن نطق النبى بهذا القرآن ليس إلا عن وحى يأتيه لا عن هوى منه ..
أقوال الرسول اذن ليست وحيا وإنما هى اجتهاد بشرى يخطىء ويصيب والحديث الصحيح يقول : "عليكم بسنتى وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدى" .. وبالتالى فلكل عصر علماؤه الذين هم فيه خلفاء لرسول الله فى أمر الاجتهاد والتشريع بما لا يمس ثوابت الدين ولا أركانه. ومن هنا فإن ما بين أيدينا من أحاديث لرسول الله صلى الله عليه وسلم يصبح صورة لما كان عليه عصر الرسول وتسجيل لموقف الرسول من قضايا ذلك العصر ومشكلاته واجتهاداته للناس فى تلك المشكلات .. ومن تلك الاجتهادات ما هو طبى علاجى .. وما هو صحى غذائى (كحديث الذبابة) .. ومنها ما هو عسكرى متعلق بنوعيات السلاح كالخيل والسيوف والرماح ... الخ الخ ... ومنها ما هو اجتماعى اقتصادى تعليمى ... الخ الخ ... وكلها مسائل تصطبغ بلون عصرها وغير ملزمة لسائر العصور التالية ... ونحن غير ملزمين بالأخذ بتلك التعاليم والوصايا التى تتدخل فى تفاصيل الحياة اليومية .. بل وفى أنشطة العقل وحريته وممارسة الناس للفنون والآداب وكافة مسائل الابداع والانطلاق العقلى والنفسى والبدنى مادامت تتم بقوانين ضابطة تضمن استقرار وازدهار حياتهم .. قوانين يضعها الفلاسفة والمفكرون وأصحاب الشأن من الطبقات الحاكمة فى كل بلد حسب ظروفه وإمكانات ومواهب مواطنيه ...
ومما لا شك فيه أن تغير صورة العصر وظهور العلوم والفنون بهذا الشكل المتفجر فى الأمم المتقدمة وضع الاسلام والمسلمين فى حرج تاريخى كارثى وجب معه الانتفاضة للتغيير الفورى .. وما أدعو اليه هنا فى ذلكم المقال المتواضع أعتبره نواة للتجديد المرتقب الذى أتمنى أن يتداعى اليه حكماء العصر ومنهم الدكتور العلامة أحمد صبحى منصور ومن هم فى مستواه العلمى والعقلى .. عندئذ ستستطيع العلمانية أن تجد لنفسها مكانا فى مجتمع متدين. مجتمع يتاح للعقل فيه الاجتهاد فى قضايا سبق ان اجتهد فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم لعصره ونجتهد فيها نحن أيضا لعصرنا بما قد يخالف الاجتهادات التى سبقت فى العصور الماضية .. وعندئذ أيضا سيكون التفكير فى النسبى بما هو نسبى ممكنا بل وفريضة دينية.
وشكرا
#حسن_عبد_اللطيف (هاشتاغ)
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟