طوني سماحة
الحوار المتمدن-العدد: 4937 - 2015 / 9 / 26 - 20:08
المحور:
العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
بين السطور الاولى للنص التوراتي وإرسالية يسوع ما لا يقل عن ألف وخمس مائة عاما. خلال هذه الفترة تنامى التقليد اليهودي ليخترق أدق التفاصيل في حياة الفرد بدأ بالطعام وصولا للاغتسال والعمل والصلاة. لدى صعود نجم الفريسيين اجتماعيا ودينيا في الفترة التي سبقت ولادة المسيح، حازت التقاليد على هالة من القدسية جعل اختراقها او حتى التشكيك بصحتها كفرا. أدى تقديس التقليد هذا الى حجب الفكر وقبول التعليم الصادر عن رجال الدين على أنه نص روحي لا يقبل المناقشة.
عندما أتى يسوع، وجد الناس في حال جهل وعمى روحي مطبق. حجب التقليد فكرهم حتى باتوا يقبلونه على حاله، حتى ولو تعارض مع تعليم التوراة. على سبيل المثال، أوصى موسى في الوصايا العشرة بإكرام الأب والأم. لكن التقليد اليهودي فيما بعد حلّ اليهودي من فريضة إكرام الوالدين إن هو قدّم المال المخصص لهما كقربان للهيكل. لذلك نجد يسوع في متى 23 يوبخ الفريسيين قائلا لَهُمْ: «وَأَنْتُمْ أَيْضًا، لِمَاذَا تَتَعَدَّوْنَ وَصِيَّةَ اللهِ بِسَبَب تَقْلِيدِكُمْ؟ 4 فَإِنَّ اللهَ أَوْصَى قَائِلاً: أَكْرِمْ أَبَاكَ وَأُمَّكَ، وَمَنْ يَشْتِمْ أَبًا أَوْ أُمًّا فَلْيَمُتْ مَوْتًا. 5 وَأَمَّا أَنْتُمْ فَتَقُولُونَ: مَنْ قَالَ لأَبِيهِ أَوْ أُمِّهِ: قُرْبَانٌ هُوَ الَّذِي تَنْتَفِعُ بِهِ مِنِّي. فَلاَ يُكْرِمُ أَبَاهُ أَوْ أُمَّهُ. 6 فَقَدْ أَبْطَلْتُمْ وَصِيَّةَ اللهِ بِسَبَب تَقْلِيدِكُمْ!" وأكمل يسوع قائلا "يَا مُرَاؤُونَ! حَسَنًا تَنَبَّأَ عَنْكُمْ إِشَعْيَاءُ قَائِلاً: 8 يَقْتَرِبُ إِلَيَّ هذَا الشَّعْبُ بِفَمِهِ، وَيُكْرِمُني بِشَفَتَيْهِ، وَأَمَّا قَلْبُهُ فَمُبْتَعِدٌ عَنِّي بَعِيدًا."
كان النص التوراتي يلزم اليهودي بدفع عشرة بالمائة من دخله لدعم المؤسسة الدينية. دفع هوس الفريسيين لتطبيق هذه الوصية بإلزام الناس بتعشير أصغر الاشياء مثل النعنع والشبث والكمون. لذلك نجد يسوع يوبخهم في متى 23 قائلا "وَيْلٌ لَكُمْ أَيُّهَا الْكَتَبَةُ وَالْفَرِّيسِيُّونَ الْمُرَاؤُونَ! لأَنَّكُمْ تُعَشِّرُونَ النَّعْنَعَ وَالشِّبِثَّ وَالْكَمُّونَ، وَتَرَكْتُمْ أَثْقَلَ النَّامُوسِ: الْحَقَّ وَالرَّحْمَةَ وَالإِيمَانَ. كَانَ يَنْبَغِي أَنْ تَعْمَلُوا هذِهِ وَلاَ تَتْرُكُوا تِلْكَ."
واجه الفريسيون المسيح ذات مرة مشتكين على تلاميذه كونهم يأكلون بأيد غير مغسولة طبقا لتقليد الشيوخ. مرة أخرى، نجد يسوع يوبخهم على تمسكهم بالتقاليد من خلال إكرام الله بشفتيهم وابتعادهم عنه بقلوبهم كما وردت القصة في مرقس 7 "وَاجْتَمَعَ إِلَيْهِ الْفَرِّيسِيُّونَ وَقَوْمٌ مِنَ الْكَتَبَةِ قَادِمِينَ مِنْ أُورُشَلِيمَ. 2 وَلَمَّا رَأَوْا بَعْضًا مِنْ تَلاَمِيذِهِ يَأْكُلُونَ خُبْزًا بِأَيْدٍ دَنِسَةٍ، أَيْ غَيْرِ مَغْسُولَةٍ، لاَمُوا. 3 لأَنَّ الْفَرِّيسِيِّينَ وَكُلَّ الْيَهُودِ إِنْ لَمْ يَغْسِلُوا أَيْدِيَهُمْ بِاعْتِنَاءٍ، لاَ يَأْكُلُونَ، مُتَمَسِّكِينَ بِتَقْلِيدِ الشُّيُوخِ. 4 وَمِنَ السُّوقِ إِنْ لَمْ يَغْتَسِلُوا لاَ يَأْكُلُونَ. وَأَشْيَاءُ أُخْرَى كَثِيرَةٌ تَسَلَّمُوهَا لِلتَّمَسُّكِ بِهَا، مِنْ غَسْلِ كُؤُوسٍ وَأَبَارِيقَ وَآنِيَةِ نُحَاسٍ وَأَسِرَّةٍ. 5 ثُمَّ سَأَلَهُ الْفَرِّيسِيُّونَ وَالْكَتَبَةُ: «لِمَاذَا لاَ يَسْلُكُ تَلاَمِيذُكَ حَسَبَ تَقْلِيدِ الشُّيُوخِ، بَلْ يَأْكُلُونَ خُبْزًا بِأَيْدٍ غَيْرِ مَغْسُولَةٍ؟»6 فَأَجَابَ وَقَالَ لَهُمْ: «حَسَنًا تَنَبَّأَ إِشَعْيَاءُ عَنْكُمْ أَنْتُمُ الْمُرَائِينَ! كَمَا هُوَ مَكْتُوبٌ: هذَا الشَّعْبُ يُكْرِمُنِي بِشَفَتَيْهِ، وَأَمَّا قَلْبُهُ فَمُبْتَعِدٌ عَنِّي بَعِيدًا،7 وَبَاطِلاً يَعْبُدُونَنِي وَهُمْ يُعَلِّمُونَ تَعَالِيمَ هِيَ وَصَايَا النَّاسِ. 8 لأَنَّكُمْ تَرَكْتُمْ وَصِيَّةَ اللهِ وَتَتَمَسَّكُونَ بِتَقْلِيدِ النَّاسِ: غَسْلَ الأَبَارِيقِ وَالْكُؤُوسِ، وَأُمُورًا أُخَرَ كَثِيرَةً مِثْلَ هذِهِ تَفْعَلُونَ».9 ثُمَّ قَالَ لَهُمْ: «حَسَنًا! رَفَضْتُمْ وَصِيَّةَ اللهِ لِتَحْفَظُوا تَقْلِيدَكُمْ!10 لأَنَّ مُوسَى قَالَ: أَكْرِمْ أَبَاكَ وَأُمَّكَ، وَمَنْ يَشْتِمُ أَبًا أَوْ أُمًّا فَلْيَمُتْ مَوْتًا.11 وَأَمَّا أَنْتُمْ فَتَقُولُونَ: إِنْ قَالَ إِنْسَانٌ لأَبِيهِ أَوْ أُمِّهِ: قُرْبَانٌ، أَيْ هَدِيَّةٌ، هُوَ الَّذِي تَنْتَفِعُ بِهِ مِنِّي12 فَلاَ تَدَعُونَهُ فِي مَا بَعْدُ يَفْعَلُ شَيْئًا لأَبِيهِ أَوْ أُمِّهِ.13 مُبْطِلِينَ كَلاَمَ اللهِ بِتَقْلِيدِكُمُ الَّذِي سَلَّمْتُمُوهُ. وَأُمُورًا كَثِيرَةً مِثْلَ هذِهِ تَفْعَلُونَ".
كان اليهودي شأنه شأن كل الناس يحلف بما هو غال لديه لتثبيت قسم. وكون الهيكل هو رمز الامة والدين، كان من الطبيعي على الفقير والغني، العامي ورجل الدين أن يحلف بالهيكل. لكن الفريسيين، وحسب تقليدهم علموا الناس أنه عليهم الالتزام إن هم حلفوا بذهب الهيكل وأما من حلف بالهيكل نفسه فليس بشيء. مرة أخرى نجد يسوع يوبخهم على التزامهم الاعمى بالتقليد قائلا لهم في متى 23 "وَيْلٌ لَكُمْ أَيُّهَا الْقَادَةُ الْعُمْيَانُ! الْقَائِلُونَ: مَنْ حَلَفَ بِالْهَيْكَلِ فَلَيْسَ بِشَيْءٍ، وَلكِنْ مَنْ حَلَفَ بِذَهَب الْهَيْكَلِ يَلْتَزِمُ. 17 أَيُّهَا الْجُهَّالُ وَالْعُمْيَانُ! أَيُّمَا أَعْظَمُ: أَلذَّهَبُ أَمِ الْهَيْكَلُ الَّذِي يُقَدِّسُ الذَّهَبَ؟ 18 وَمَنْ حَلَفَ بِالْمَذْبَحِ فَلَيْسَ بِشَيْءٍ، وَلكِنْ مَنْ حَلَفَ بِالْقُرْبَانِ الَّذِي عَلَيْهِ يَلْتَزِمُ. 19 أَيُّهَا الْجُهَّالُ وَالْعُمْيَانُ! أَيُّمَا أَعْظَمُ: أَلْقُرْبَانُ أَمِ الْمَذْبَحُ الَّذِي يُقَدِّسُ الْقُرْبَانَ؟
20 فَإِنَّ مَنْ حَلَفَ بِالْمَذْبَحِ فَقَدْ حَلَفَ بِهِ وَبِكُلِّ مَا عَلَيْهِ! 21 وَمَنْ حَلَفَ بِالْهَيْكَلِ فَقَدْ حَلَفَ بِهِ وَبِالسَّاكِنِ فِيهِ،
22 وَمَنْ حَلَفَ بِالسَّمَاءِ فَقَدْ حَلَفَ بِعَرْشِ اللهِ وَبِالْجَالِسِ عَلَيْهِ".
لا يستطيع المرء أن يكتب عن تقديس الفريسيين للتقاليد دون ذكر يوم السبت. فالسبت هو يوم مقدس لليهود ولا يجوز العمل فيه. لكن رجال الدين لم يتوقفوا بتقديسهم للسبت عند العمل المهني مثل الزراعة والبناء والحراثة والخبز والحياكة والسفر وغيرها، بل تطرفوا كيما يفرضوا قيودا على الانسان العادي لا يستطيع احتمالها مثل تحضير الطعام والاستشفاء وإشعال أو إطفاء النار مما حمل يسوع على حثهم على التفكير عندما اعترضوا على شفائه لرجل يده يابسة في يوم السبت كما نقرأ في متى 12 "وَإِذَا إِنْسَانٌ يَدُهُ يَابِسَةٌ، فَسَأَلُوهُ قَائِلِينَ: «هَلْ يَحِلُّ الإِبْرَاءُ فِي السُّبُوتِ؟» لِكَيْ يَشْتَكُوا عَلَيْهِ. 11 فَقَالَ لَهُمْ: «أَيُّ إِنْسَانٍ مِنْكُمْ يَكُونُ لَهُ خَرُوفٌ وَاحِدٌ، فَإِنْ سَقَطَ هذَا فِي السَّبْتِ فِي حُفْرَةٍ، أَفَمَا يُمْسِكُهُ وَيُقِيمُهُ؟ 12 فَالإِنْسَانُ كَمْ هُوَ أَفْضَلُ مِنَ الْخَرُوفِ! إِذًا يَحِلُّ فِعْلُ الْخَيْرِ فِي السُّبُوتِ!» 13 ثُمَّ قَالَ لِلإِنْسَانِ: «مُدَّ يَدَكَ». فَمَدَّهَا. فَعَادَتْ صَحِيحَةً كَالأُخْرَى."
كانت رسالة يسوع صيحة مدوية ضد التقليد الاعمى الذي يمنع الانسان عن التفكير السوي. ضرب يسوع التقليد عندما أصبح هذا التقليد عائقا أمام التقدم الاخلاقي والروحي للإنسان. لسؤ الحظ ما زال التقليد يعمي عيوننا في حالات كثيرة حتى أننا نقرأ وننتقد الفريسيين لغلاظة قلوبهم ولا يخيل إلينا للحظة أننا في مؤسساتنا الدينية والاجتماعية والثقافية والاخلاقية لا نقل عنهم عمى روحيا. نحن اليوم في الشرق الاوسط أكثر من أي وقت مضى بحاجة لإعادة النظر في ما تسلمناه من الاجداد لتقييمه وتجديد أفكارنا التي تسلطت عليها تقاليد بالية.
#طوني_سماحة (هاشتاغ)
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟