خالد حسن يوسف
الحوار المتمدن-العدد: 4861 - 2015 / 7 / 9 - 17:17
المحور:
سيرة ذاتية
طفل يرى صور في جدران منزل العائلة وفي البومات الصور التي كان يتم الحفاظ عليها بعناية وحرص وكأنها محاولة تسجيل لتاريخ ولاسيما وأنه قد عاش بين ردهات ذلك المنزل كُتاب وفنان تشكيلي, صور لأشخاص وأماكن ومنتوجات,يسأل الطفل كبار أعضاء العائلة من أين هذه الصورة الجميلة, فيقال له أنها صور بلدك, صور مقديشو وجوارها, أو حمر الجميلة كما هي في لغة أبناء المدينة أو الصوماليين عموما, في تلك الصور القديمة معاني وحكايات وتاريخ وملامح للانسان والجغرافيا معا, اجتمعت في تلك الصور ثقافات عدة لصوماليين من أبناء حمر بغض النظر عن اعراقهم وجذورهم, بينما جمعهم المكان والاندماج في ظل المدينة الوطن.صور تم طباعتها من قبل وزارة الإعلام والإرشاد القومي الصومالي بهدف التسويق الإعلامي السياحي, فكان ذلك موفقا لنشر وعلى غير عادة الكثير مما كانت الوزارة تحاول تسويقه أكان لداخل أو الخارج.
تشد المشاهد وما تحمله الصور نفسيات الطفل وغيره من أطفال البيت, فتشدهم للمطالبة برؤية حمر الجميلة والرغبة في لقاء الأهل فيها وما أكثرهم يومها في حمر, وتُوفي الأسرة رغبة صغارها فكانت الزيارة في ظل صيف إحدى العطلات المدرسية لعام 1979 وعلى خطوط الجوية الصومالية Somali Airlines تلك الطائرة الجميلة رغم إمكانياتها المتواضعة في عالم شركات الطيران, إلى أنها كانت تقدم كل الأساسيات التي كان يحتاجها المسافر من مآكل,دواء واسترخاء وحرص شديد على راحة المسافرين من قبل مضيافات اتسمنا بالترحيب والبسمة الصادقة والعنفوان الصومالي العفوي, والذي لا يميز بين البشر والتعامل معهم انطلاقا من مكانتهم الطبقية, فانتهى الإحساس ذاته أن الطائرة ذاتها هي الوطن, وإن اتضح فيما بعد لطفل السائل أن مشهد في الطائرة ليس بالضرورة صورة لمسرح الوطن وتناقضاته والتي لا تخلو من كل ما هو مفرح, وذلك هو واقع الحياة بشكل عام.
مقديشو بدأت جميلة من سمائها كما هي في سطحها براً, إذ يشدك منظر الخضرة وكثرة الأشجار في المدينة, وتقبع المنازل البيضاء وسط هذه الخضرة, وبتمازج اللونيين الأخضر والأبيض, نتجت لوحة طبيعية اتسمت بالجمال والشعور بالسعادة, فالمكان والزمان كلاهما أصبحا جاذبان للعيون والخواطر والشعور , وسؤال هل بلادي جميلة وخيرة إلى هذا الحد؟, وأسئلة أخرى منها لماذا أغيب عن هذا المكان وهؤلاء الناس الذين يعيشون في هذه الجنة؟
تنزل الطائرة مارة بساحل المدينة وخلال نزول الطائرة التدريجي تتضح بعض شوارع أحياء المدينة بمعالمها الواضحة فاتضحت البنايات,الشوارع,العربات السائرة من هنا وهناك, ردد الطفل بعفوية في قرارة نفسه هذه بلادي وكل ما أراه لنا, أنها لحظة الوعي التجريبي لكيان الوطن والقبض على ملامحه عن قرب ومن ثم السعي لتشبت به فيما بعد.
في بيت العائلة تجتمع الأسرة لتناول الطعام ولكن في اطار تمييز واضح ما بين الذكور والإناث بغض النظر عن سنهم, فكانت وجبتان منفردتان لذكور والإناث, وبذلك وجدت ذاتها كبيرة الأسرة سنا ومكانة ذاتها تتناول الطعام مع عنصر الإناث واستمر ذلك لعدة أيام, ولاحظ الطفل الأمر واستوعب مبكرا مغزى ثقافة المجتمع والذي يميز العنصرين في قضايا شتى ومنها تناول وجبة الطعام, فكانت ثورته الغير اصلاحية ولصالح عنصر نسائي واحد وليس أكثر من ذلك, فكان اعتصام لن نتناول الطعام إلى مع كبيرة الجميع, فكان الحل والتسوية التي تم التوصل إليها أن تكون هناك مائدة حصرية للكبيرة ومرافقيها الأطفال ومن يرغب في مشاركتهم مائدتهم.
وأصبح الأمر حديث المنزل وعدد من المنازل, وتبسم كبير العائلة يومها قائلا:هم أصح منا لا زلنا نمارس عادات بالية وغير جيدة بصدد عدم الاختلاط عند تناول الطعام, وهؤلاء الأطفال رفضوا الطقوس التي نعمل بها اجتماعيا, لقد ذكروني بيوم كنت طفلا وكانت الكبيرة تغسل جسدي,وتطعمني بيدها ثم تأخذني إلى مدرسة القرآن(الكُتاب) لدى الشيخة أردو Ardo الصومالية في حي المعلا بمدينة عدن.
ويسأل كبير العائلة كيف الشيخة معكم؟ وكانت الإجابة هي طيبة إلا أنها تضرب الأطفال وإن كانت تتجنب ضربنا إلى في حالة الإيعاز لها من قبل الأسرة بالقيام بذلك, يردد الكبير هي من علمت فلان وفلان من أعمامكم من هم حاليا في الكويت,بريطانيا,الصومال وأبناء العمومة الكبار في الإمارات العربية, وأضااف هي مدرسة تخرج على يديها الكثير من الرجال, ولكن عصركم أفضل منا فهي تدرس البنات حاليا , وأكد أنه أوصى إليها أن تكون جادة ورحيمة مع أبنائه في زيارته عام 1977, ويشاء القدر أن تتوفى الشيخة أردو Ardo في عام 1981 وأن تركت فراق كبير في اطار المهمة الانسانية والتربوية التي كانت تقوم بها.
تراب مقديشو طيب ولدرجة أن رمي بعض بقايا الطعام في ردهات المنزل الترابية كانت تسفر عن الظهور المفاجئ لبعض الخضروات, والتي كانت تشد معرفة الأطفال القادمين إليها, تربة حمراء مبتلة باستمرار بمياه الأمطار وتنبت كل ما هو أخضر, الأطفال من زوجات عدة يلعبون كرة القدم وتباين أساليب تعاطيهم مع كرة قدم وفقا لنمطين الآسيوي الهادئ والإيطالي الكثير الحركة, وكان من الرونق أن تأتي أسرة أخرى من دائرة الأعمام قادمة من الكويت وأن يحدث الأمر مزيجا من تمازج عادات المجتمعين المتعددة والذين يجمعهم الدم المشترك.
صادف التوقيت الدورة المدرسية الرياضية العربية والتي فاز فيها العراق على الصومال في ظل المباراة النهائية لكرة القدم, حيث كان يضيف الموعد المسائي للمباريات في صيف شهر رمضان رونقا وجمالا مثيرا للمشاهدين في استاد مقديشو ذو العشب الأخضر والذي بنته الصين قبل أن ينتهي اليوم كمعسكر لقوات الاتحاد الأفريقي, الدورة الرياضية تشمل العديد من الطقوس الرياضية من كرة السلة,القفز,كرة التنس المضرب,السباحة,العدو وغيره, وكان للمرأة الصومالية مشاركة في كل من كرة السلة,التنس المضرب,السباحة.
والصوماليون أهل ابتكار فجعلوا من عربة التويوتا (البيكاب) اليابانية الرباعية الدفع كوسيلة مواصلات عامة وذلك بعد ربط شراع على العربة, رغم وجود التاكسي من ماركة فيات الإيطالية بكتافة في مقديشو, فكانت تلك العربات المفضلة لركاب الذهابين نحو استاد مقديشو من الجنسين, نعم كانت مدينة ليبرالية ولم يحرم مجتمعها الاختلاط المباح دينيا, فكان جمهور المباريات رجالا ونساء.
في مقديشو الشعور الطاغي بالحرية رغم وجود نظام شمولي فعلى المستوى الاجتماعي فالمواطنيين حريصيين على فسحة منازلهم وأن لا تكون ضيقة وأن يشمل المنزل حدود الخمسة الغرف وعدة حمامات ومطبخ وسور للمنزل, وهو ما يعد بنموذج للمنزل الصومالي المعاصر, ثقافة العمران المشترك تغيب في مقديشو وغيرها من مدن, حيث ليس من العادة السكنى في البنايات للعنصر الصومالي ذو الجذور الأفريقية بينما الأمر وارد مع الصوماليين من أصول عربية يمنية وعمانية وغيرهم من هنود وايطاليين, وذلك بعد استثناء بعض الفيلات المسكونة من قبل صوماليين وذات الطابقين.
في مقديشو كانت بدايات الشعور الجهوي الجميل والغير مُنفر, حيث تتعدد لهجات أهل المدينة في ظل طغيان اللهجة الحمراوية الجميلة والمتسمة في دلال عفوي ولاسيما من قبل العنصر النسوي, فكان التمعن في لهجات الأسر الجارة مصحوبا بالحيرة, فالأسر المجاورة في ذلك الركن من حي كاسا بلبلري Casa Balballre في مديرية هودون Hodon شكلوا خليط من القادمين إلى المدينة من قبائل ذولباهنتي,ورسنجلي,مريحان,هبرجيدير وغيرهم, فاصيب الأطفال القادمين بالحيرة في الانسجام مع اللهجات المتعددة والتي يتم الصراخ عبرها أثناء فترات اللعب المحدودة وهم اساسا لا يجيدون اللغة الصومالية إلى بصورة هزيلة, خاصة وأنه لم تكن هناك قواعد اجتماعية مشتركة ومتعارف عليها لدى هؤلاء الأطفال فكان التداخل بينهم بشكل عفوي, إلى أن ذلك لم يكن ماثلا بين عائلي تلك الأسر العاملين في مؤسسات الدولة والقطاع الخاص, فكان الاحتكاك محصورا على التلاقي الطفولي العفوي والمحدود والتحية العابرة بين عائلي الأسر من الذكور وهم على ظهر سياراتهم عابرين في اتجاه الشارع العام, وكان من تلك المناظر الملفتة للإنتباه منظر تلك الطفلة الصغيرة والتي كانت انطوائية وتتسلق عادتا شجرة بيتهم وتقعد مراقبة لما يجري في جوارها من ركض ولعب الصغار للكرة, أباها عراقي مدير مصفاة الجزيرة أنذاك وأمها صومالية من قبيلة مريحان, وكانت الطفلة وحيدة أسرتها وذات ملامح صومالية سمراء البشرة.
ومع بزوغ الليل ومباشرتا بعد صلاة المغرب كانت مقديشو تغط في سكونها فلا ترى أناس يسيرون في شوارعها إلى ما نذر ويسيرون لضرورة وغالبهم من سهر ليللته في مكان ما, والطفل يستقرئ ذلك من خلال حضوره لصلاة الفجر في مسجد االمرحوم الشيخ علي الصوفي(الأوجاديني) والذي كان يؤم الصلاة في حضور أبنائه الذكور كبارا وأطفال, وكان الشيخ محل محبة أهل الحي, وما بين المنزل والمسجد عشرات الأمتار في اتجاهات عدة, وبعد الصلاة كان من عادة كبير الأسرة أن يأخذ من يرافقوه بغض النظر عن سنهم, إلى أماكن ما, ومن خلال تلك الجولات السريعة اتضح مدى سكون المدينة في ليلتها.
#خالد_حسن_يوسف (هاشتاغ)
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟