أحمد صدام عبد الصاحب
الحوار المتمدن-العدد: 4854 - 2015 / 7 / 2 - 14:10
المحور:
الادارة و الاقتصاد
يعد الاستثمار في الموانىء الحديثة من العوامل الاساسية المساعدة في التنمية الاقليمية والنمو الاقتصادي بشكل عام بدون أدنى شك. ففي ظل العولمة والانفتاح الاقتصادي تغير الدور التقليدي للموانىء ولم تعد مجرد أماكن لاستلام البضائع وتوزيعها الى المناطق الاخرى فحسب. بل أصبحت الموانىء كيانات اقتصادية مستقلة وحلقة اساسية في التبادل التجاري والصناعي بين الدول، وهي بذلك لها دور كبير وتأثير مباشر على استقرار الاسواق المحلية والاقليمية.
لقد حث الكثير من الاقتصاديين على أهمية المناطق التي تمتلك سواحل بحرية وفي مقدمتهم Adam Smith الذي أكد على ان الاسواق تكون أكثر انفتاحاً والصناعات تكون أكثر توسعا بالمقارنة مع المناطق التي لا تمتلك حدودا بحرية. كما أكد Alfred Weber صاحب نظرية الموقع الصناعي Industrial Location Theory حيث ذكر ان الشركات الاستثمارية غالباً ما تتنافس على المواقع الحدودية التي يرتبط بها نمطي النقل البري والبحري. من هذا المنظور الاقتصادي تتأتى أهمية إنشاء ميناء كبير في السواحل البحرية العراقية مثل ميناء الفاو، بيد ان أهمية انشاء هكذا مشروع عملاق مع ميزة الموقع الجغرافي التي يتمتع بها غير كافية وحدها لتحقيق الاهداف الاساسية من إنشاء المشروع. فمن وجهة نظري كباحث في مجال الموانىء أرى ان هذا المشروع غير متكامل مع ما تتطلبه التطورات الحديثة والتي تتركز في التوسع الجغرافي في بناء المدن الصناعية والتجارية، فضلا عن المناطق السكنية الملحقة بها وعلى مراحل. إن الغاية الاساسية من مشاريع الموانىء الحديثة هو إنشاء مدن جديدة تسهم في إحداث حالة من التوازن السكاني الجديد فضلا عن جذب الاستثمارات الصناعية وتوسيع حركة التجارة، وهذا ما لا يتوافر في مشروع ميناء الفاو الكبير. يشير الواقع الحالي الى ان الهدف الاساسي هو فقط إنشاء الميناء، إذ لا ينسجم ذلك مع المنطق الاقتصادي الذي يؤكد على دور المدن الساحلية في توسيع السوق وتعزيز المنافسة من خلال المدن المجاورة للميناء. أضف الى ذلك، إن الاستثمار في الموانىء يختلف عن باقي الاستثمارات المحلية، كون ان قطاع الموانىء هو قطاع محرر بطبيعته. معنى ذلك ان إنشاء الموانىء الحديثة يجب ان يتواكب مع ما وصلت اليه التطورات في مجال الموانىء على المستويين الدولي والاقليمي. فالتطور على المستوى الدولي مطلوب كون ان الميناء سوف يتعامل مع شركات النقل الاجنبية، إذ ان الناقل البحري لا يمكن إجباره بقرار محلي في التعامل مع الميناء ما لم تكن التسهيلات اللوجستية هي العامل الاساس في جذب شركات النقل البحري. وعلى المستوى الاقليمي، يجب ان يواجه الميناء التطورات المستقبلية للموانىء المجاورة. بناءً على ذلك يجب ان تلحق بمشروع ميناء الفاو الخدمات الداعمة الاخرى التي من شأنها ان تساعد على نجاح المشروع بالشكل الذي يحقق الجدوى الاقتصادية من إنشائه. لذلك يجب ان تكون هناك خطط اقتصادية لانشاء سكك حديد وطرق برية التي تشكل عامل مساعد في جذب المستثمرين الى المدن الصناعية. الاهم من كل ذلك هو يجب ان تكون هناك ستراتيجيات اقتصادية مدعومة من قبل متخذي القرار في الحكومة العراقية، إذ ان لهذه الستراتيجيات اهمية كبيرة في دفع الاستثمار بالمشروع الى الامام. على ارض الواقع يلاحظ العكس إذ يواجه المشروع أزمة في التمويل فضلا عن تأخر الانجاز لعوامل متعددة. وهذا يعتبر مؤشرا سلبيا بكل تأكيد لا يصب في مصلحة الميناء كمشروع اقتصادي رائد في العراق. بالمقابل ان مشروع ميناء مبارك في الكويت يسير بخطى متصاعدة حيث سيتم اكتمال المرحلة الاولى من الميناء خلال هذا العام (2015)، فضلا عن ذلك ان مشروع الميناء المنافس الذي لا يبعد سوى 1 كم عن ميناء الفاو الكبير خطط له ان يكون دعامة اقتصادية لبناء مدينة "الحرير" وهي مدينة ستكون اشبه بمدينة دبي مقابل جزيرة بوبيان التي ستشكل مناطقها السكنية ما نسبته (70%) من المناطق السكنية القائمة حالياً في الكويت، وهذه المعلومة صرح بها وزير الدولة لشؤون مجلس الوزراء الكويتي في مؤتمر صحفي. هذه المدينة هي الدافع الاساس لانشاء ميناء مبارك حيث سيتم ربطها بجسر طوله 35 كم والذي يختصر المسافة من 50 دقيقة عبر الطريق البري من الكويت الى جزيرة بوبيان الى 27 دقيقة فقط. وهذه المشاريع تسير ضمن خطة اقتصادية مرسومه على مدى 35 عام. من خلال هذه المؤشرات نلاحظ ان مشروع ميناء مبارك هو جزء مكمل لمشاريع اقتصادية أكبر. كل هذه المعطيات تؤكد على ان المنافسة التي سيواجهها ميناء الفاو الكبير بكل تأكيد هي منافسة شرسة، لا يقوى الميناء على مواجهتها وفقا للمؤشرات الحالية. إذ من الواضح جدا ستمثل تحديا كبيرا تفرضه جغرافية الموقع حيث لا يبعد الميناء المنافس سوى (1) كم عن موقع مشروع ميناء الفاو الكبير.
وبما ان عنصر المنافسة هو العامل الحاسم في مواجهة منافسة الموانىء الاخرى، فقد سعت عدد من دول الخليج الى إنشاء مشاريع منافسه، فعلى سبيل المثال لا الحصر استثمرت سلطنة عُمان في انشاء ميناء جديد (ميناء الدقم) الذي يبلغ عدد ارصفته 40 رصيفا ووصلت نسبة الانجاز الى 70%. وفي الامارات العربية المتحدة تم الاستثمار في ميناء خليفة في امارة ابو ظبي، وهو من الموانىء الحديثة ويحوي مناطق حرة، وصناعية، وتجارية وتعليمية وسكنية فضلا عن المرافق الخدمية الاخرى. كذلك الحال في قطر التي قامت بانشاء ميناء الدوحة الجديد الذي اكتملت المرحلة الاولى من في عام 2014. بينما في العراق فمن المؤسف القول ان السياسة الاقتصادية ما زالت بعيدة عن كل هذه الاعتبارات. بل وحتى القرار السياسي كان مختلفا بشأن الاثار التي سوف يخلفها ميناء مبارك على الاقتصاد العراقي. إذ من الجدير بالذكر ان اللجنة الوزارية التي زارت الكويت بخصوص ميناء مبارك ذكرت في تقريرها ان الميناء سوف لن يؤثر على الملاحة في خور عبد الله، كما ذكرت ان التصاميم المقدمة من قبل وزارة النقل العراقية هي تصاميم مختلفه عما عرضه الجانب الكويتي !! وهذه بحد ذاتها مؤشر سلبي يؤكد عدم توحد الرؤى الاقتصادية بخصوص الاثار المحتملة لمشروع ميناء مبارك.
مما سبق نلاحظ انه لا توجد خطة اقتصادية واضحة المعالم بشأن مشروع ميناء الفاو الكبير ومشاريع البنى التحتية المرتبطة به. وهذه الحالة ستؤثر سلبا على الميناء حتى لو اكتمل إنجازه بحيث يكون مشروعاً تقليديا كباقي المشاريع الاخرى. فضلا عن ذلك، لا توجد هناك مشاريع استثمارية داعمة لمشروع ميناء الفاو كتلك التي ذكرناها بخصوص مشروع ميناء مبارك المنافس حيث سوف ترتبط به مدينة متكاملة فضلا عن الجسر الرابط لهما بمدينة الكويت العاصمة. وبناءً على هذه المعطيات ان مشروع ميناء الفاو الكبير سوف لن يكتب له النجاح بسبب المنافسة الكبيرة التي يواجهها من ميناء مبارك. وهنا يجب ان لا ننسى ايضا ان السياسات الاقتصادية المتعثرة هي التي ستكون السبب الرئيس في إفشال المشروع المقترح.
وختاماً اذا ما اراد اصحاب القرار إنقاذ مشروع ميناء الفاو الكبير من فشل محقق، يجب ان تتوجه السياسة الاقتصادية في العراق الى الاعتماد على استراتيجية خاصة بشأن الميناء، وهذه الاستراتيجية يجب ان تأخذ بعدا كبيرا يدخل ضمن اعتبارات الامن الاقتصادي والقومي في البلاد ككل. الواقع الاقتصادي يحتم على أصحاب القرار ومتخذيه الى السعي الحثيث لانجاز الميناء وفقا لجدوال زمنية محددة. وإنجاز الميناء وفقا لهذه الجداول له اهمية كبيرة في سير خطط الانشاء بالشكل المطلوب. وهذا له أثرا اقتصاديا في تشجيع الاستثمارات المستقبلية في منطقة الفاو ككل. تاسيساً على ذلك هناك حاجة الى مشاريع استثمارية منافسة بالقرب من مشروع ميناء الفاو الكبير مثل إنشاء منطقة حرة، مدينة سكنية، سكك حديد، طريق مرور سريع. هناك ايضا حاجة كبيرة الى عرض تسهيلات جاذبة للاستثمار في الفاو والمناطق القريبة من الميناء. وهنا يأتي دور تعديل تشريعات الاستثمار بحيث تكون مشجعة وجاذبة للمستثمرين المحليين والاجانب. كما يجب الاخذ بنظر الاعتبار الخطط الاستثمارية للمشاريع المنافسة في مجال البنى التحتية في دول مجلس التعاون الخليجي، وهذا له اثر كبير في توجيه مشروع ميناء الفاو الكبير بالشكل يتوازى مع التطورات الحاصلة في الموانىء الاقليمية في سبيل منافستها، فاذا ما سارت السياسة الاقتصادية وفقا لهذا المنظور فان هذا سيسهم مستقبلا في تعزيز دور المشروع، لا سيما وان العراق يمتلك ميزة تنافسية أكبر ضمن هذه الاطار تتمثل في الموقع الجغرافي الذي من الممكن ان يساعد الميناء في تعزيز تجارة الترانزيت ما بين شرق اسيا واوربا عن طريق العراق الذي يملك الطرق البرية المؤدية اليها عبر تركيا، وهذه ميزة مهمة ومفتاح اساسي بيد الاقتصاد العراقي يمكن من خلالها تعزيز دورة التجاري اذا ما توافرت الشروط المكملة والمذكورة آنفا.
#أحمد_صدام_عبد_الصاحب (هاشتاغ)
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟