|
الإدارة المستحيلة لليورو
سمير أمين
الحوار المتمدن-العدد: 4768 - 2015 / 4 / 4 - 09:27
المحور:
الادارة و الاقتصاد
أولاً: لا توجد نقود بدون دولة، فالدولة والنقود معاً يكونان في إطار الرأسمالية، الأداة لتحقيق المصلحة العامة للرأسمالية التي تتجاوز مصالح قطاعات الرأسمالية المتنافسة. وتتخيل الأفكار الدوجماطيقية السائدة اليوم رأسمالية يديرها "السوق" حتى بدون دولة، (أو دولة في دورها الأدنى وهو الحفاظ على الأمن)، وهو خيال لا يقوم على قراءة فاهمة لتاريخ الرأسمالية الحقيقية، ولا على نظرية تدعي أنها علمية تثبت أن إدارة السوق تستطيع – أو حتى تتجه – لإقامة توازن من أي نوع (ومن باب أولى التوازن "الأفضل").
ولكن اليورو خُلق في غياب دولة أوروبية تحل محل الدول الوطنية التي كانت وظائفها الأساسية كمديرة للمصالح العامة للرأسمالية في طريقها للاضمحلال. وقيام اليورو كنقد "مستقل" هو التعبير عن هذه النظرية الدوجماطيقية غير المنطقية.
و"أوروبا" السياسية لا وجود لها، فعلى الرغم من الخيال الساذج المنادي بتجاوز مبدأ السيادة فإن الدول الوطنية هي وحدها التي تتمتع يالشرعية. والنضج السياسي لم يصل لجعل أي من الشعوب التاريخية التي تتكون منها أوروبا يتقبل "قراراً برلمانياً أوروبياً". وقد يتمنى المرء ذلك، ولكن زمناً طويلاً سيمر قبل أن تظهر شرعية أوروبية.
كذلك لا وجود لأوروبا اقتصادية واجتماعية، فأوروبا التي تضم 25 أو 30 دولة تبقى متفاوتة جداُ في تطورها الاقتصادي. والمجموعات الاحتكارية التي تسيطر حالياً على مجموع الاقتصاد (وبالتالي على السياسة السائدة والفكر السياسي) لها "قومية" تعود لكبار مديريها، فهي مجموعات بريطانية أو ألمانية أو فرنسية، وبدرجة أقل هولندية أو سويدية أو إسبانية أو إيطالية. والعلاقات بين بلدان أوروبا الشرقية، وجزئياً الجنوبية وبين بلدان غرب أوروبا ووسطها، تماثل العلاقات بين أمريكا اللاتينية والولايات المتحدة الأمريكية. وفي ظل هذه الظروف لا تعدو أوروبا أن تكون مجرد سوق مشتركة، أو وحيدة، تكون جزءاً من السوق العالمي للرأسمالية الحالية للاحتكارات المعممة والمعولمة والمؤمولة. ومن هذه الحقيقة التي يدعمها غياب أوروبا سياسية، ينتج التفاوت في مستوى الأجور الحقيقية والتضامن الاجتماعي وكذلك الضرائب، وهو تفاوت لا يمكن إلغاؤه في ظل المؤسسات الأوروبية بشكلها الحالي.
ثانياً: وهكذا أدى خلق اليورو لوضع المحراث أمام الثيران! وقد اعترف السياسيون الذين قاموا بذلك أحياناً بهذه الحقيقة بادعائهم بأن هذه العملية ستفرض على "أوروبا" أن تخترع الدولة المتعدية القومية ويذلك تعيد وضع الثيران أمام المحراث. ولكن هذه المعجزة لم تتحقق، والمتوقع ألا تتحقق، وكنت قد عبرت عن ذلك منذ تسعينيات القرن الماضي. وقد تبنى أحد المسئولين عن إصدار اليورو مؤخراً تعبيري: "وضع المحراث أمام الثيران" رغم أنه كان قد وصف تقديري للموضوع في حينه بأنه متشائم بلا مبرر. وقد كتبت أن مثل هذا النظام غير المنطقي لا يمكن أن يعطي مظهر الانتظام الطبيعي دون مشاكل إلا في ظروف أحوال عامة مستقرة ومواتية. ولذلك فبمجرد حدوث أزمة للنظام (حتى لو كانت في الظاهر مالية) فستظهر استحالة إدارة اليورو، وفشله في إيجاد الإجابات المتماسكة والفعالة.
والأزمة القائمة مرشحة للاستمرار بل والتعمق، ونتائجها تختلف وتتفاوت بين بلد أوروبي وآخر. والإجابات الاجتماعية والسياسية للتحديات التي تواجه الطبقات الشعبية والمتوسطة والسلطات السياسية ستختلف لهذا السبب من بلد لآخر. وتستحيل إدارة هذه الصراعات المقدر لها أن تتفاقم بدون وجود دولة أوروبية حقيقية وشرعية، كما تغيب الأداة النقدية لهذه الإدارة.
ولذلك فالإجابات على الأزمة (اليونانية مثلاً) التي تقدمها السلطات الأوروبية (بما فيها البنك الأوروبي) غير منطقية ومرشحة للفشل، وهي تتركز في تعبير واحد: التقشف للجميع وفي كل اتجاه. وهي تماثل تلك التي وضعتها الحكومات القائمة في السنوات 1929/1930. وكما فاقمت إجابات الحكومات في الثلاثينيات من الأزمة الحقيقية فستؤدي إجابات بروكسل لذات النتائج.
ثالثاً: والأمر الذي كان من الممكن عمله في تسعينيات القرن الماضي هو إنشاء "ثعبان نقدي أوروبي"، وفيه تدير كل حكومة أوروبية محتفظة بسيادتها شئونها الاقتصادية والنقدية طبقاُ لإمكانياتها واحتياجاتها رغم تحديد حريتها بسبب الانفتاح التجاري (السوق المشتركة). وسيحدد الثعبان النقدي التفاعل المشترك بشكل مؤسسي، فسيجري تبادل العملات الوطنية بمعدلات ثابتة (أو شبه ثابتة) ويجري مراجعتها من آن لآخر عن طريق التفاوض (بخفض العملة أو رفعها).
وهذا كان سيسمح على المدى الطويل بتثبيت أو تجميد الثعبان (ربما للتمهيد لقيام العملة الموحدة). وكان التقدم في هذا الاتجاه سيساعد على التقارب – البطيء والتدريجي – لكفاءة نظم الإنتاج، ومستويات الأجور الحقيقية والمزايا الاجتماعية. وبعبارة أخرة كان الثعبان سيساعد على إحداث تقدم تدريجي للأعلى ولا يعرقله. وهذا كان سيقتضي سياسات وطنية مختلفة تعمل جميعاً في هذا الاتجاه ومن بينها التحكم في التدفقات المالية بما يعني رفض الانفتاح المالي المطلق دون قيود وعبر الحدود.
رابعاً: والأزمة الحالية لليورو قد تكون الفرصة للتخلي عن الأسلوب غير المنطقي لإدارة هذه العملة الخيالية وقيام ثعبان نقدي أوروبي يتناسب مع الإمكانيات الحقيقية للبلدان المعنية.
ويمكن لليونان وإسبانيا أن تبدآ العملية بإعلان: 1) الخروج (مؤقتاً) من نظام اليورو؛ 2)تخفيض العملة؛ 3) إعادة التحكم في نظام تبادل العملة على الأقل بالنسبة للتحركات المالية. وهنا سيكون البلدان في وضع قوة عند التفاوض على جدولة ديونهما يعد مراجعتها حسابياً واستبعاد تلك المرتبطة بعمليات فساد أو مضاربة التي شاركت فيها الاحتكارات الأجنبية (بل وحققت منها مكاسب كبيرة!). وسيعطي مثل هذا الإجراء درساً للجميع.
خامساً: ومع الأسف فاحتمال لجوء السلطات الأوروبية إلى الوسائل المذكورة أعلاه للخروج من الأزمة يفترب من الصفر.
فاختيار إدارة اليورو "المستقل عن الدول"، والتقديس الكامل لقانون السوق المالي، ليس خياراً ناتجاً عن فكر نظري غير منطقي. إنه اختيار يتفق تماماً مع بقاء الاحتكارات المعممة في موقع القيادة، فهو جزء من البناء الأوروبي العام الذي صمم لمنع أي طعن في السلطة الاقتصادية والسياسية التي تمارسها هذه الاحنكارات لمصلحتها الخاصة.
وفي مقال نشر على عدة مواقع للشبكة العنكبوتية تحت العنوان: "خطاب مفتوح من جورج بابندريو إلى أنجيلا ميركل" يتحدث مؤلفو الخطاب المفترض اليونانيون عن صلف ألمانيا بالأمس واليوم. فقد حاولت الطبقات الحاكمة في هذا البلد مرتين خلال القرن العشرين أن تغير شكل أوروبا يوسائلها العسكرية التي غالوا في تقديرها. ومحاولتهم الحالية لقيادة أوروبا على شكل "منطقة مارك" موسعة لا تعدو أن تكون مغالاة في تقدير القوة الاقتصادية الألمانية مع أنها قوة نسبية وهشة.
والخروج من الأزمة غير ممكن إلا بشرط وبقدر ما يتجرأ اليسار الأوروبي الراديكالي على اتخاذ المبادرة السياسية لإنشاء جبهات تاريخية بديلة "ضد الاحتكارات". وكما كتبت من قبل، فأوروبا إما أن تكون يسارية أو لا تكون. أما التفاف اليسار الأوروبي البرلماني حول الشعار بأن أوروبا بشكلها الحالي أفضل من عدم وجودها، فلن يسمح بالخروج من المأزق، وهذا يعني ضرورة إعادة بناء المؤسسات والمعاهدات الأوروبية. وفي غياب هذا التغيير فإن نظام اليورو، ومن خلفه نظام أوروبا كما هو سيتعرض للفوضى التي لا يمكن التنبؤ بمداها. وفي هذه الحالة تصير جميع السيناريوهات ممكنة بما فيها إعادة مشروعات اليمين المتطرف والتي يدعون أنهم يحاولون تجنبها. وفي هذه الحالة، فإن بقاء اتحاد أوروبي مشلول أو تفجره بالكامل لن يضير الولايات المتحدة في شيء، أما فكرة قيام أوروبا قوية وقادرة على إرغام الولايات المتحدة على مراعاة وحهات نظرها ومصالحها فهي من قبيل الخيال.
و بعد انتصار اليسار اليوناني في الإنتخابا ت و إنتقال الأزمة إلى مرحلتها السياسية ، أضيف أن المواقف التي اتخذتها الموسسة الاروبية - بقيادة ألما نيا - تكرس ما أخشاه ؛ إذ يسدهدف المجهود المبذول بمعرفتها إلى تخريب اليونان ،ليس أقل . فتقدم المفاوضات في صالح اليونان من شأنه أن يشجع دول أخرى مثل إسبانيا . و يبدو ذلك غير مقبول لدى زعما أوربا، إذ سوف يفرض مراجعة البنا الاوروبي.
#سمير_أمين (هاشتاغ)
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
دعم الزراعة فى العالم المعاصر
-
مستقبل الزراعة فى العالم
-
الاقتصاد السياسى الإفريقى فى النظام العالمى
-
أمريكا اللاتينية تواجه العولمة
-
نحو جبهة دول الجنوب
-
هل تمثل مجموعة الدول الصاعدة بديلا للعولمة الفجة؟
-
الفاشية فى الجنوب المعاصر
-
-عودة الفاشية فى ظل أزمة الرأسمالية واﻻمبريالية المعا
...
-
الانتخابات الأوروبية خطوة نحو انهيار الاتحاد الأوروبى
-
التجدد فى حركة دول عدم الانحياز
-
الانتخابات الرئاسية الجزائرية
-
رواندا 2014
-
روسيا والأزمة الأوكرانية
-
اليوان الصينى
-
روسيا فى المنظومة العالمية
-
قانون القيمة المعولمة
-
تحديات الحركة الشعبية الديمقراطية
-
التحدى الذى يواجه مصر فى اللحظة الراهنة
-
الصعود الفاشل في مصر وتركيا وإيران
-
خطاب الدين السياسى
المزيد.....
-
-أكسيوس-: ترامب يراهن على رئاسته بأكبر تفويض اقتصادي أحادي ا
...
-
مقارنة بين أغنى رجال مصر والسعودية ضمن قائمة فوربس لأثرياء ا
...
-
بريطانيا تعد قائمة من 417 صفحة للرد على رسوم ترامب الجمركية
...
-
وول ستريت تواصل النزف وصدمة بأسواق أوروبا بسبب رسوم ترامب
-
ترامب والعالم: نظام اقتصادي جديد؟
-
رسوم ترامب تكبد أغنياء العالم 208 مليارات دولار في يوم
-
حاكم مصرف لبنان يتعهّد بمكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب
-
اليورو قرب أعلى مستوى في 6 أشهر وتراجع حاد للدولار الأسترالي
...
-
اشتباك مسلح بين عمال مناجم الذهب في بوليفيا يسفر عن 6 قتلى
-
ترامب يشجع على الاستثمار في الولايات المتحدة ويقول: سياساتي
...
المزيد.....
-
دولة المستثمرين ورجال الأعمال في مصر
/ إلهامي الميرغني
-
الاقتصاد الاسلامي في ضوء القران والعقل
/ دجاسم الفارس
-
الاقتصاد الاسلامي في ضوء القران والعقل
/ د. جاسم الفارس
-
الاقتصاد الاسلامي في ضوء القران والعقل
/ دجاسم الفارس
-
الاقتصاد المصري في نصف قرن.. منذ ثورة يوليو حتى نهاية الألفي
...
/ مجدى عبد الهادى
-
الاقتصاد الإفريقي في سياق التنافس الدولي.. الواقع والآفاق
/ مجدى عبد الهادى
-
الإشكالات التكوينية في برامج صندوق النقد المصرية.. قراءة اقت
...
/ مجدى عبد الهادى
-
ثمن الاستبداد.. في الاقتصاد السياسي لانهيار الجنيه المصري
/ مجدى عبد الهادى
-
تنمية الوعى الاقتصادى لطلاب مدارس التعليم الثانوى الفنى بمصر
...
/ محمد امين حسن عثمان
-
إشكالات الضريبة العقارية في مصر.. بين حاجات التمويل والتنمية
...
/ مجدى عبد الهادى
المزيد.....
|