راندا شوقى الحمامصى
الحوار المتمدن-العدد: 4755 - 2015 / 3 / 22 - 18:41
المحور:
العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
من بين أعقد الأمور التي أُشكل فهمها على أصحاب الديانات ومن بينهم المسلمون على مر الدهور وفسحت مجال الجدال والنزاع والتفرقة والتكفير واستباحة الدماء التي لم تغلق أبوابها حتى اليوم، موضوع تفسير الآيات الإلهية المتشابهة، أي الآيات التي تحتمل أكثر من تفسير أو معنى، فرغم وجود المجلدات والكتب والمراجع الكثيرة التي امتلأت بها المكتبات، فما زال يظهر المزيد منها، والعجيب ان كل من أدلى بدلوه في هذا المجال، ختم حديثه بعبارة (والله أعلم)، وهذه تعني ان المفسر غير متأكد من رأيه وأنه أضاف تفسيرا جديدا الى ما وجد من تفاسير، ولم يزد في عطائه المتتبعين والباحثين وطالبي الحقيقة سوى رأي فوق رأي؛ والغريب ان هذه التفاسير لم تقف عند حد معين، بل تعدتها لتدخل مجالات الحياة المختلفة حتى أصبحت من أعقد أسباب الاختلاف حتى بين أصحاب المذهب الواحد، وحار الناس بمن يقتدون ومن يتبعون، فالكل يدعون الايمان والإدراك وانهم أصحاب الطريق الصحيح والمُثل العليا، أما غيرهم فعلى باطل. ولو سألت أحد المتحذلقين عن مذهبه؟ لأجاب ابتعادا عن الإحراج وسداً لباب النقاش: كتاب الله وسنة رسوله. والحقيقة ان هذا الجواب تختلط فيه سياسة مبهمة، لأن الجميع يعتقد بكتاب الله وسنة رسوله ويؤمن بهما، ولو كان هذا هو الحل، فمن أين ظهر كل هذه الاختلاف والتكفير بين أهل الملل والمذاهب والعقائد المختلفة؟ وفي الحديث الشريف المتفق عليه دليل على صحة ما حدث (انقسمت أمة اليهود الى سبعين فرقة، وانقسمت أمة النصارى الى إحدى وسبعين فرقة، وستنقسم أمتي الى اثنتين وسبعين فرقة، كلها في النار ما عدا واحدة)(1). والغريب ان هذا الحديث يتقبله الجميع ويتفق عليه، لكن كل واحد منهم ينسب إشارته الأخيرة الى مذهبه.
تنقسم التفاسير الى ثلاثة أقسام، الأول يتناول الآيات على معانيها الظاهرية، أي ان المفسر يرتكز في تفسيره عن حدود معاني الكلمات الظاهرية، فيعتمد على درجة فهمه للغة العربية وقواعدها ومعانيها وسبب نزول الآية، وهذا النوع من التفاسير هو السائد اليوم بين غالبية المذاهب. لكن هذا الميزان غير دقيق ، لأنه يعتمد في مبدأه على قوة العقل في إدراك معنى الآية، وطالما كان الإدراك فرع من فروع العقل ومرحلة تالية له، وطالما ثبت أن أولوا الألباب يختلفون في فهم نصوص الآيات كل حسب قوة عقله، وأن العقول النيرة تختلف في درجات الفهم، إذن لا يصح الاعتماد على قوة الإدراك تماما، فلابد ان يعتريها شيء من الضعف أو الخطأ.
والقسم الثاني من المفسرين، هم أولئك الذين يبحثون بين سطور الآيات ومعاني كلماتها الخفية ويتدبرون الغاية من نزولها، فيركزون على معانيها الباطنية معتمدين على قوة عقولهم وإدراكهم في البحث والتنقيب. ومع ذلك، فهذه الطريقة لا تنجيهم من الوقوع في الخطأ، إذ ينطبق عليهم نفس المقياس السابق، لأن ميزانهم هو العقل والإدراك.
أما القسم الثالث، فهو الأقل وقوعاً في الخطأ من الفئتين السابقتين، وهؤلاء يحاولون تطبيق مفهوم معاني الكلمات الظاهرة على معانيها الباطنة ليدركوا منها كل حسب قدرته العقلية قدراً مقدورا مما أراد الله سبحانه وتعالى من علوم وحِكَم، وهم أقرب الى العقل والمعقولية في فهم النصوص من غيرهم. ولكن مع الأسف الشديد، فمثل هؤلاء المفسرون قليلون جداً وبعيدون عن العامة، لأنهم يتكلمون بمفاهيم راقية يصعب إدراكها وفهمها حتى بين مدعي العلم، لذلك راحوا يتكلمون بطرق مختلفة وإشارات خفية حفاظا على حياتهم وابتعادا عن الاحتكاك بغيرهم، بل تمادوا أحيانا حتى ألبسوا كلماتهم حللا لا يفهمها إلا من كان من طينتهم.
ان الأفكار التي تمس صميم العقيدة والإيمان، هي من أخطر الأمور وأجلها، وبمجرد ان يقرأها الجاهل المتعصب ويجد فيها ما يخالف فكره أو معتقده، يرعد ويزبد، ويطعن ويلعن، فكم من فكرة راقية سليمة وئدت عند أول ولادتها ووئد معها قائلها، فخسرت الأمة بذلك سببا من أسباب رقيها ورفعتها.
ان حرية الفكر والتفكير من أسمى مبادئ الحرية والديمقراطية، فان كانت الأفكار المطروحة جيدة سليمة، استفاد المجتمع منها، وان كانت غير ذلك، كفاها تصدي المفكرين والعقلاء لها تصدياً فكرياً عقلانياً ليدحضوا بطلانها بالحجة والمنطق (وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ)(2).
ان ارتفاع الأصوات في جميع أنحاء العالم ومطالبتهم بوحدة الجنس البشري وضرورة نبذ وسائل العنف والقوة والإرهاب والمطالبة بحقوقهم وتصوير الأرض كقرية صغيرة والبشر سكانها، ليست سوى أدلة واضحة على دخول البشرية مرحلة تاريخية جديدة لم تعهدها من قبل. فإن نوقشت هذه الأفكار وطرحت على بساط البحث والتقصي، فمن المحتمل أن يكون لنتائجها دور إيجابي للمساهمة فيما يجري من تقدم بين بقية الأمم، لأن البشرية لابد أن تصل الى عهد السلام مهما طال الزمن؛ أما إذا رفضتها، فمن السهل أن تهمل وتنسى، كما أشار الى ذلك قوله تعالى (فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الأَرْضِ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الأَمْثَالَ)(3).
أما أن يدعى انها دخيلة وتمس صميم العقيدة المقدسة، ويجب التصدي لها، فان الديانات الإلهية المنزلة، تعرضت خلال مراحل تاريخها الطويل الى الكثير من الهجمات اللئيمة الشريرة، سواء أكانت فكرية أم دينية أم عسكرية، لكنها بقيت سليمة معافاة نقية، وفي النهاية خرجت من تلك الأزمات متماسكة أقوى من سابق عهدها، (فللبيت رب يحميه)، وما دام الجميع يعتقد بوجود إلـه خالق جبار، وعد البشر بإنزال العقاب الإلهي على كل من يتجرأ التقول عليه (وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الأَقَاوِيلِ . لأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ)(4)، فحسبنا هذا التهديد والوعيد الإلهي، وما علينا الا مناقشة كل جديد والتفكر به لاستشفاف الخير للمجتمع.
ان الايمان المطلق بقدرات الله سبحانه وتعالى على الإتيان بمعجزات خارقة لقوانين الطبيعة لنصرة أنبياءه ورسله، وكذلك الاعتقاد التام بحقيقة حدوث تلك المعجزات بشكل أو بآخر واعتبارها حوادث تاريخية مادية، لا يمنع من تجديد التفكير والبحث بين مضامينها وأحداثها لاستلهام أفكار ومبادئ جديدة وجوانب معنوية لتفسيراتها، فذلك أفضل من تناولها بطرق تخالف العقل والمنطق السليم أو الوقوف أمامها جامدين لا نلوي على شيء.
فلو افترضنا ان الله سبحانه وتعالى كان يتكلم في الأزمنة القديمة مع خلقه كما يتكلم الأب مع أطفاله الضعفاء، أو كما يتكلم المعلم مع تلاميذه الصغار بلسان سهل وكلمات بسيطة ليشرح لهم مفاهيم صعبة ذات مستوى عال حتى يتم المقصود ويحصل المطلوب؛ لو افترضنا ذلك، لأدركنا ضرورة المحاولة في اعادة فهم حقيقة مثل هذه القصص والاستفادة من عبرها والبحث عن معاني عقلية ودلالات علمية مبتكرة لها، فلابد ان لله مقاصد عديدة ومعاني شتى من وراء تثبيتها وتجديد سردها في كتبه المنزلة كتاباً بعد آخر، ولابد لها من حكم خفية ومقاصد سامية يمكن التوصل الى شيء منها بعد ترقي الإنسان لمراتب عالية في مجال العلم والمعرفة والثقافة وتفهم أمور الدين، كي ننافس بقية الأمم المتقدمة ونسترجع بعض أولئك المفكرين والعلماء الذين حادوا عن طريق الدين بعدما ظنوه مخالفا لميزان العقل؟
ورب قائل يقول: لماذا نبحث لهذه القصص عن تفاسير جديدة أو مفاهيم حديثة؟ ولماذا لا نأخذها مثلما فعل آباؤنا وأجدادنا، ولماذا نستنكر حصولها، فالله قادر أن يقل للشيء كن فيكون، والتاريخ مليء بقصص المعجزات التي صدرت من الرسل والأنبياء؛ أما الآن، فقد انتهى عهد المعجزات، وما علينا إلا تصديق ما وصلنا من أخبارها، ولن نكون أفضل علماً من أجدادنا، ولن يفيدنا ما سيتجدد من معانيها. إن أفضل جواب لهذا التساؤل هو قوله الكريم (قَالُوا بَلْ وَجَدْنَا آبَاءَنَا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ)(5).
ان الدعوة الى إعادة فتح باب التفسير والاجتهاد من جديد، ما زالت تواجه الكثير من المعترضين الذين لا تتوافق هذه الدعوة مع مصالحهم الفكرية والمادية، لأسباب عديدة لا نريد الخوض فيها. لكن المعقول في هذا النداء ان التفسير والتوضيح والبحث والتقصي هو من مستلزمات العقل، والعقل مربوط بخالقه، وطالما ان الله غير محدود، فلابد ان يكون العقل والتفكير غير محدودين أيضا؛ ومن هذا يدرك استمرارية تطور العقل، كما تدل عليه المخترعات العلمية الحالية؛ ولما كان الأمر على هذا النحو، فلماذا يريد البعض تحديد قدرات العقول والقوى الروحية بحدود قديمة عتيقة، بينما أطلقت بقية الأمم لنفسها الحق والعنان في هذا الميدان، مما نتج عنه كل هذا الفرق الشاسع بين أمم الشرق والغرب؟ ونعود لنتساءل: ألا يمكن الخروج بمفاهيم جديدة لهذه القصص الدينية تتفق مع العلم والدين معا؟
انها محاولة للفهم وليس للاجتهاد، فإن أصبنا فحسنتان، وإلا فواحدة، وإنما الأعمال بالنيات، يدفعنا الى ذلك قوله تعالى (قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ)(6)، ودعوة المصطفى عليه السلام (اطلب العلم ولو كان في الصين)، و (أنا مدينة العلم..)(7)، وما هذا التبجيل والتعظيم لمقام العلم والمعرفة الا لتأثيرهما الفعال في رقي الأمم. سيفي سيفي
الهوامش
1 - سنن ابن ماجه كتاب الفتن ج 2 رقم الحديث 3993، مسند احمد ج 3 ص 120 والترمذي في كتاب الايمان.
2 - سورة الأحزاب آية 25.
3 - سورة الرعد الآيات 13/17.
4 - سورة الحاقة الآيتان 44،45.
5 – سورة الشعراء آية 74.
6 - سورة الزمر آية 9.
7 - صحيح الترمذي ج 5 ص 25 مستدرك الحاكم ج 3 ص 26.
ولنبدأ بقصة سيدنا آدم عليه السلام................. في المقال القادم
#راندا_شوقى_الحمامصى (هاشتاغ)
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟