أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - المجتمع المدني - فاطمة ناعوت - قطط الشوارع














المزيد.....

قطط الشوارع


فاطمة ناعوت

الحوار المتمدن-العدد: 4749 - 2015 / 3 / 15 - 10:45
المحور: المجتمع المدني
    


عجيبٌ أمر هذا القلم! تأهبتُ لأكتب مقالا عن المرأة، بمناسبة يوم المرأة العالمي اليوم 8 مارس، فإذا بالقلم الآمر الناهي الذي لا يُؤمَر، قد اختار لمداده نحوًا آخر، فاختار "ثمارَ" الشجرة، بدلا من الشجرة، فكتب عن "الطفل" بدلا من أن يكتب عن المرأة.
تذكرتُ المسرحية الغنائية: "قطط الشوارع"، التي كتب نصِّها وأشعارها الشاعرُ المصري بهاء چاهين، نجل الشاعر العظيم "صلاح چاهين". والقصة مستوحاة من رواية "أوليڤ-;-ر تويست" التي كتبها الإنجليزي تشارلز ديكنز عام 1838، وتحكي عن الطفل اليتيم ضئيل الجسم اوليڤ-;-ر الذي تتقلّب به تصاريفُ الزمان ليخرج من ملجأ الأيتام إلى وكر المجرمين الصغار فيتعلّم سرقة الكتب، حتى ينتهي به الحال في بيت الثري سير براون، الذي يتبين أنه جدُّ الطفل.
أما "قطط الشارع" المصرية فتحكي عن مجموعة من أطفال مصر المحرومين من دفء المحبة، ما بين لقيط، ومشرّد، ويتيم، أو هارب من قسوة الأهل، يشبهون القطط الضالة التي تبحثُ في ثنايا صناديق القمامة عن نفايات الناس، لتعتاش عليها. وفي البعيد، ثمة عينٌ كعين الحدأة ترقبهم، لتحدّد متى وأين وكيف، تنقضُّ عليهم بمخلبها النشط لتلتقطهم، ثم تودعهم مكانًا يطلقون عليه: "الورشة الأكاديمية الصباحية المسائية المشتركة". هي ورشة قطط الشوارع، حيث يتعلمون مبادئ النشل والشحاذة والنصب والاحتيال، وكل ما تجود به القريحة المريضة من ألوان السلوك المسيء للجنس البشري، المحطِّم فكرة الحياة كما رسمتها لنا السماءُ، حين قررت أن تُعمِّر الأرض ببني آدم.
تلك العينُ المدرّبة هي عينُ حافظ الملقّب بـ "حِتّة"، وهو رئيس الورشة والأبُ الروحيّ لتلك القطط التعسة، (يقوم بدور ڤ-;-اجن في رواية ديكنز). كل صباح، بعدما يُنهي تدريبه اليوميَّ للأطفال على أساليب السرقة المستحدثة، يتعهد أمام الله وأمام الوطن بميثاق المهنة: "ربنا يقدرني وأطلّعهم أعظم ’هبّيشة‘ في مصر!" على إنه، للمفارقة الوجودية، ورغم قسوته الظاهرة، يحمل قلبًا يخاتله أحيانًا فيقطر حُنوًّا على أولئك الصغار، بل وعلى ضحاياه المُستلبين. فها هي حافظة نقود اقتنصها، تحمل روشتة مريض فقير، بدا أنه لم يجد ثمن الدواء، فيفكر "حافظ"/ اللص في إرسال بعض المال للمريض المسروق، لكنه يُقابل باستهجان وسخرية شريكيه في الورشة، "حدّاية" (الذي يقوم بدور بيل سايكس في ديكنز)، و"سمسمة" (التي تمثّل شخصية "نانسي" في ديكنز).
حافظ وسمسمة، كلاهما كان أيضًا في طفولته "قطةً" لُفِظَت إلى الشارع. الولد شُكِّك في نسبه لأبيه الذي ذريته رهطٌ من البنات، فاختار الهروب من قسوة الألسن، إلى قسوة الشارع، والبنتُ جفلت من تحرّش زوج الأم، فآثرت الشارعَ علّه أكثرُ رحمة بجسدها النحيل. كلاهما تحوّل من قطةٍ فزِعة تفتش عن الحب إلى حدأة شرسة تتصيد الصغار لتستولد منهم لصوصًا جددًا وحدءاتٍ مستنسخات، والدائرةُ لا تنتهي. تلك هي الرسالة التي حملتها المسرحيةُ الاستعراضية بقصائدها الموجعة. برودة المشاعر لدى الأسرة، تخلق مجرم الغد. وهنا نذكر ما قالته الأم تريزا، الهندية العظيمة والأم الروحية لكل أطفال العالم المشردين والمرضى والمأزومين: لكل مرض دواء، لكن ثمة مرضًا مُخيفًا لا دواء له، اسمه: "نقص الحب."
"أتاري الأحلام مبتكلفش حاجة"، هكذا راح حافظ وسمسمة يحلمان بغد أجمل وأكثر نظافة، خلوٍ من مطاردة الشرطة، ومطاردة الضمير كذلك. وهو ما سيفعلانه في نهاية العرض.
الطفل "موس"، (چاك دوكنز عند ديكنز)، ملامحُ وجهه تجمع بين نقيضين: براءة الطفولة وفهلوة المجرم الصغير، فخلق هذا التناقض لونًا من المفارقة الوجودية الآسرة. أما بطل المسرحية، الطفل كريم، الذي يؤدي دور أوليڤ-;-ر تويست الإنجليزي في رواية تشارلز ديكنز الأصلية، فكان نحولُه المفرط وضآلةُ جسده، ووقوفه على خط البراءة التي بعدُ لم تُلوَّث بالجريمة، ودهشته مما يجري حوله في الورشة الشريرة والحانية في آن، وانتقالاته بين عوالم متناقضة: الملجأ بغرفه المظلمة، الشارع بقسوته، الورشة بنظامها المبني على الفوضى وكسر قانون المجتمع، مخفر الشرطة بفظاظته ولا آدميته، السراي الفخمة وخدمها الذين يتسابقون على تدليله، حضن الجد المحروم من الحب، كلُّ تلك الأضداد أربكت روحَ الطفل الهشّة فأنتجت نظرات وجلى مشدوهة، تنظر إلى العالم باغتراب. أما عزيز الأرناءوط الجد المكلوم على ابنته الراحلة، وهو عند ديكنز، سير براون الثري الذي قاتل من أجل استعادة حفيده. وتدور الدوائرُ فنعرف كيف يتحول أطفالُ الشوارع إلى مجرمين عُتاة في ظل غياب الدولة عن رعايتهم بعدما فقدوا الأهل والسكن. وهو ناقوس خطر مدوّ يزرع الجريمة في جنبات أي دولة لا تلتفت إلى الثمار التي لا تُراعى فتنمو شوهاء عطنة تهدد سلامة المجتمع.
طفلُ اليوم، المحروم من السُّكنى والدفء والحب، هو مجرمُ الغد الذي سوف يقوّض أمن ذلك المجتمع الذي حرمه في طفولته من كل ما سبق. أطفال الشوارع قنابلُ موقوتة تنتظر الزمن وحسب، لتنفجر في وجه كل شيء. علّ الحكومة المصرية الراهنة تتحرك لحماية أولئك الملائكة قبل أن يتحولوا إلى شياطين، أو دواعش.



#فاطمة_ناعوت (هاشتاغ)      



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- مصرُ على بوابة الأمل
- لو كان بمصر هندوس!
- زوجة رجل مهم
- قُل: داعش، ولا تقل: ISIS
- ماذا قال السلفُ القديم
- العالمُ يفقدُ ذاكرتَه
- العالم في مواجهة داعش
- دواعشُ بلا سكين
- الذهبُ على قارعة الطريق
- آن للشيطان أن يستريح
- المرأةُ الأخطر
- حبيبي الذي جاء من سفر
- الأقباط الغزاة
- ما أدخل داعش حدّ الحرابة؟!
- عزيزي المتطرف، أنت مالك؟!
- بجماليون بين البغدادي ومورتون
- قلمي أمام سوطك
- ثوبُ عُرسٍ لا يكتمل
- إن كنتَ إنسانًا، اندهشْ
- لحيةُ الشيخ


المزيد.....




- فلسطين تطالب المجر باعتقال نتنياهو وتسليمه للعدالة الدولية
- المجر تعلن انسحابها من المحكمة الجنائية الدولية ونتنياهو يصف ...
- نادي الأسير الفلسطيني: أوضاع المعتقلين في سجون الاحتلال عادت ...
- رئيس المؤسسة الوطنية لحقوق الإنسان في ليبيا: إغلاق مقرات منظ ...
- المحكمة الجنائية الدولية: هنغاريا لا تزال ملزمة بالتعاون معن ...
- الكونغو تخفف أحكام الإعدام عن أميركيين متهمين بمحاولة انقلاب ...
- ألمانيا.. تصريحات متناقضة بشأن إمكانية -اعتقال نتنياهو-
- الخارجية الفلسطينية: تصريحات المسئولين الإسرائيليين العنصرية ...
- الجيش الإسرائيلي يوقع 15 قتيلا في غزة ويجري تحقيقا خاصا في م ...
- نادي الأسير: أوضاع المعتقلين في سجون الاحتلال عادت إلى نقطة ...


المزيد.....

- أسئلة خيارات متعددة في الاستراتيجية / محمد عبد الكريم يوسف
- أية رسالة للتنشيط السوسيوثقافي في تكوين شخصية المرء -الأطفال ... / موافق محمد
- بيداغوجيا البُرْهانِ فِي فَضاءِ الثَوْرَةِ الرَقْمِيَّةِ / علي أسعد وطفة
- مأزق الحريات الأكاديمية في الجامعات العربية: مقاربة نقدية / علي أسعد وطفة
- العدوانية الإنسانية في سيكولوجيا فرويد / علي أسعد وطفة
- الاتصالات الخاصة بالراديو البحري باللغتين العربية والانكليزي ... / محمد عبد الكريم يوسف
- التونسيات واستفتاء 25 جويلية :2022 إلى المقاطعة لا مصلحة للن ... / حمه الهمامي
- تحليل الاستغلال بين العمل الشاق والتطفل الضار / زهير الخويلدي
- منظمات المجتمع المدني في سوريا بعد العام 2011 .. سياسة اللاس ... / رامي نصرالله
- من أجل السلام الدائم، عمونيال كانط / زهير الخويلدي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - المجتمع المدني - فاطمة ناعوت - قطط الشوارع