وليد يوسف عطو
الحوار المتمدن-العدد: 4746 - 2015 / 3 / 12 - 15:55
المحور:
حقوق الانسان
ترتبط الديمقراطية بالمواطنة لتشكيل الامة . ان الديمقراطية تستلزم دمج حضاري للمواطنين متجاوزين القبيلة والطائفة والدين والعرق والمناطقية , وهذا يؤدي الى المساواة بين المواطنين .
يمكن للديمقراطية ان تعمل على التضامن المجتمعي وتوثيق العلاقات بين مختلف فئات المواطنين . اما في فترة الصراعات والحروب والاحتلالات فتنتج الصراعات توترات نابذة وطاردة للاخر المختلف عرقيا او دينيا او مذهبيا او مناطقيا .
ان وجود العنف بنيويا في المجتمع العراقي وزيادة اطواق التحريمات والممنوعات على المواطن يحيله الى انسان متوتر نفسيا وعصبيا , وهذا يعمل على انتاج توترات مستدامة في المجتمع تضعف من مناعة المواطن الصحية والنفسية والفكرية والسياسية والاجتماعية وتعمل على تقليل التضامن المجتمعي وصولا الى تفكك نسيج المجتمع .وتعمل على اضعاف خيال الانسان والذي سينعكس بدوره على ضعف ادائه في العمل والانتاج , وعلى المبادرة والابداع .
لاوجود لانسان مبدع وهو منتهك نفسيا ..
ان الديمقراطية تستلزم الاستماع الى الاخر المختلف . انها ثقافة مجتمعية متنوعة تستلزم البحث عن القيم الكونية والتي تعمل على دمج الجميع بشبكة من علاقات التضامن المجتمعي – الثقافي , النابذة للخلافات وللصراعات , وتكون الهويات الفرعية جزء من الهوية الكونية ولا تتعارض معها .
تبرز في الديمقراطية اهمية الثقافة والتعليم في تعزيز قيم الديمقراطية بمستوى لايقل عن اهمية الاقتصاد . ان تحقيق الديمقراطية يستلزم التحاور والتواصل بين المواطنين , اي التحاور بين الذوات المختلفة وتجاوز الانغلاق والتعصب .
ان الديمقراطية لاتعني صندوق الاقتراع فقط . فالانتخابات لامعنى لها في ظل وجود نسبة عالية من الامية في المجتمع , بالاضافةالى غياب الوعي والاستقلال الفكري .
ان الديمقراطية تضمن المساواة لحقوق جميع المواطنين وتعطي لهم فرصا متساوية متاحة للعمل ولضمان حريتهم الدستورية والفكرية . ولا علاقة للديمقراطية بمفهوم الاغلبية الانتخابية ,القومية , الاثنية, الدينية والطائفية .فبغض النظر عن نتائج الانتخابات ,يجب ضمان حقوق جميع المواطنين بمن فيهم مايسمى ب ( الاقليات ) .
تستثير الديمقراطية في المواطن روح المبادرة والابتكار والعمل على تفتح المجتمع على جميع الممكنات .اما في حالة انغلاق المجتمع وخضوعه لسلطة استبدادية , ستحمل انذاك فئات من المجتمع ومنهم (الاقليات ) فكرة ( المظلومية ).
تبرز في الديمقراطية اهمية المجتمع المدني بالاضافة الى العمل السياسي . ان الديمقراطية تحترم حرية المواطن الفرد . فالانسان هو ذات حرة بالاساس . لذا يستلزم النظام الديمقراطي احترام فردانية الانسان وكرامته .
ان المجتمعات التي خرجت من حروب ومن صراعات عليها ان تتبنى سياسة المصالحة وعدم تشريع قوانين تعمل على عزل وتهميش فئات من المواطنين .
في مجتمع يحاول السير نحو العقلانية والحداثة ونبذ العنف , يستلزم اقامة حوار وتواصل بين افراده وقواه السياسية , واستبدال علاقات القوة بعلاقات الحوار والجدل في صراع المصالح .
ان استقرار المجتمع يستلزم التنمية البشرية والاقتصادية . فالاقتصاد والتبادل السلعي وشبكة المواصلات ستعمل على توحيد طبقات وفئات الشعب في امة واحدة توحدها المصالح الاقتصادية والتفاهمات المشتركة والارث الحضاري والتاريخي .لذا تبدو اهمية الحوار والعقلانية التواصلية للوصول الى التفاهمات بين الافراد وبين التيارات السياسية والمجتمعية , حتى يتم استبدال لغة العنف بلغة الحوار.
ان المساواة تعني المساواة في الفرص المتاحة لكل مواطن للوصول الى عمل مناسب او للتعبير عن ارادته السياسية والفكرية والثقافية .تقوم المجتمعات على بنية تفاضلية تنافسية . لكن في المجتمعات الديمقراطية يمكن تقليل الفوارق والتفاوت الى الحد الادنى خصوصا عند توفر منظمات مجتمع مدني فعالة تستطيع الضغط على حكوماتها وعلى مراكز القوى الاقتصادية .
ان الديمقراطية تعني مساواة المواطنين امام القوانين والعدالة في توفر الفرص المتاحة امام الجميع .
يبقى امل البشرية في التواصل عن طريق اللغة لانتاج عقلانية انسانية لاتحاول فرض سيطرتها بقوة المال والسلاح . ويبقى الامل ايضا في التواصل عن طريق وسائل الاتصالات الحديثة , كالحواسيب والهواتف الذكية وشبكات التواصل الاجتماعي .
ولكن التقنية الالكترونية , في زمن العولمة ,بقدر ماقربت المسافات وسهلت الاتصالات , فانها عملت على زيادة اغتراب الانسان وزيادة فردانيته وانعزاليته وعدم تماسك النسيج الاجتماعي . ففي اسرة تضم خمسة افراد مثلا ,سنجد كل فرد منهم يملك حاسوبه الشخصي وهاتفه الذكي وصفحته الالكترونية الخاصة به . ويجلس كل واحد منهم بعيدا عن الاخرين دون التواصل في الحوار ليصبح الحاسوب الشخصي هو الصديق الشخصي الذكي والاكثر حميمية من افراد اسرته. وبذلك يزداد تفكك العائلة , ويزداد اغتراب الانسان .
فالاتصالات الحديثة بقدر ماقربت المسافات فانها باعدت بين افرادالعائلة المواحدة .
لكل منجز علمي فوائده وسلبياته , ولابد للانسان من ان يدفع ثمن تطوره العلمي والتقني .
الحداثة ترتبط بالتحرر
كل فكر تحرري هو بالضرورة فكر يتسم بالحداثة وبالجدة ,لان الحداثة تعني الكتشاف افكار غير مسبوقة وغير منمطة وغير مقولبة , وتطبيقات جديدة .وكما قال المفكر علي حرب فان التلميذ النجيب للمفكر لايمكن ان ينتج فكرا جديدا . لذا تتسم الحداثة بالتحرر كصفة ملازمة لها , سواء على صعيد الفكر او على صعيدالواقع كطراز هندسة المدن مثلا والامر ينطبق ايضا على ارتباط الحداثة بالتحرر في الفكر السياسي .
ان تكون رائدا لحركة تحرر تعني ان تكون رائدا للحداثة ولفكرها وتاتي بتحليل جديد للمجتمع يكشف المسكوت عنه في خطابات المثقفين واليات الحجب والتمويه والاقصاء والنبذ , ويفتح باب الحرية للفكر وللابداع.
الديمقراطية مشروع لم ينجز بعد
يؤكد( ابو النور حمدي ابو النور حسن ) في كتابه :
( يورجين هابرماس : الاخلاق والتواصل )على اهمية نظرية الفيلسوف الالماني هابرماس في التواصل والتي تعبر ( عن تطلع الانسان المعاصر الى اخلاق انسانية اجتماعية تحقق فردية الانسان وحقوقه وتؤسس للحياة السياسية الديمقراطية ,فهي تتقاطع مع اتجاهات الفلاسفة المعاصرين التي ترتبط فيها الاخلاق بالسياسة وبالحياة اليومية ..كما يظهر لنا قوة هذه النظرية في الاخلاق التواصلية في الاهتمام الكبير الذي اولاه الفلاسفة من معاصري هابرماس وتلاميذه في مناقشة هذه النظرية ودعمها عن طريق الحجج المنطقية , مما يبين حضورها لدى فلاسفة فرانكفورت من الاجيال التالية .
ان لهذه النظرية اهميتها في التاسيس الى حياة انسانية اجتماعية تحقق حرية الانسان ومساواته بالاخرين , ومن هنا اهميتها للمجتمعات التي تسعى الى تحديد شكل مدني للعلاقات بين الافراد , خاصة مجتمعاتنا العربية .
يؤكد هابرماس ان السلطة السياسية قامت بكسب الفرد والعائلة الى جانبها عبر مساعدات متنوعة كالضمان الاجتماعي مثلا كانت عاملا قويا لتكريس مشروعية السلطة . لقد نجحت الدعاية في العصر الحديث في خلق وسيلة للتواصل , واصبحت السلطة البرجوازية تستغله لصالحها .. فالبرلمان مثلا قد اصبح شكلا من اشكال الدعاية ,بحسب هابرماس , والهدف منها اظهار الارادة السياسية الحرة للاحزاب . وهذا البرلمان في الواقع ليس سوى دعاية محضة تريد الايحاء للجمهور بانها تمثل المجتمع بكامل ارادته .
فالدعاية في الدول الحديثة هو مبدا للسيطرة , وبذلك يكون النموذج الليبرالي للمحيط العام ( المجال العام) يستند على قمع راي المواطن العادي وتحديده ضمن الاطر الرسمية .. وبذلك اصبحت الدعاية تتضمن قدرة على تجميع السلوكيات التي تمثل جواب بالموافقة على استلابية المؤسسة القائمة..
ان هابرماس بحسه الليبرالي العميق يرى ان الديمقراطية الحقيقية لم تتبلور بعد , وانها مازالت مشروعا يتعين العمل على تحقيقه .
#وليد_يوسف_عطو (هاشتاغ)
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟