نعيم عبد مهلهل
الحوار المتمدن-العدد: 1320 - 2005 / 9 / 17 - 09:00
المحور:
اليسار ,الديمقراطية, العلمانية والتمدن في العراق
إلى عبد اللطيف بندر أوغلو والى عادل عبد الله وتوفيق التميمي ..
تسعى ذاكرة المواطن الصالح في كل دهرها الموقوت بولادة أو أجل أن تلوذ بجبة الوطن وقت الإحساس بضيق أو مصيبة أو سأم . فالصينيون يقولون : الأوطان ذاكرة الميت والحي والوردة المشرفة على الذبول . والوطن ليس مقياس رسم لخارطة أركنت قدرها للجغرافيا ، بل هو حلم لكل مافيه ، الفقير الجائع ، والشاعر الثمل وبائع التمر وسمكة النهر والقمر الساطع وموسيقى العاشق وراتب الموظف وحتى مكانا للص عابث يريد أن يثبت بنزعة الشر انه قادر على أن يقلق ليل الوطن ونومته . أنه آنية لاحتواء ما خلق الله على الأرض منذ دمعة آدم وحتى نصل السكين على رقبة برئ توجه برؤى محبة أهل البيت وعبر جسر الأئمة ماشياً وليس بيديه فتيلة لقاذفة مورتر بل راية سوداء دون عليها بالطباشير وبعربية دارجة ( قلبي معك باب الحوائج ) ..
كانت الأوطان ولازالت ذاكرة الحياة البشرية ولوحها الأزلي ومثلت في وجودها أمكنة للحلم قبل أن تكون للسكن وأي كان ساستها وسلاطينها فأن مرجعيتها الأبدية هي الإنسانية بفطرتها وبوعيها الحقيقي المنتمي أولا للتراب ولضوء النجمة ولجنح الحمامة وغير ذلك فالأوطان ليست سجونا حتى تصير صانعة للحزن والكآبة وتباين الرأي الذي يفسد في الود قضية لأن الأخر القادم من وراء الأفق ( التوري بوري )يريد أن يتعامل مع الوطن وأشياءه التي تكونت منه وتكون هو منها منذ كهوف النايتردال كما تتعامل السكين مع البطيخة فلابد في نهاية الأمر من (أشياف ) قصت بتعبثر وتساو يلقمها فم متعب وجائع ولا يفهم ما لذي يريده بالضبط وقد نحر البطيخة حتى من دون بسمه له .
أنا أقرأ وطني كما يقراه رينيه شار : ( بسمة ودمعة يقودان خطواتهما إلى متجر لبيع الأغاني الهادئة ) .. أو كما يراه الجواهري الكبير لائذا كما الحمائم بين الماء والطين ، ومن هذه القراءة أشيع رؤى التخيل لأزمنته ومدنه وهي حتماً رؤى تبتكر أخيلة التصور من إنني في النهاية سأحصل على أشبار الرقدة الأخيرة تاركا أقداره موزعة بين من ظل حيا وبين الآتي من الأجيال وهم سيفعلون بأصلهم ويكملون رغبة الحلم الاستماع إلى الأغنية الهادئة التي تدعو إلى ألفة الصحو والشعر وتعايش الأديان والمذاهب والقوميات مدركين مثلما أنا إن نمطية البدء فوق هذا التراب لم تكن مجنسة لسامية ما أو حكرا على سلالة آرية ، فلقد كان الرافدان مكانا لإيواء الباحث عن نسيان الجوع ، والمحتاج لعطف وتميمة آلهة والذي يعشق المكتبات والطبيعة الجميلة ، والطامع بلذة بلح نخيله وصفاء عيون نساءه السومريات وحتى الذين لم يسمعوا في حياتهم بنغم الموسيقى جاءوا للعراق سكنوه أم غزوه لأجل سماع دندنة قيثارة شبعاد وليتعلموا كيف تهتز مهجهم بعد ذلك . وبعضهم جاء لمجرد أن يعرف كيف كتبت الذاكرة العراقية بند دستور تعامل الناس مع بعضها وكيف تخيل الشاعر العراقي خليقة الكون وأسطرها في رحلة جلجامش . وبعضهم سمع بأن الرسالات الأولى ولدت هنا فجاء رغبة بلبس معاطفها . وهكذا تناسلت على أديم الذاكرة المشعة أطيافا شتى وفي النهاية استسلموا لحلم الأرض وروحها وصاروا جزءً من بدلة اليوم العراقي بكامل فصالها وكأنهم يعيدون صدى كلمات الأسكندر من شرفة قصره البابلي :( هذه بلاد لاتبارحها نشوة الروح ولا يفارق الصدر عطرها القادم من حدائق الآلهة الكثر،إنها اقرب للفردوس من أن تكون ساحة حرب )
وعلى هذا الحس أؤدلج وضع البلاد واسمي كل اثنياتها بجمع واحد ( عراق مبتل بالدم وعرق الجبين ) وهذه صورة تخضع لقراءات لا تنتهي بمجرد أن نقول إن على أديمنا ينبت العشب بألوان شتى ، بل علينا أن نقول ينبت الألوان بلون واحد وذلك يحتاج إلى رؤية شاقة وعمل لا يكتمل انجازة بين ليلة وضحاها ولكننا علينا أن نسكن أولاً لفكرة خالدة تقول ( الوطن خاطرة إنسانية وليس ثمرة بطيخ ) ومع الإنسانية ترقد رؤى تراث أولئك الذين أتوا للعراق حتى من المريخ فمع الزمن والقراءة الصادقة واحترام المكان وقدسيته تتوحد الرغبة بالذهاب إلى الشمس ليس عبر بوابة الموت وفوهات البنادق بل عبر بوابة الحدائق والتذكر : أن العراق ماسمى يوما بمذهب أحادي أو جنس منفرد بل أن وتر القيثارة كان يعزف للداخلين عبر بوابة أو ليس من سلالات سومر وحدها بل ثمة قادمين من أعالي الفرات وارانجا التي هي كركوك اليوم ومن جبال كوردستان وبعضهم جاء حتى من ارمينا ليجد في هذه الأرض ملاذا لإنسانيته ولا ندري أن كان هذا فأل حسن لقدره أم لقدر هذه الأرض واعتقد أن جمع الحالتين بحالة واحدة هو الأفضل .
على مقاسات كهذه أضع وطني على خارطة أسيا وأميزه بدعابة الولاء والتشدق والحنو على كل بقاع الكون وهو الوحيد الذي لا يصح عليه المغادرة لأنك تستطيع أن تنفى حتى وأنت على أرضه وتتغرب وحتى أنت في سهاد اهواره وقصبه وتموت ولا حاجة لك بنعش يوصل ترتيل الوداع إلى مسامعك الغافية فربيئة واحدة من ربايا جباله الخضر تكفي لتكون نعشا لألف من أفواجه التي سرقتها الحروب ونايات حجابات الثلج .
وطن تتعشق فيه روح لارا وتدون بخاطرتها الصوفية طغرائيات جنون التعلق والتصادق والتعاشق والموت بهيام الرصاصة . ناياته كردية وأعواده عربية ومزامير شهقته تركمانية والأرمن على ثراه يعزفون بمزامير وجد وجوده منذ هجرة بحيرة وان الأولى .
شعيته توددت فيهم رؤى أئمامة التكوين بحس فقيه مدرك لرؤى الله بصلاة وتشريع ومؤانسة المذهب فيكبر فيه خيال التشفع ويسأل إن كان موت العلوي محج لعلاه فيأتي صدى صوت الحسين : وأكثر من ذلك .
سنته يتفردون بوعي مذاهب الفكر والنبوة وحسن الوصل وشفاعة التلمذة لأبي حنيفة النعمان في حضرة الأمام جعفر الصادق فيقوم على قائمة الآذان المبكر مع آذان الحسينيات لتتحد الفكرة بأخرى لتصنع أسلاما دون ضغينة يوحده النبي وينام على ثرى العراق مطمئنا .
المسيحيون بشتى طوائفهم المدركون بخليقة يسوع ع الصاعد بروحه عند سدرة المنتهى أنهم كانوا هنا منذ أديرة الحيرة والنجف والبصرة والموصل ، هم وريثوا صوت يسوع القائل وعلى الأرض السلام ، فيعيدوا صداها اليوم وعلى العراق السلام
المندائيون فيه منذ أزل خليقة آدم . كانوا من نسل نوح ع ومع إبراهيم ساروا منطلقين من أور إلى توحيد فكرة إن الله نور وسرور وتقوى لهذا قالوا : إن يحيى ع عمد روح القدس برؤانا فصرنا من الذين لا خوف عليهم ولاهم يحزنون وعشنا أبداً عراقيون ولا مزيادة في ذلك .
الأيزيدون وريثوا فكرة ما يعتقدونه شئنا ومعتقدا يوصل أرواحهم للسماء بسلام لهم في العراق موطئ جبل وسكينة ومرقد لمرشد يتجمعون عنده حبا ببلاد عاشوا على فيء أشجارها الوارفة .
أعراق تتجانس بمودة روح الوطن بين متدين وعلماني بتشكل وعي الوطن وترتقي فيه فكرة القلب الواسع للمسامحة والمصالحة والبدء الجديد في خطوة الكل على الطريق والطريق للكل .
إنها رؤى ترتدي الأمنيات قميصا ليس خشية من ذئب يوسف بل تحوطا من خنجر موغل في خراب الفكر ، مقاد بعنصرية وأحادية التفكير والتكفير يبغي سرقة سرنا وأملنا ولحن أغنيتنا التي نريد أن ندونها على ألسنة أطفالنا .
يريدون للوطن أن يكون بطيخة لشهية مائدة الموت على طريقة لم يفهم لها تاريخ العراق فقها في زمن من أزمنته . كان بلد يحارب ولكنه لم يحارب بسكاكين الطرق وأحزمة الداناميت ، لم يتقصد في وعيه الوجودي أن يصبح طبقا شهيا لمائدة المؤامرة وتصفى على حدائقه الحسابات وتقام المناحات وتبلى العوائل بنصب مراثي العزاء ، كانت مشتاقا ليغادر مقابره الجماعية ومواعيد الأبادة وشجن الحجابات ليبدأ عهدا تكون فيها جهات الوطن حاضنة لفكرة ( أني عراقي وكفا ) لا اعرف إن كان بيتي في اربيل أو البصرة الوطن كله بيتي وليس لي طابوا احتمي به ضد جهة أخرى .
كانت الأغنية التركمانية تقول : أيها الصباح ، اجعل النسمة نايا في ذاكرة عثمان الذي سكن داقوق وأحبها . وحتما سنجد معنىً مماثلا في أغنية عربية أو كردية أو أثورية لأن التفكير بصناعة وطن لا يأتي إلا عندما نفكر بصناعة الروح الطيبة .
أيها الناس هذا وطن وليس بطيخة . هو أقرب لرغيف الخبز وحبة التمر من السكين والرصاصة . لهذا حين نجعل أجفاننا له أرجوحة فأننا نقيه من أن يكون له اليباب أرجوحة .
ليس بطيخة . ليس خرطوشة مدفع ، ليس بدلة مرقطة لمحتل . أنه وعينا الأبدي منذ ظل شجرة آدم ع . ولهذا فأن أبعاد فكرة ( التشييف ) هو أبعاد لفكرة ضياع وطن . وهذا ما أحلم به وأنتم وكل أهل العراق..
أور السومرية 2005
#نعيم_عبد_مهلهل (هاشتاغ)
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟