جميل حسين عبدالله
الحوار المتمدن-العدد: 4719 - 2015 / 2 / 13 - 18:01
المحور:
العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
سألتني ابنتي سؤالا محرجا، وعميقا، لم أجد له مذاقا في كنه إدراكي لحقيقة نشأتها، وتربيتها، لكنني احترمت صغر سنها البريء، فأجبتها بما ترسخ لديها من معلومات اكتنزتها في فصلها الدراسي، وإن كان لي فيض كلام أردت أن تعرفه بدقة الاختبار، لا بلغة الحارس الحريص، عساها أن تبني أساس نظامها المعرفي على الملاحظة الذهنية، والمعالجة المنطقية، وتؤسس للمفاهيم بعقلها الواعي، لا بعاطفتها المسكونة بالخوف من كسر القيود التاريخية. وذلك أمر مرجو في طرق تدريسنا، وفي نظم تربيتنا، لئلا يكون أبناءنا ممتلئين بالأحكام المحصلة سلفا بلا فحص دقيق، وفارغين من المعنى الحقيقي للأشياء المحكوم عليها سلبا، أو إيجابا.
سألتني: هل ملك الموت، هو الذي يقبض الأرواح.؟ فقلت لها: أجل.
فقالت: هل يمكن له أن يرجعها إلى الجسد.؟ فقلت لها: لن ترجع إلا بعد البعث، والنشور.؟
ثم قالت: وإلى أين تذهب الروح إذا فارقت الجسد.؟ قلت: إلى عالم يسمى البرزخ.
حاولت أن أغلق باب الحوار، حتى لا تستفيض أسئلتها إلى أمور لا يطيق عقلها أن يدركها، ولا أن يفهمها، وقد احتار فيها الفلاسفة، والحكماء، وخاضوا فيها خوضا أرجعهم إلى نقطة البداية بخفي حنين، ثم قالوا: العجز عن الإدراك إدراك.
فالخوف من عدم إدراكها لتلك المدارات المتشعبة، -ولو حاولت الإصغاء إلى كلامي، والإحصاء للمعاني، لكي تخلق لها صورا ذهنية محدودة، أو مرسومة،- جعلني أتساءل في عمق باطني، لم سألتني عن الموت، ولم تسألني عن الحياة.؟ لو سألتني عن الحياة، لفرحت لنظرتها إلى جمالية الوجود المبتسم بين عينيها، لكنها فاجأتني بالسؤال عن الموت، وهي تحتاج إلى أن تشعر بقيمة الوجود في طبيعة هذا الكون الفسيح، لعلها تكون قادرة على مواجهة ما تأتي به الدروب من نوازل غامضة، لا يطيق فهمها إلا من اتسعت نظرته إلى الأشياء الممتزجة بذاته، وهي جزء منه، وهو جزء منها.
تعجبت غاية العجب، لم اضطررت إلى أن أجيبها بما حشي به عقلها من معلومات لم تستوعبها في فصلها الدراسي.؟ لو أجبتها بما قيل عن الروح من نظريات وآراء دينية، وفلسفية، وعلمية، لأولجتها باب عالم لا نهاية له. ولو تركتها لما قيل لها، فإنها ستبني نظرتها بحدود لا تستوعب كل التفاصيل التي اختلف فيها العلماء قديما، وحديثا، وإذ ذاك سيتعود عقلها على مجاراة الأحكام بلا مراجعة نقدية، وسيتربى فيها عشق الهمود أمام رجات العلوم، وهزات الفكر، وضجات الثقافة. وإذا ما تكونت لديها تلك المواقف الذهنية، فإنها ستوقن بأن هذا الرأي المنقوش في براءة فطرتها، هو الرأي الأصوب، وما سواه، لا قيمة له، ولو كان معضدا بالعلم، أو بالحس، أو بالتجربة. بل الأغرب أن ترتيب هذه الأحكام بلا إدراك لماهيتها، سيجعلها تتلقف كل ما قيل لها عن مجهول الحقائق بلا نظر حديد الرؤية إلى أصولها، لا إلى فروعها. وإذ ذاك ستكون سالبة في تكوين آرائها، وجاثمة في تحديد أذواقها، لا تردد إلا ما غرسه نسق فكري مؤسس على التقليد، والخضوع، والرضا. فكيف يمكن لها بعد ذلك أن تتخلص من سلبيتها مع ما يُوجه أسئلتها الوجودية، لو واتتها الفرصة للمناقشة، والمحاورة، وكان بمقدورها أن تقبل بنقد الآخر لمسلماتها، وبدهياتها.؟ وهب أنها استحضرت كل الآراء كما استحضرها، فهل سيكون ذلك مظنة لتفوقها، وتميزها.؟ أسئلة تترى إلى ذهني، وأنا أهرول في شارع عمومي، ورغبتي في تلك اللحظة أن يطول وجه القصد معها، حتى أفكر في هذا الموضوع تفكيرا عميقا.
حاولت أن أقارن في ذهني بين هذه الأسئلة، وأسئلة أخرى، لو وجهتها إلي، لكنت بائسا، تعيسا. فلو عكست السؤال إلى طلب، وترجتني أن أحل عقدة معادلة رياضية، أو أن أشرح نظرية فيزيائية، أو أن أحلل مادة كيميائية، فكيف سيكون جوابي.؟ سأكون كالأعمى الذي لا يبصر طريقا بين صحراء غائرة. بل سأعتب على نفسي ضياع رصيد كبير من العمر، وأنا ألملم الآراء، وأرتبها، وأزخرفها، وأجهر بها، وربما قد يصيبنا غرور في التعبير عنها بلغة فصيحة، ومعان بليغة، لعلنا نظهر قوة الذاكرة، وشدة الحافظة. لو سألتني، لارتجت الأرض من تحت قدمي، ولكنت صاغرا، ذليلا، لكنها ومن حسن حظي، لم تسألني إلا في أمور أستوعب جزءا كبيرا مما قيل فيها، وعنها، فلو سألتني عنما ينمي حسها النقدي، لفرحت لمصير عقلها، ومسير علمها، ولقلت صادقا:
إن اهتمامها بالعلوم والمعارف البحثية، لن يكون إلا مقدمة لتأسيس عقل رياضي ومنطقي في أعماقها، وذلك ما سيجعلها قادرة على التحليل، والنقاش، والترجيح. فلم لا يحشو أبوها عقلها بالعلم المؤَصل لذاتها التي تحتاج إليها في خوض غمار الحياة بإدراكات تعتمد على الحس، والتجربة، والذوق، فضلا عن أن يغرقها في أمور ستعرفها بحتمية وجودها في مجتمعات تتآلف على نسق معرفي، وفكري، وثقافي.؟ ذلك ما لا أطيقه، وهنا حصل الندم، والعتاب، وربما كرهٌ لفراغٍ علمي نعانيه مع العلوم الكونية، والطبيعية، والإنسانية.
قد أكون مسرفا في العتاب على نفسي، لكنني ولو صارحتها بحقيقة المرارة التي أشعر بها، فإنني أعلل ما أنا عليه من جهل بما قُدر لي أن أكونه، ولو لم أختر سبيله بإرادتي. وإن لم أقبل بهذا التعليل، والتسويغ، فحسبي أن أعيش معلولا بوخز لا يبرئ حرارة وجعه إلا قراءة جديدة لما فقدناه في زمن التحصيل من مدارك شاسعة. فلم لا أسعى إلى تحرير ابنتي من فكي واقع يمشي بشرعة سريعة الحدث، وهي تلف على عقلها عصابة من السواد، قد تكون قيدا في إدراكها، وربما ألما في حياتها، وغصة أليمة في واقعها إن لم تشذب، وتهذب. وهذا إن عثرت على باب المعرفة الدقيقة، وقويت على الخروج من مأزق الخلاف المفضي إلى عقم الأقوال، والأفعال. وإن لم تجد، فلا محالة، سيكون مآلها أن تقبل ما قيل من كلام مسترسل في الغموض، ولن تتأتى لها فرصة البناء لحجرات عقلها، ولا ليقين آرائها.
كان مما استوقفني وأنا أهيم في تحليل هذه القضية، ما رأيته من إصرار عقول كثير من مربي الأجيال على هذه النقاشات المحدودة الأثر، وهي عمل عقل الفيلسوف، والحكيم، وكلاهما يفكر، ويدبر، ويبني الشاهد على الغائب، ويؤسس لنظريات معرفية، قد يكون تناسخ الأرواح جزءا منها، وقد يكون غير ذلك جزءا منها، وهذه النقاشات في حقيقة الروح، وظهورها بالتجلي، وقدمها، وحدوثها، مع غياب الشروط المعهودة في علم المنطق، والمناظرة، والجدل، لن يخلق إلا شتاتا في الأذهان، وفوضى في الأوزان. وذلك مما يفضي إلى صراعات عقدية، وفكرية، تنشأ عنها معرة الطائفية، وربما سبة الكراهية، وربما صولة التكفير، وربما شرة العنف، وربما وحش الإرهاب. فلم لا نجزئ الكلي، لكي نتعرف على جزئياته، ثم نجمع ذلك في مركب معرفي، قد يبعدنا كثيرا عن عملية الاقتضاب التي تؤسس لأحكام غير مقبولة في منطق العقل السوي.؟
إن إصرار المتحدثين عن المعارف الدينية على هذه النقاشات المقيدة بمجال زمني، امتزج فيه العقل العربي بالغير، أو بالآخر، وترجم فيه تراث الأمم، والشعوب، وابتغى لها مترجموها رواجا، ونفاقا، ولا رواج لها إلا تحت رداء المطلق، لن يخلق في ظرفنا الزمني، بل حتى المكانى، ذلك العقل النوعي، بل سيهدم قوة العقل الفطري، لكي يمتلئ ذلك الفراغ بما هو جاهز، لا يقبل الاحتمال، ولا الاختلال. فلم لا يثري هؤلاء سوي العقول بالقيم المعنوية والأخلاقية، والسلوكية، وهي كثير في تراثنا الديني، بل أترع بها بطن المدونات التاريخية، والموروثات الحضارية، وهي في عمقها خزان لنوع جميل من التجارب التي تغذي الحس، وترهف الذوق، وتجعل ابتني تدرك جمال العقل، والأخلاق، والسلوك. لو أدركنا في أزمتنا الحاضرة، كم ضيع الناس من حب، وخير، وجمال، وهو جزء لا يتجزأ من ثقافتنا الدينية، وأعرافنا المجتمعية، وعاداتنا الحضارية، لكنا قد ربينا جيلنا على احترام الإنسان، والوجود، والطبيعة، والكون، والحياة.
#جميل_حسين_عبدالله (هاشتاغ)
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟