فاتن نور
الحوار المتمدن-العدد: 1304 - 2005 / 9 / 1 - 12:20
المحور:
العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
ترى هل يحلم المواطن العراقي بعد طول معاناة بدستور يُعّمق الصراعات الطائفية والمذهبية؟
وهل فعلا هناك بين نصوص مسودة الدستور المزمع أن تكون دستورا قائما ينظم حياة شعب ويحدد مصيره.. هل هناك فعلا ما يفتح الباب امام تلك الصراعات لتنطلق بضجيجها لافحة وجوه المنتظرين الحالمين بعراق الغد الموحد الآمن؟
لا... هي جوابي على الشطر الأول من التساؤل
نعم... سنبحث عنها في نصوص المسودة وأملي في أن لا نجد لها من أثر نضعه أمام الشطر الثاني كجواب!
قد لا تكون كل الثغرات الموجودة في المسودة موضوعة بشكل مقصود لينفذ منها من يريد أن ينفذ ، وربما بعضها او حتى غالبها موجود من باب الغفلة!، ولكن في كلتا الحالتين لايمكن إغفال ما قد تحرره تلك الثغرات من مصاعب ومشاكل قد تضرب وجه العراق فتفلقه الى مجموعة وجوه يقطب بعضها في وجه الآخر، وبهذا نكون قد خسرنا الوجه المشرق الذي نريده لبلد عريق وشعب اصيل...
تحدثت المسودة عن دستور أتحادي ودساتير أقليمية...عن قوانين اتـحادية (مركزية ) وقوانين اقليمية..
كما تحدثت عن امكانية تعارض القوانين الأتـحادية مع قوانين الأقاليم وامور تفصيلية أخرى تتعلق بهذا الشأن، وكلها واردة في الباب الخامس الذي جاء تحت عنوان (سلطات الأقاليم)...
لنطلع على نص الفقرة الثانية من المادة (116) وعلى الفقرة الأولى من المادة (119) وعلى التوالي:
"ثانيا-يحق لسلطة الاقليم تعديل تطبيق القانون الاتحادي في الاقليم في حالة وجود تناقض بين القانون الاتحادي وقانون الاقليم بخصوص مسالة لاتدخل في الاختصاصات الحصرية للسلطات الاتحادية"
" اولا-يقوم المجلس الوطني للاقليم بوضع دستور الاقليم،وسن القوانين،بما لايتعارض مع هذا الدستور والقوانين الاتحادية"
الفقرة الأولى من المادة (119) تبدو محبكة وصارمة حيث لا تبيح تجاوز الدساتير الأقليمية على الدستور الأتحادي( وهو منطق معقول جدا حيث ستنتهي قيمة الدستور الأتحادي لو أبيح التجاوز) كما أنها لا تجيز سن قوانين تتعارض مع القوانيين الأتحادية (منطق عظيم وفذ حيث لا قيمة لقانون أتحادي ممكن نقضه بقانون أقليمي) ولكن نص الفقرة الثانية من المادة (116) لا يتحدث عن تعارض قوانين أتحادية مع قوانيين أقليمية وحسب بل تعدى الى ما هو أبعد من ذلك وأخطر حيث تحدث عن تناقض قوانين اتحادية مع قوانين أقليمية مما يضع المطلع على نص المسودة والقاريء لها في حيرة من أمره وأمر هذا التناقض الوارد بشكل صريح لا يقبل الجدل!! ترى هل ستنسخ الفقرة الأولى من المادة (119) الفقرة الثانية من المادة (116) كونها أنزلت بعد أنزال عموم المادة (116) وبهذا فنحن سائرون على درب النسخ الدستوري وعلى غرار النسخ القرآني...
لنتجاهل هذا التناقض ونتعامل مع المادة (116) وبفقرتها الثانية المذكورة أعلاه على وجه التحديد...
الفقره تبدو بوجه ديمقراطي سرعان ما ينكمش ويكفهر مكشرا عن انيابه...لنرى كيف
في الولايات المتحدة الأمريكية على سبيل المثال نرى أن القوانن تختلف من ولاية الى أخرى وبما يتناسب مع طبيعة تلك الولاية البيئية والجغرافية والأجتماعية وووو.. الخ ، ومع أختلاف القوانين والأنظمة إلا أنها واقعة تحت مظلة الدستور بجملتها المتنوعة ولا تتعارض مع نصوصه ولا مع نصوص وأحكام القوانين الفدرالية .. الموضوعية في أجازة تلون القوانين بتلون الولايات ناجمة عن تلون الفكر الأنساني وتنوع أفرازاته الأجتماعية بتلون المكان والمناخ والظروف وبالتالي تلون متطلبات الحياة اليومية للسكان وطرق تنظيمها والسيطرة عليها ، ولكن ما يصح على امريكا لا يصح على العراق حيث أن الدستور الأمريكي لم يضع الديانة المسيحية كمصدر للتشريع ولم يمنع سن قانون يتعارض مع أحكام وثوابت تلك الديانة ، ولأن قوانين الدولة العراقية( الأتحادية والأقليمية) ستكون مستنبطة أما من مصدر التشريع الأساس وهو الأسلام او من مصادر أخرى (غير الأسلام) ولكنها ( اي تلك القوانين) لا تتعارض مع ثوابت وأحكام الاسلام فأننا سنصل الى نتيجة حتمية تعلن عن نفسها وهي أن التعارض بين القوانين الأتحادية والقوانين الأقليمة المشار اليها في نص المادة المذكورة من المسودة ما هي إلاّ صراعات طائفية ومذهبية وتناقضات في فهم الدين الأسلامي وسنرى بعد أن كانت تلك الصرعات تدور في بطون الكتب من فقه و اجتهاد وتشريع او تطلق من على منابر الجوامع والمساجد بعيدا عن الدولة وسياستها، سنراها مسييسة وبرعاية الدستور! ...
وإلا فما معنى أن يتناقض القانون الأتحادي مع القانون الأقليمي ومنبع القوانين سواءا كانت اتحادية او اقليمية أما آلهيا او لا يخرج عن أحكام آلهية؟أليس في ذلك اشارة واضحة لترسيخ الطائفية والنعرات المذهبية وتجسيدها في قوانين
أنها ديمقراطية حق الصراع الطائفي وديمقراطية فوضى القوانين التي ستنبع من تيارات أسلامية ستضع يدها على بعض الأقاليم وتستفرد بسكانها بتعديل مجموعة قوانين اتـحادية او بسن قوانين ستجر تلك الأقاليم الى عالم الظلام والخيبة وبحماية الدستور الأتحادي!!!!..
كان من الأجدى أن يتم اسثناء كل القوانين الأتحادية التي سيتم استنباطها من المصدر الأساس للتشريع من أحكام تلك المادة وبوضوح.. ليكون القانون الأتحادي الذي مصدره الأسلام هو القانون العام المطبق في طول البلاد وعرضها وناسخا لكل القوانيين الأقليمية الأخرى ولا يجوز سن قانون اقليمي يتعارض مع القانون الأتحادي العام المستنبط من الشريعة الأسلامية،( ولو أني ارى بأن القانون الفدرالي سواء كان مستنبطا من الأسلام او غيره يجب أن لا يجاز نقضه) ولربما سيكون من الأفضل حذف عموم الفقرة الثانية من المادة(116) لتبقى الفقرة الأولى من المادة (119) نافذة المفعول وبلا نقيض يفترسها.... وعلى سبيل المثال فقط .. اذا استنبط قانون اتحادي بشأن لباس المرأة كأن يكون اللباس محتشما وليس بالضرورة ان يكون حجابا فأن سن قانون اقليمي يفرض الحجاب سيكون ضد القانون الأتحادي وبالتالي فهو ضد الدستورالأتحادي وسيحاسب قضائيا كل من يخل بلوائح الدستور الأتحادي وقوانينه الأتحاديه.. ..( وبغض النظر طبعا عن مدى صلاحية القوانين الأتحادية الأسلامية المنبع...)
وبهذا نكون لو اردنا للعراق أن يكون دولة اسلامية قد حققنا عدم تشرذمها ووقوعها في خندق صراع التسييس الديني على اقل تقدير...فالشعب العراقي لا أظنه يريد أن تقطع يد السارق في الجنوب العراقي بينما تقطع وسيلة السارق في السرقة في الوسط او الشمال، ولا يريد ان يباح الدخول ببنت العشر سنوات في أقليم ويمنع بآخر او أن تتبرج مواطنه عراقية بينما تمنع اخرى، او أن يظهر علينا زواج المتعة بلباس قانوني والتطبير الحسيني بجبة رسمية..وووو.. الخ وذلك بأجازة تعديل تطبيق القوانين الاتحادية من قبل سلطات الأقاليم او بسن قوانين وفق أمزجة التيارات الأسلامية الحاكمة فيها وتحت غطاء وترخيص نصوص الدستور الأتحادي...
حقا.. ما معنى أن يرد في المسودة جملة كجملة: حق سلطة الأقليم في تعديل تطبيق قانون أتحادي؟ أليست هذه ثغرة ؟أم انها بوابة تركت لتفتح في موسم الحصاد؟ وكلنا نعلم بأن القانون الأتحادي هو قانون يجب أن يطبق بحذافيره ومثلما هو موضوع مركزيا، ولا يخضع للأجتهاد والتأويل وكأنه آية قرآنية يجرها فقيه اقصى اليمين بينما يجذبها آخر اقصى اليسار..
لا أقول سوى...
اذا كان القانون الأتحادي يخضع للأجتهاد والتعديل لآغراض التطبيق من قبل الأقاليم مثله كمثل مصدر تشريعه، فأننا امام معضلة حقيقية.... معضلة تداخل الأجتهادات الدينية المتضاربة بأجتهدات تعديل وتطبيق القوانين الأتحادية ..انها معضلة شعب ...وللحديث لابد من بقية....
#فاتن_نور (هاشتاغ)
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟