عباس علي العلي
باحث في علم الأديان ومفكر يساري علماني
(Abbas Ali Al Ali)
الحوار المتمدن-العدد: 4621 - 2014 / 11 / 1 - 14:05
المحور:
العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
لقد دخل المجتمع الإسلامي النفق مساقا بالإرادة دهليز مظلم ونفق متعدد المسارات فتشتت الأمه بغياب نور الله وكل منهم يلعن أخاه ويصب جام غضبه في التيه على عاتق الطرف الأخر كم يقول(رمنتي بعارها وتخلت) لم يقتنع أحد أنه هو المسئول عن ما وصل إليه الحال ولا بد من الاعتراف ومصارحة الذات بهذا الجرم, فكلنا خطاؤون وخير الخطاؤون التوابون.
لقد تفرق الفهم الديني للرسالة حسب ترتيب الأولويات الواجبة بين الطاعة والمصلحة الإنسانية فقد ذهب الأتجاه الأول والذي يمثل الفهم السلفي إلى أن حق الطاعة أولى من المصلحة الإنسانية مبررا هذا التوجه بالنقاط التالية:.
1. النص الديني الواجب إتباعه في التعبد الرسالي يلزم بالطاعة كما هي دون تدخل في ترتيب الجائز والمباح كما في النص التالي{وَمَن يُطِعِ اللّهَ وَالرَّسُولَ فَأُوْلَـئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللّهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاء وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَـئِكَ رَفِيقاً}النساء 69,فالطاعة المرادة هنا وجوبية بل ومن أول الواجبات المتعبد بها ولا مجال للحرية الممنوحة تبديل الأولويات طالما أن النص لا يبيح لنا ذلك.
2. في مناط الطاعة هناك مصلحة واجبة في ذاتها بلزوم الطاعة وهذا المناط عقلي ونقلي لأن الله ورسوله المطاع وأولي الأمر هم الأولى بالاستدلال على المصلحة وبالتالي التتابع عليها يكون أولى من البحث عنها خارج الطاعة.
3. النتيجة في الطاعة تحقق المصلحة وطالما يتم الوصول لها من خلال النتيجة فالطريق لها يلزم إتباع نفس مسار النتيجة لا إتباع الغاية كما في قوله تعالى{وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ}النور52,فتحق الفوز وهو غاية الحرية هنا يقدم العقل الطريق على ذات الغاية.
من الجدير بالذكر هنا أن مجمل النصوص الدينية لا تجعل حدودا بين حق الطاعة والمصلحة الإنسانية طالما أن الرسالة في غايتها تتخذ من الطاعة هدف الوصول للمصلحة الإنسانية وتنفي التنافر المزعوم لكن الإشكالية تصطنع فيما يخص شكل الطاعة.
بعد دلالة النص على من هم أهلا للمطاوعة وهنا يدخل الإنسان في متاهة التحديد ومتاهة حق الإنتساب فإن كان المراد بهم محصورين بالنص المحدد لهم علينا أن نعرف منهم هؤلاء, فالله ذات معروفة والرسول شخص محدد ومعلوم يبقى العنصر الثالث الذي وقع في الجدل وادخلنا هذا الجدل في التفاوت والتناقض الذي يوصل لتحديد هذه الذات التي جاءت على سبيل التعميم.
مصلحة الإنسان هي أيضاً حق يريده الله تعالى ويأمر به ويدعو له على أنه خير لهم فهو يربط السمع بالطاعة بالخير أي بغائية المصلحة أي أنها من هذه الناحية تدخل ضمن اعتبار حق الطاعة, وإن كانت في حد ذاتها مطلباً انسانياً يتماهى مع الحرية ويستهدفها لخير الإنسان وإصلاحه في الدنيا للنص الشرعي وجهان أحدهما عبادي والآخر مدني وكلاهما يسير لتحقيق هدف واحد, فحيث أنه دليل على أمر وجوبي ومولوي فانه يكون من هذه الحيثية عبادة ولكن من حيث الغائية مصلحة الإنسان وتلبية حاجاته لنيل الكمال وسعادة الدنيا فإنه من وجه أخر يكون إنساني مدني بامتياز.
لكن المطب الذي وقع في الفهم الديني ولا أقصد القصد الرسالي هو الخلط في مدى الطاعة الوجوبية وحدودها ومن هو المقصود به كمطاع, هذا ما تفرقت الأمة به وتاهت في نفق حفرته لنفسها دون أن تعي أن المراد القصدي هو ليس كل ما وصل إليها خارج حدود النص.
الفقه السني مثلا جعل الطاعة ذات مدى متوسع جدا ويتسع لأن يدخل في ظله الكثير من الذوات لمجرد الادعاء به فمثلا مما جاء بشرح العقيدة الطحاوية قول قاطع يرى فيه توسعا لا مجال لإنكاره(ولا نرى الخروج على أئمتنا وولاة أمورنا ،وإن جاروا ،ولا ندعو عليهم، ولا ننزع يدا من طاعتهم،ونرى طاعتهم من طاعة الله عز وجل فريضة، ما لم يأمروا بمعصية، وندعو لهم بالصلاح والمعافاة)والدليل المعتمد هو ذاته{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ اللّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ}النساء59, ويزيدون على ذلك مستندين على ما جاء في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم،أنه قال((من أطاعني فقد أطاع الله، ومن عصاني فقد عصى الله، ومن يطع الأمير فقد أطاعني، ومن يعص الأمير فقد عصاني))وكذلك ما نسب لأبي ذر رضي الله عنه قال (إن خليلي أوصاني أن أسمع وأطيع وإن كان عبدا حبشيا مجدع الأطراف) وعند البخاري(ولو لحبشي كأن رأسه زبيبة).
بمقابل ذلك حصرت المدرسة الشيعية الأمر بحدود ضيقة ومنغلقة لا يمكن اختراقها أو التفلت ولو جزئيا من حدود الطاعة, بصرف القصد من أولي الأمر إلى طاعة أئمة أهل البيت دون سواهم وإن كانت الدلائل العقلية والنصية تشير إلى ذلك حقيقة, إنّ هذه الآية المشار إليها في الدليل السابق تدلّ على أولا على وجوب عصمة(أُولي الأمر)من حيث المقارنة في الذكر والمساواة في وحدة السياق في وجوب طاعتهم كوجوب طاعة الله وطاعة الرسول صلّى الله عليه وأله وسلّم, ومن البديهي أنّ من تجب طاعته من (أُولي الأمر) لا بدّ أن يكون معصوماً عن ارتكاب الزلل والخطأ وسائر ما يشينه وينقصه إذ لو لم يكن كذلك وجاز عليه ارتكاب المعصية فكيف يأمر الله بطاعته وهو غير مأمون في نفسه من الذنوب, والله سبحانه ينهى عن طاعة العصاة في كثير من الآيات؟ أليس في ذلك ما فيه من التضاد والتناقض؟!.
لكن المشكلة تدور حينما يغيب أصحاب الدور عن التماس مع المجتمع أو تغيب تلك المعصومية بسبب ما أو لعلة ما,هنا تثار مشكلة الرجوع إلى ما كان منهم والبحث عن أجوبة تتلاءم مع الحال الواجب الإطاعة فيه أو إعمال العقل الاجتهادي للوصول للطاعة, لقد أبتكر الفهم الشيعي حلا يتلائم مع منهج العصمة الذي يؤمنون بها تكوينيا من خلال الرجوع إلى التقليد وجعل طاعة المجتهد المقلد تفريعا من طاعة المعصوم وبالتالي حصر الطاعة أيضا في مؤسسة ضيقة دون أن نرجع للأصل الاستدلالي وهو إطاعة الله أولا ورسوله ثانيا قبل طاعة أولي الأمر والله تعالى يصف أولوية الطاعة بالرجوع إلى ما أنزل في القرآن الكريم الذي لم يترك فيه شيء خارج التساؤلات الإنسانية{وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِن شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبِّي عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ} الشورى 10.
لقد تناقضت المدرستان الكبيرتان في الإسلام في جزئية الطاعة وحدودها ومدارتاها فدخلوا في متاهة الاستدلال عليها والعمل بموجب الدليل القاطع وكل يتسلح بنفس النص الرسالي ودون الأتفاق على مرجعية لبيان حدود ما اختلفوا فيه وعليه, ومن ثم تحمل الإنسان المسلم مسئولية هذا الخلاف والأختلاف دون أن يكون عنصرا منتميا له فذهبت حريته ضحية هذا التنافر وذهب معه وجوده الطبيعي ليكون محلا لكل الإنعكاسات التي أثارها الخلاف ومن غير مصلحة تعنيه.
#عباس_علي_العلي (هاشتاغ)
Abbas_Ali_Al_Ali#
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟