راندا شوقى الحمامصى
الحوار المتمدن-العدد: 4616 - 2014 / 10 / 27 - 22:20
المحور:
العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
لقد تفرّد القرآن ببديع بيانه، كما انفرد الإنجيل في صياغة أمثاله، و كان القصد من تلك الأساليب المنيعة تقريب الحقائق الرّوحانيّة إلى إفهام البشر. فإذا ما تكلّم تعالى عن الحياة فقد قصد بها الحياة الرّوحيّة، و إنّه يخاطب الإنسان لأنّه خلق فيه من مميزات العقل و الإدراك ما لم يخلقه في غيره من الكائنات. فالإنسان بغير شك هو المقصود بالخطاب الرّحماني. والإنسان هو الذي له من المواهب ما يستقبل بها فيوضات الحقّ و ما يستحقّ بها الحياة كإنسان. فإذا الإنسان بعد ذلك، غفل عن هذه الحقيقة، ووجّه قواه و مواهبه في غير وجهتها الصّحيحة السّليمة، و إذا اختفت فيه الفضائل الإنسانيّة، واحتجب ضميره بحجبات الأهواء، فإنّه من الوجهة الرّوحيّة، يفقد شخصيته و حياته كإنسان، و يصبح مجرّد كائن يتحرّك بــلا مقوّمات. بينمـــا تتحــــرّك العوالم الأخــرى من جماد و نبـــات و حيوان داخـــل إطـــار مقوّماتها و خصائصها.
و لم يأت رسل الله إلاّ من أجل تحقيق هدف أسمى. و أي هدف أسمى من إعادة الحياة إلى هذا الإنسان، و معاونته على استرجاع مقوّماته، و جعل الأرض التّي أظلمت بفقدان الإنسان لمقوماته، تشرق من جديــد بأنـــوار الفهـــم و الإدراك، و الفضائــل و الكمالات. فالشّمس ليست هي نور الحياة بمعناها الرّوحيّ، و لكن شمس الحقّ - شمـــس الهداية الإلهيّة هي النّور و هي الحياة قال تعالى : "أو من كان ميتا فأحييناه و جعلنـــا لـــه نورا يمشي بــــه في النّــاس كمن مثله في الظّلمـــات ليس بخـــارج منها..."- الأنعام 122.
فسيّدنا حمزة، الّذي في حقّه نزلت هذه الآية المباركة، كان ميتا قبل إيمانه بسيّدنا محمّد صلّى الله عليه وسلّم، فلمّا آمن أصبح من الأحياء يسعى بنور إيمانه بين النّاس هكذا اعتبر الله تعالى الإيمان به هو الحياة و اعتبر أيضا الكفر به عين الممات فقال تعالى : "و الّذين يدعون من دون الله لا يَخْلُقُون شيئا و هم يُخْلَقُون أموات غير أحياء و ما يشعرون أيّان يبعثون" - النحل 20 و 21.
هذه هي الحياة و الموت في اصطلاح الكتب الإلهيّة إنّها الحياة بمعناها الرّوحيّ، و الموت بمعناه الرّوحيّ، فإذا أشار تعالى إلى البعث فإنّما يشير إلى بعث الرّوح و قيامه من قبور الغفلة. و لقــــد أشـــــار سيّدنا المسيـــح إلى نفـــس المعنــــى بقولــــه : "أنا هــــو القيامة و الحياة" - يوحنا ص 11، 25. إنّه أتى إلى خاصته - اليهود - و كانوا من حيث الرّوح أمواتا غير أحياء. جاء ليقيمهم من جديد، و ليبعثهم إلى الحياة مرة أخرى. فالبعث المقصود في كتب الله هو البعث الرّوحانيّ و ليس الجسمانيّ. و لا أدلّ على ذلك من قوله تعالى : "و إذ قلتم يا موسى لن نؤمن لك حتى نرى الله جهـــرة فأخذتكم الصّاعـقــــة و أنـتـــم تنظـــرون ثمّ بعثنا كم من بعـــد موتكم لعلّــكم تـشــكـــرون" - البقرة 55 و 56. و هذا الخطاب المبارك موجّه إلى اليهود. فهل حدث أنّهم، كشعب أو كأمّة، ماتوا الموت الطبيعي الّذي يفهمه كلّ الناس ثمّ بعثهم الله من بعد موتهم - و أين و متى حصل ذلك ؟ و إذا كان اليهود، كما يقول الشّراح، قد تاهوا في البّريّة أربعين سنة فلا يعني هذا التيه أنّهم ماتوا الموت الطبيعي المعروف. فالحياة و الموت في خطاب الحقّ سبحانه و تعالى، مقصود بهما الحياة الرّوحيّة و الموت الرّوحانّي. فالموت و الحياة، و البصر و العمى، و النّور و الظّلام التّي ورد ذكرها في كتب الله، إنّما هي استعارات يراد بها تقريب المعاني الرّوحيّة. فمثلا المقارنة بين حيّ بالجسد و ميّت بالجسد لا تصحّ في باب المعادلات أو المنطق لأنّ الميّت بالجسد سقط عنه كلّ اعتبار بخروجه عن هذا العالم. فالوجه الأصحّ إذًا، أن تكون المقارنة بين إثنين متقابلين لهما وجود هما العيني و الذّاتي، فهي تكون صحيحة بين حيّ وحيّ لا بين حيّ و ميّت. و بناء على هذا فإذا قارن تعالى في كتبه المقدّسة بين الحيّ و الميّت أو بين النّور و الظّلام، فإنّما قصد بالحيّ ذاك الّذي يحي بنور الإيمان، و بالميّت ذاك الّذي يلتف في أكفان الظّلام و الخسران - هذا غير ذاك : "و ما يستوي الأعمى و البصيـــر و لا الظّلمات و لا النّور ولا الظّلّ ولا الحرور و ما يستوي الأحيــاء و لا الأموات..." - فاطر 19 إلى 22. و لا تقتصر هذه المقارنة المباركة في مدلولها العميق على مجرّد التّنبيه إلى المقام الرّفيع الذي يرتقي إليه كلّ مقبل إلى الله و كلّ سالك في نور هداية الله، و إنّما هي إشعار بأنّ الذي يعرض عن نور الله محسوب في عداد الأموات : "... إنّ الله يـُسمع من يشاء و ما أنت بـمُسمع من في القبور إن أنت إلاّ نذير" - فاطر 22 و 23. و إلاّ فهل جاء رسل الله ليخاطبوا الأموات بالجسد أو ينذروا من في القبــــور ؟ والحقيقة التّي لا شك فيها هي أنّ الّذين يحرمون أنفسهم عن نعمة الإيمان بالرّسول الذي يبعثه الله هم أحطّ شأنا من أجساد طوتها القبور. فالجسد الذي يموت يوارى في التراب، و تتخذ الاحتياطات ضدّ الأمراض و الأوبئـــة التّي يحدثها فساده. أمّــا أمـــوات الرّوح الّذيـــن يدبّون على الأرض، و ينشرون الأوبئة و الأمراض الخلقيّة بأعمالهم الشّيطانيّة - هؤلاء، أي احتياطات يمكن اتخاذها لحماية البشريّة منهم ؟ الأموات في قبورهم لا يحاربون بعضهم بعضا، و لا ينقضون نواميس الشّرف و الأخلاق، و لا يعتدون على حقّ لأحد منهم. أمّا أموات الرّوح، فيتحاربون و يحيلون المعمور إلى مطمور، والأرض إلى لهيب مثقل بنار البغضاء و التّعصبات.
إنّه لم يثبت أن البشر كان وحده قادرا على إصلاح أحواله في يوم من الأيام، و إنّما الثّابت قطعا أنّ رسل الله هم الّذين عاونوه علــى السيـــر فـــي مراحل الإصلاح، و استقبلوا في هذا السّبيل كلّ جحود و غرور و استكبار. و النّاس يروون قصص الأنبياء و هم في غفلة من يومهم، و إذا قيل لهم ارفعوا رؤوسكم عن النّوم فإنّ الشّمس في رابعة النّهار، و أقبلوا على مطلع النّور الذي أراد أن يخرجكم من الظّلمات، قالوا بل لنا أعين تبصر و ما نرى أنفسنا في حاجة لمن يبصرّنا بموقع النّور- إنّهم كالمريض الذي يتوهم في سكرة الموت أنّه على أحسن ما يكون من الصّحة و العافية، ثمّ يرفض بإصرار يد الطّبيب الممدودة إليه في عطف و حنان. هكذا حال عالم اليوم، إنّه يزداد إصرارا على إصرار، و عنادا فوق عناد، و رفضا للنّور الذي أشرق و لاح، فصدق عليه قوله تعالى : "و لو أنّنا نزّلنا إليهم الملائكة و كلّمهم الموتى و حشرنا عليهم كلّ شيئ قُـبُلاً ما كانوا ليؤمنوا إلاّ أن يشاء الله و لكن أكثرهم يجهلــون" - الأنعام 111، و قوله تعالى : "و إذا قيل لهم لا تفسدوا في الأرض قالوا إنّما نحن مصلحون ألا أنّهم هم المفسدون و لكن لا يشعرون" - البقرة 11 و 12، و في هــذا أيضا تفضل بهآء الله في لوح إلى الملكة فكتوريا : "إذا قيل لهم أتى مصلح العالم قالوا قد تحقّق أنّه من المفسدين... أولئك من أجهل الخلق لدى الحقّ يقطعون أعضادهم و لا يشعرون، يمنعون الخير من أنفسهم و لا يعرفون، مثلهم كمثل الصّبيان لا يعرفون المفسد من المصلح و الشّر من الخير قد نراهم اليوم في حجاب مبين"، (ألواح إلى الملوك والسلاطين، طبعة نيسان 1983 ص 60 و 61) فالعناد الأعمى الذي يرتفع من جانب المعرضين يقدم، من ناحية أخرى، صورة مجسّمة عن الدور الشّديد الذي يضطلع به رسل الله في سبيل بعث مثل هؤلاء النفوس الّذين وصفهم الحقّ بشرّ الدّواب بقوله تعالى : "إنّ شرّ الدّوابّ عند الله الصّمّ البكم الّذين لا يعقلون" - الأنفال 22، "إنّ شرّ الدّوابّ عند الله الّذين كفروا فهم لا يؤمنون" - الأنفال 55.
فعدم الإيمان، أو رفض الإيمان هو حرمان لصاحبه من فيوضات الله التّي بها وحدها يبصر و يسمع و يعقل. والإعراض عن النّور و الهداية الجديدة يهبط بصاحبه إلى مستوى العمى حتّى و لو أوتي من حدّة البصر الطبيعي ما أوتي : "و لقد مكّنّاهم فيما إن مكّنّاكم فيه و جعلنا لهم سمعا و أبصارا و أفئدة فما أغنى عنهم سمعهم و لا أبصارهم و لا أفئدتهم من شيء إذ كانوا يجحدون بآيات الله و حاق بهم ما كانوا به يستهزءون" - الأحقاف 26. و بنفس العبارات يصفهم سيّدنا المسيح عليه السّلام : "...تسمعون سمعا و لا تفهمون، و مبصرين تبصرون و لا تنظرون" - متّى ص 13: 14. أمّا للحواريين فهذا خطابه لهم : "و لكن طوبى لعيونكم لأنّها تبصر و لآذانكم لأنّها تسمع" - متّى ص 13 و 16."النبأ العظيم"
#راندا_شوقى_الحمامصى (هاشتاغ)
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟