أحمد الناصري
الحوار المتمدن-العدد: 1294 - 2005 / 8 / 22 - 09:48
المحور:
اليسار ,الديمقراطية, العلمانية والتمدن في العراق
يشهد المجتمع العراقي تغيرات دراماتيكية سلبية شاملة ، دخلت الى جميع المجالات الإجتماعية والإقتصادية والسياسية والنفسية والأخلاقية والثقافية ، الفردية والجماعية ، كما شملت هذه التغيرات كل تفاصيل السلوك اليومي والعام في البيت والمدرسة والسوق والشارع ، وهي تغيرات وتبدلات خلّقها وخلفها المشروع الفاشي وسياساته الهوجاء في الإستبداد والقمع والحروب العبثية الطويلة ، وفرض المفاهيم القسرية الطارئة على الحياة الطبيعية للناس ، ثم السقوط العاصف والسريع لهذا المشروع بالحرب والإحتلال وإنهيار كل شيء تقريباً ، وقد تلقف الأحتلال هذه الحالة وبنى عليها توجهاته الرئيسية لإحكام السيطرة على البلد . لقد إنهارت الدولة ومؤسساتها ، كما إنهارت أسس وقيم إجتماعية سابقة ، مع ظهور كتل وقوى إجتماعية عديدة بعضها طارئ وهامشي ، لها مصالحها وأساليبها وأهدافها التي تتعارض مع المفاهيم الوطنية السليمة والعامة ، كمفهوم الوطن المستقل ، أو الوحدة الوطنية الحقيقية وليس ( التلزيق ) ، وهكذا نشهد دور ونفوذ هذه القوى في السلطة والإقتصاد والمجتمع ، وهي تعمل على فرض مفاهيمها وسلطتها و ( قوانينها ) الخاصة ، بكل الطرق والأساليب العشوائية والمنظمة ، الى جانب الأحزاب والحركات التقليدية التي إنزلقت مع المشروع الراهن وراحت بعيداً عن المصالح والمسارات الوطنية الطبيعية .
نحن بحاجة الى رصد ودراسة هذه التغيرات البنيوية العميقة الجارية في مجتمعنا ، أو السريعة الطارئة ، وقراءتها قراءة صحيحة للتعرف عليها والإحاطة بها لمعرفة طبيعتها وإتجاهاتها ، حتى نتمكن من التصدي لها ومعالجتها ، قبل أن تتحول الى حالات شبة دائمية أو دائمية مسيطرة وموجه للعقل الإجتماعي والسياسي ، ومن ثم لايمكن التخلص منها بسهولة على الأقل ، ولإنجاز هذه المهمة الكبيرة والصعبة ، فأننا بحاجة الى منهج علمي متطور يساعدنا في عملنا ، وبحاجة الى قراءة جديدة لهذه الأحداث العاصفة والسريعة التي تضرب وتهدد الأسس الإجتماعية والسياسية والأخلاقية والثقافية للتكوين الوطني ، ومن ثم الوجود الوطني ، ومن هنا تتأتى خطورة وحساسية المشهد الذي يجري صياغته وفرضة من قبل المحتل بمساعدة القوى المحلية الخاضعة له والمتفقة معه نتيجة لأسباب عديدة .
من البديهي القول إن هذا التخريب الشامل والجارف الذي يتعرض له مجتمعنا كان قد بدء مع المشروع الفاشي المتخلف ، ومن بين المجالات التي إشتغل عليها ذلك المشروع هو قضية الثقافة والفكر والإبداع والحياة الروحية للإنسان الفردي أو الجماعي ، وهذا مجال كبير وحساس يدرك أهميته الفاشست في كل التجارب ، وكذلك فأن كل المشاكل التي تندفع الآن بضراوة عجيبة كانت قد بذرت وتكونت هناك ، في أرضهم الكالحة والقاحلة ، أطلقها عقلهم المريض ، وأياديهم القذرة المجذومة .
لكننا نقع في التبسيط والأحادية إذا لم نتابع الرؤية الإجتماعية العميقة ، والإكتشاف لما يجري اليوم أيضاً من تدمير وتخريب مقصود ومنظم ضد مجتمعنا ، وخاصة فرض قيم ومفاهيم ثقافية وفكرية وسياسية بائسة ومتخلفة ، أخطرها قضية الطائفية السياسية وتفرعاتها ونواياها وإرتباطاتها ، هذا الخطر الحقيقي الماثل اليوم أماننا ، والذي تقوده قوى عمياء متخلفة تحت عباءة الإحتلال وتشجيعه ، الى جانب أطراف ومرجعيات متعددة أخرى ، ولإغراض ونوايا متعددة أيضاً ، ستكون نتيجتها الأسياسية تخريب هذا الوطن والإطاحة به .
المشكلة المعقدة والخطيرة التي نواجهها اليوم للإسف هو عدم قيام وإنطلاق مشروع التغيير الذي كنا ننتظره ونعمل من إجله ونتمناه ، لاعلى صعيد السلطة ولا على صعيد المجتمع ، أنما حصل ما كنا نخشاه تماماً وهو إستمرار الأزمة الوطنية والكارثة الوطنية بأشكال وعناوين جديدة بعضها خطر الى درجة لاتصدق .
كيف جرى القبول بالإحتلال وتبريره بهذه الطريقة أو تلك من قبل بعض الأطراف السياسية ؟؟ من أين جاءت هذه الجرعة القاتلة من الطائفية السياسية البغيظة ؟؟ ولماذا يجري السكوت والصمت أزاءهما ؟؟ ولماذا لاتعتبرهما بعض الأطراف السياسية والثقافية والفكرية ، الخطر الرئيسي والأول الذي يهدد وحدة ووجود المجتمع والوطن ؟؟ ماهي الأساليب المطروحة الآن لمواجهة هذه التوجهات والإتجاهات المريبة ؟؟ وماهو حجم وفعالية الأساليب الوطنية المتبعة لمواجهة إيقاف ودحر هذه المشاريع والتحركات الخطيرة ؟؟ من أين جاء هذا الكم الهائل من المفسدين والفاسدين والفساد ؟؟ من أين جاءوا ؟؟ ولماذا يجري حمايتهم والتغطية عليهم ، رغم عملهم العلني المكشوف ؟؟ أين هي الأحزاب الوطنية من هذا الخراب والتخريب ؟؟ وأين هي الأحزاب الدينية التي يقوم عملها على مبدأ الحلال والحرام الديني حسب إدعائها الإيماني على الأقل ؟؟ أذن هناك تغيرات بنيوية حقيقية في المفاهيم الشخصية والإجتماعية والقانونية أيضاً .
هناك فكرة تلح علي بقوة وبصورة دائمية ، وهي إذا كان كل مايجري اليوم قد أنتشرت بذورة أبان الحقبة الفاشية السوداء ، وهذا الرأي صحيح الى حد بعيد ، خاصة ما يتعلق بقيام المشروع الفاشي وإنهيارة وسقوطة بواسطة الإحتلال ، وليس بواسطة تغيير وطني داخلي ، إذن علينا أن نقيم وندرس ونراجع تلك الفترة بكل تفاصيلها ، وهو مشروع لن أتنازل عنه ، ولن أنساه ، لكنه بحاجة الى شروط ومستلزمات علمية وعملية كثيرة ، أولها الإستقرار الوطني البسيط ، وتعاون عدد من المؤسسات الرسمية والشعبية الوطنية ، والإحساس بالحاجة الى هذا المشروع ، وهذه شروط مفقودة في الوقت الحاضر . ولكن سؤالي الأساسي ( الحائر ) هو أين هي الوثائق الخاصة بالحقبة الفاشية ؟؟ لماذا لم تكشف هذه الوثائق الى الآن ؟؟ وخاصة ما يتعلق بالقمع والسجون والإعتقالات والقتل العام ؟؟ أين هي الوثائق المتعلقة بأسماء الجلادين والقتلة وأساليبهم ؟؟ أين هي الوثائق المتعلقة بالمقابر الجماعية ؟؟ أين هي الوثائق المتعلقة بالحروب الخارجية والداخلية ؟؟ أين هي القوائم الرسمية بإعداد وأسماء الشهداء ، وطريقة إستشهادهم ؟؟ وماذا قدمت إدارة الحرامية المتخاذلة لعوائلهم وأطفالهم وأهلهم ؟؟ يبدو إن المشاكل الجديدة قد أنست بعض الناس المشاكل القديمة ، أو إن من مصلحة بعض الأطراف والإشخاص إن يتناسوا تلك الفترة ، ويستبدلوا التاريخ السابق بتاريخ شفهي ملفق آخر لايستند الى الوثيقة أوالشهادة ، وهو لايصمد أمام الذاكرة الوطنية الجمعية التي لاتنسى ولاتتهاون مع الحقائق القاطعة ، خاصة عندما تكون تلك الحقائق من النوع الدامي والمدمر كالذي عصف بمجتمعنا وناسنا ، وخرب كل شيء ، لذلك لن يستمتع أحد من هؤلاء بتاريخ ملفق لم يكن في يوم من الأيام ، رغم كل جهود الكتابة والدعاية الإستباقية أو اللاحقة بصدد وهم تافه وهو تكوين ذاكرة إصطناعية مزورة ووهمية. ( أن من يعمل مقدارذرة خير يره ، ومن يعمل مقدار ذرة شر يره ) ومن ساهم ووضع حجرة صغيرة بمقدار ذرة قذرة في المشروع الفاشي فليعترف به ويرفعه ، ويغسله في نهر الفرات المقدس الأسطوري ، عل مياه الفرات تطهره ، وتنظف يدة الآثمة ، وإلا فأن التاريخ مستقل وموضوعي لكنه قاسي ولايهادن أحد ، ولايعرف الصفقات والتسويات البينية الضيقة ، أن التاريخ ساطع وقاطع واضح كالشمس .
هناك من أعتقد أو توهم إن هذا النوع من التغيير والتحول ولو عن طريق الحرب الإستعمارية العدوانية والإحتلال الجائر للوطن سيعالج الأزمة السابقة ، ويطلق مشروعاً لبناء اليمقراطية والبلاد بضربة سحرية واحدة ، وبيسر وسهولة نادرة . لاأدري من أين جاء هذا الكم الرهيب من الأوهام والأحلام الفارغة ، وقد أنطلقت الشروحات والتبريرات والمتون لتبيان صحة الأدلة العقلية والنقلية لبناء ما يسمى ( بالعراق الجديد ) ، ثم تبين لهم أو لبعضهم أن القضية ليست بهذه البساطة وليست بهذه الإنشائية الساذجة ، تراجع البعض تراجعاً حقيقياً ، و تراجع البعض تراجعاً نصفياً ، بينما أوغل البعض الآخر في قناعاته الخاطئة وفي إستمراء الخطئية لأسباب عديدة أهمها وأخطرها الإرتباط والتداخل المصلحي والنفعي مع مشروع الإحتلال و( التغيير ) المزعوم ، وقد تورطت وأنزلقت أحزاب وشخصيات تقليدية كثيرة ، وفقدت كل شيء تقريباً ، من مصداقية وطنية وحضور شعبي ، ولم تخسر المنافع والإمتيازات التافهة التي يوفرها المحتل و( عمليته السياسية ) الجارية الآن ، لكن الفرصة ستبقى قائمة ومفتوحة دائماً للمراجعات والنقد والتصحيح بعقل وطني متجدد ، على الأقل في ضوء الواقع والوقائع والنتائج التي يعيشها شعبنا ، وقد طفح الكيل ، ولم تبق غير ذرة الصبر الأخيرة ، ويكون الطوفان الذي لاعاصم منه أو بعده لإحد .
ماذا تبقى لنا غير الموقف الوطني الواضح والكامل من الأزمة والمحنة الوطنية الجديدة التي نمر بها ؟؟ ماذا تبقى لنا غير التمسك بالوحدة الوطنية ، بإعتبارها درئية الجميع ، لمواجهة مشروع يعده المحتل لبلادنا ومنطقتنا وللعالم ؟؟ كيف نقرأ عمل شعبنا الفلسطيني في غزة والضفة الغريبة ؟؟ كيف إستطاع هذا الشعب المحاصر إن يوقف المشروع الصهيوني برمته ، ويطيخ بأساطيرة التوارتية الكاذبة ؟؟ أنه درس جديد لشعوبنا ومنطقتنا والعالم .. هل نقول لقد تبقى لدينا الكثير والكثير ، وأن الحياة صراع إرادات واعية ومنظمة ، وإن الذي ينتصر هو الذي أكثر وعياً وتنظيماً ؟؟
#أحمد_الناصري (هاشتاغ)
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟