|
إمبراطورية الشر - من وجهة نظر ماركسية
خليل اندراوس
الحوار المتمدن-العدد: 1294 - 2005 / 8 / 22 - 07:03
المحور:
ابحاث يسارية واشتراكية وشيوعية
التغييرات الكبيرة التي حصلت في نهاية القرن العشرين وبداية القرن الواحد والعشرين ، لصالح نمط الإنتاج الرأسمالي ، أفرزت تغييرات عميقة ومتناقضة على المستويات الوطنية والاقليمية والعالمية ، تغييرات اتخذت صبغة الارهاب السري في البداية ، في شكل الدعوة الديماغوغية للدمقراطية وحقوق الانسان ، والحريات العامة، ليتحول بعد ذلك إلى إرهاب بأشكال مختلفة دبلوماسية وسياسية وعسكرية ومخابراتية تهدف الى فرض قانون البقاء للأقوى ، وخدمة رأس المال المتوحش ، والتراجع حتى عن المستوى "المتنور" للدمقراطية الرأسمالية ودولة الرفاه الاجتماعي وما يجري في العراق ، وما جرى في أوكرانيا ، وما لعبه الدولار الأمريكي في لبنان ، وما تشهده اسرائيل عندما يتحول أكثر من مليون ونصف إنسان إلى فقراء لخير دليل على ذلك . فهذه الافرازات هي إفرازات المنطق الداخلي لنمط الانتاج الرأسمالي في شكله المتمثل في كونه متوحشا ً وإرهابيا ً . وهذا السلوك مفهوم ما دام جوهر نمط الانتاج الرأسمالي ثابتا وهو الملكية الخاصة وسرقة الفائض ، ولذلك لا تستغرب أشكال ممارساته الوحشية والاستبدادية والعنصرية والارهابية . فالتظاهر بنشر "الدمقراطية" ، حتى آخر موقع في العالم حسب أقوال بوش بعد انتخابه للمرة الثانية لرئاسة الولايات المتحدة ، وتهديده باستعمال القوة ضد ايران اليوم ، ما هو إلا كلام دلالته ، تحدد وفق المنطق الجدلي الداخلي للرأسمالية ، والذي مؤداه أن كل ما يخدم مصلحته (أي مصلحة رأس المال والشركات العابرة للقارات الكبرى) هو دمقراطية وحقوق للانسان ، وكل ما يهدد مصلحته (أي مصلحة رأس المال) هو ديكتاتورية واستبداد وأنظمة لا إنسانية أو دول تكوّن محور الشر ، ولذلك نرى الولايات المتحدة تتهم في الفترة الأخيرة الرئيس الشعبي الوطني شافيز بأنه يشكل خطرا على الإستقرار في أمريكا الجنوبية ، ويهدد المصالح الأمريكية في الجزء الغربي من العالم ، مع العلم بأن كل ما يفعله شافيز الذي وصل الى السلطة بانتخابات دمقراطية هو الحفاظ على المصالح الوطنية للشعب الفنزويلي . لذلك فالتغيير الذي تنادي به دول رأس المال وخاصة ً أمريكا ، هو تغيير في الأشكال وليس في الجوهر أو المضمون أو في علاقات الإنتاج الإجتماعي . لذلك فالفهم العلمي للنظام الرأسمالي المتوحش ، والذي يقود عولمة إستبدادية متوحشة ، باسم السوق الحرة ، يتعذّر دون فهم القانون الجدلي العلمي المتحكم في العلاقات داخل كل دولة وبين الدول من الناحية الاقتصادية والسياسية والثقافية والنفسية والاجتماعية ، وفقط من خلال الفهم الجدلي التناقضي لمجتمع رأس المال . أقول هذا لأن التغييرات الكبيرة التي حصلت في نهاية القرن العشرين وبداية القرن الواحد والعشرين جعلت الكثيرين من رجالات السياسة والفكر عالميا ً وعربيًا ، وحتى بعض "المفكرين المحليين" يصابون بالحَيرة والاحباط والتردّد والتسرّع في إصدار الأحكام والدعوة العلنية لفكرة عدم جدوى التحليل الطبقي لتناقضات المجتمع الرأسمالي ، وهناك من يعتقد وكأن النظام الدمقراطي المسّمى زورًا الليبرالي هو آخر محطات التطوّر الاجتماعي السياسي الانساني . وجعلت بعض من يدعي القومية يوصف الفكر الماركسي بالفكر الشمولي ومقارنته باليمين الشمولي واعتباره راديكاليا . رأس المال العالمي وخاصة ً الأمريكي يمارس سياسة الاستبداد ، والارهاب من أجل السوق الحرة ، من أجل "الأصولية الليبرالية" وهذا النهج لا يمكن أن لا يكون معاديا لأي شكل من الأشكال الدمقراطية المتنورة ولأي شكل من أشكال دولة الرفاه الاجتماعي . فالسيطرة الأحادية على العالم بفعل الدبلوماسية والقوة العسكرية ، باسم مكافحة الارهاب ، والعمل على إعادة هيكلة العالم العربي (عن طريق الحرب المباشرة في العراق ، والتدّخل الدبلوماسي الوقح وشراء الذمم في لبنان ومحاولة تركيع الشعب الفلسطيني بواسطة القوة العسكرية الاسرائيلية إلى أساليب شراء الذمم ، عن طريق الادعاء بتدريب بعض القيادات ، على العمل الدمقراطي ، كما يحدث الآن في مصر (وهذا يعكس النظرة الاستعلائية العنصرية الشوفينية للحضارة الغربية اتجاه الشعوب الأخرى) كل هذا من أجل خدمة المصالح الأمريكية في المنطقة وليس من أجل بناء مجتمع علماني دمقراطي حضاري في العالم العربي . لقد كتب انجلز في رسالته على بورغيوس عام 1894 يقول "إن التطور السياسي والحقوقي والفلسفي ، والديني والأدبي والفني إلخ ... يرتكز على التطور الاقتصادي ، ولكنها جميعها تؤثر كذلك بعضها في بعض وفي البناء التحتي الاقتصادي ، ولكن ليس من الصحيح إطلاقا ً أن الوضع الإقتصادي وحده دون غيره هو السبب ، وأنه هو وحده دون غيره الفعّال ، بينما الباقي كله لا يعدو أن يكون نتيجة منفعلة . كلا. فهنا يوجد تفاعل على أساس الضرورة الاقتصادية التي تشق لنفسها دائما طريقا في آخر المطاف" . وكتب يقول "إن الناس هم الذين يصنعون تاريخهم" . من هذا المنطلق أي تغيير ثوري دمقراطي في العالم العربي ، أو في أي مكان آخر في العالم ، سيشق طريقه في النهاية على أساس الضرورة الاقتصادية ، والشعوب ، الناس ، هم الذين سيصنعون ذلك ، وليس التدخّل العسكري المباشر ومجنزرات الاحتلال والصواريخ العابرة للقادات . وكل ما تفعله أمريكا هو ممارسة النهب والاستغلال والهيمنة والسيطرة ، واستعباد المجتمعات المغلوبة ، وتخريب الثقافات والحضارات المغايرة ، فكل سلوك نقيض حسب تحديد السياسة الأمريكية الخارجية ، كيفما كان شكله ، وكيفما كان مصدره ومرجعيته ، وكيفما كانت أشكال القضايا المرافع عنها : سواء كانت مقاومة أو تحرير أوطان ، أو كانت دفاعا ً عن كرامة الانسانية أو مكافحة الفقر أو حماية البيئة أو دعوة نضالية لإعادة التوزيع العادل للثروة العالمية أو كانت نقدا بنّاء ومسؤولا ً في شأن المؤسسات الرأسمالية ، يعتبر بالمفهوم الأمريكي إرهابا ، بمعنى أن أية مقاومة لمصالح الحلف العولمي الرأسمالي المتوحش ، والنضال من أجل تحرير الأرض والانسان فلسطينيا وعريبا ، والمطالبة بالحقوق المغتصبة هي مسلكيات سياسية غير دمقراطية في نظر الارهاب الأمريكي العولمي . فنحن الآن أمام إرهاب أمريكي أخلاقي ثقافي سياسي عسكري هدفه خدمة مصالح رأس المال وأمركة العالم باسم الدمقراطية والعولمة . ولكن هذا النهج حتى ولو نجح في بعض الدول مرحليا ً سيفشل على المدى البعيد عربيا وعالميا لأن هذه الممارسات ستفرز من خلال التطور الجدلي للتاريخ قوى ثورية ، عربية وعالمية ، وستلقي بهذا النهج الى مزبلة التاريخ.
#خليل_اندراوس (هاشتاغ)
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
بعض ملامح مملكة الحرية - مجتمع المستقبل
المزيد.....
-
إسقاط التطبيع إرادة سياسية
-
جريدة النهج الديمقراطي العدد 599
-
النسخة الإليكترونية من جريدة النهج الديمقراطي العدد 598
-
لافروف يعلن عن دعوة الأمين العام للحزب الشيوعي الفيتنامي لحض
...
-
تركيا.. حزب الشعب الجمهوري يدعو أنصاره إلى المقاطعة التجارية
...
-
رسالة جديدة من أوجلان إلى -شعبنا الذي استجاب للنداء-
-
صدور أسبوعية المناضل-ة عدد 31 مارس 2025
-
حزب التقدم والاشتراكية ينعي الرفيق علي كرزازي
-
في ذكرى المنسيِّ من 23 مارس: المنظمة الثورية
-
محكمة فرنسية تدين زعيمة اليمين المتطرف مارين لوبان في قضية ا
...
المزيد.....
-
الذكاء الاصطناعي الرأسمالي، تحديات اليسار والبدائل الممكنة:
...
/ رزكار عقراوي
-
متابعات عالميّة و عربية : نظرة شيوعيّة ثوريّة (5) 2023-2024
/ شادي الشماوي
-
الماركسية الغربية والإمبريالية: حوار
/ حسين علوان حسين
-
ماركس حول الجندر والعرق وإعادة الانتاج: مقاربة نسوية
/ سيلفيا فيديريتشي
-
البدايات الأولى للتيارات الاشتراكية اليابانية
/ حازم كويي
-
لينين والبلاشفة ومجالس الشغيلة (السوفييتات)
/ مارسيل ليبمان
-
قراءة ماركسية عن (أصول اليمين المتطرف في بلجيكا) مجلة نضال ا
...
/ عبدالرؤوف بطيخ
-
رسائل بوب أفاكيان على وسائل التواصل الإجتماعي 2024
/ شادي الشماوي
-
نظرية ماركس حول -الصدع الأيضي-: الأسس الكلاسيكية لعلم الاجتم
...
/ بندر نوري
-
الذكاء الاصطناعي، رؤية اشتراكية
/ رزكار عقراوي
المزيد.....
|