احمد سعد
الحوار المتمدن-العدد: 1280 - 2005 / 8 / 8 - 11:33
المحور:
القضية الفلسطينية
في اكثر من مناسبة اكدنا مرارا العلاقة الجدلية بين الاحتلال وبين انتشار مظاهر الفساد داخل المجتمع الاسرائيلي وعلى مختلف الصعد، بين تصعيد العدوانية الاسرائيلية وبين تردي الاوضاع الاجتماعية والمعيشية للفئات الاجتماعية المسحوقة وانتشار واتساع نطاق الفقر والبطالة ومختلف اشكال وانواع الاجرام المنظم وغير المنظم، وانتعاش وتصاعد المد الفاشي العنصري.
في الثالث من شهر آب الجاري، يوم الاربعاء الماضي، جرى نشر معطيات تقريرين رسميين، تقرير "البنك العالمي" وتقرير "دائرة الاحصاء المركزية" الاسرائيلية. ومعطيات كلا التقريرين تشير مدلولاتها الى العلاقة الجدلية، بين فساد السلطة وعدوانيتها وبين اتساع وتعمق الفوارق الاجتماعية بين الاغنياء والفقراء في المجتمع الاسرائيلي. وكلا التقريرين تؤكد معطياتهما ان الوضع ازداد سوءا وحدة، وبشكل طردي سنويا، منذ سنة الفين وخلال السنوات الاربع الماضية، أي منذ تفجير الاحتلال الاسرائيلي للصراع الدموي الهمجي ضد الشعب العربي الفلسطيني بارتكاب مجزرة القدس والاقصى وتفجّر الانتفاضة الفلسطينية الثانية.
فحسب تقرير البنك العالمي الذي اعده طاقم من الاقتصاديين من مجموعة "بي.دي.اي" فان السلطة، نظام الحكم في اسرائيل، كان في العام الفين واربعة وخلال السنوات الاربع الماضية الاكثر فسادا مقارنة مع انظمة الحكم في الدول الصناعية الرأسمالية المتطورة. ويجري تقييم مدى نظافة او فساد الحكم حسب مقاييس وجداول. فالحكم الصالح الخالي من مظاهر الفساد يدخل في خانة المئة بالمئة الدرجة العليا، قمة النزاهة حسب مقاييس جدول "بي.دي.اي". ففي جميع الجداول المعدة حول نوعية الحكم يتخلف الحكم في اسرائيل عن جميع الدول الاوروبية وغيرها. فجدول فساد الحكم في اسرائيل يصل الى ثمانين وثمانية في المئة بينما يبلغ معدل فساد الحكم في الدول الاوروبية الى واحد وتسعين واربعة في المئة. فجدول فساد الحكم في اسرائيل وغيرها يعكس مدى نشاط مصادر حكومية، وزراء وغيرهم، من اجل تحقيق ارباح شخصية خاصة، وفي جدول آخر حول "نجاعة الحكم" الذي يفحص نوعية تقديم الحكم ومؤسساته للخدمات الشعبية فان اسرائيل تتخلف عن باقي الدول، اذ تبلغ النسبة ثمانين وثمانية في المئة بينما يبلغ المعدل في الولايات المتحدة وفرنسا والمانيا وبريطانيا وهولندا تسعة وثمانين وسبعة في المئة.
ان هذه الجداول والمقاييس وغيرها، وخاصة حقيقة ان النظام في اسرائيل الاكثر فسادا مقارنة مع الانظمة الاخرى الاوروبية وغيرها، وفي ظل عدم الاستقرار السياسي والاقتصادي يعكس اثره السلبي على الاقتصاد وعلى النمو الاقتصادي، وخاصة على الاستثمارات والتوظيفات الاجنبية في الاقتصاد الاسرائيلي. "والسمكة تعفن من رأسها"، فمن رئيس الحكومة، ارئيل شارون الى اولاده الى العديد من الوزراء، تساحي هنغبي وغيره، ومن نواب كنيست من حزبه وغيرهم يطمسون في اوحال الفساد وتحت ملاحقة القانون وايدي العدالة.
اما تقرير دائرة الاحصاء المركزية حول "عدم المساواة في المداخيل" في العام الفين واربعة فان معطياته تعتبر بمثابة وصمة عار في جبين حكومة اغناء الاغنياء وافقار الفقراء.
فمعطيات هذا التقرير تكشف بشكل صارخ طابع الهوية الطبقية الاجتماعية لحكومة شارون – نتنياهو – بيرس المعادية لحياة ومعيشة ومصالح الفئات الاجتماعية المسحوقة من العاملين وذوي الدخل المنخفض والمحدود. فالسمة البارزة في هذا التقرير تؤكد ان الانياب المفترسة للسياسة النيولبرالية التي ينتهجها وزير المالية، بنيامين نتنياهو، قد جردت الفقراء من بقايا اللحم المتعلق بعظامهم لتضيف راقة جديدة من الشحم الزائد على جسم الاغنياء. وتتجسد هذه السمة البارزة باتساع فجوات التقاطب الاجتماعي بين الاغنياء والفقراء في العام 2004 وخلال السنوات الاربع الماضية. فحسب معطيات دائرة الاحصاء المركزية فان حصة العُشرين الادنيين القابعين في اسفل درجات سلم المداخيل انخفضت من 6,2% من مجمل المداخيل في العام الفين وثلاثة الى ستة في المئة في العام الفين واربعة بينما ارتفعت حصة الاغنياء الذين يشغلون العُشرين الاعليين في رأس سلم المداخيل، وفي نفس الفترة من 43,9% الى 44,2%!!
وحسب مقياس "جدول جيني" الذي يقيس عدم المساواة في الدخل بين الاغنياء والفقراء فقد ازدادت نسبة عدم المساواة في الدخل في العام
الفين واربعة مقارنة بالعام الفين وثلاثة بنسبة اثنين واربعة في المئة. وفي المقارنة بين معدل الدخل في العشر الاول الاعلى (الاغنياء) وفي العشر الاخير، الدرجة الدنيا في سلم المداخيل يتضح، كما يكشف التقرير، ان الفارق ازداد في سنة الفين واربعة مقارنة بالعام الفين وثلاثة بنسبة خمسة وعُشرين 5,2% . فمعدل الدخل غير الصافي لعائلة في العشر الاعلى في سلم المداخيل ازداد بصورة حقيقية بنسبة اثنين ونصف في المئة، بينما معدل الدخل غير الصافي لعائلة في الدرجة الدنيا من سلم المداخيل انخفض بصورة حقيقية بنسبة اثنين وستة في المئة. وبلغة اخرى تجسد مدى عمق واتساع الفجوات بين الاغنياء والفقراء فان معدل دخل العشر الاعلى في العام الفين واربعة اكبر بـ 12 مرة من معدل الدخل في الدرجة الدنيا من سلم المداخيل.
ان زيادة ثراء الاغنياء من ارباب الشركات الاحتكارية وارباب البورصة والمجمعات البنكية مقابل زيادة حدة الفقر وعدد الفقراء هي الثمرة الامرّ من العلقم، النتيجة الحتمية لسياسة حكومة شارون – نتنياهو – بيرس الاقتصادية – الاجتماعية النيوليبرالية. النتيجة الحتمية لسياسة الخصخصة ونسف "دولة الرفاه الاجتماعي". هي النتيجة الحتمية لتقليص ميزانيات الخدمات الاجتماعية والرفاه الاجتماعي وتقليص مختلف مخصصات التأمين الوطني، مخصصات الاولاد والبطالة وللعائلات احادية الوالدين وغيرها. النتيجة الحتمية لاعادة الانتاج الموسع للفقر، حيث يعاني من مآسي الفقر اكثر من مليون وخمسمائة الف انسان عربي ويهودي في اسرائيل. فمنذ العام الماضي، الفين واربعة، سبقت اسرائيل حليفها الاستراتيجي في العدوان والافقار، الولايات المتحدة الامريكية في نسبة الفقراء من تعداد سكان الدولة، اذ بلغت في اسرائيل 21,2% بينما كانت في الولايات المتحدة عشرين في المئة. وفي مجال الفقر تعاني الاقلية القومية العربية الفلسطينية في اسرائيل اكثر من غيرها، اذ بلغت نسبة العرب الذين يعانون تحت خط الفقر في العام الفين واربعة 49,2%. ولهذا ليس من وليد الصدفة ان القرية الافقر في اسرائيل هي قرية جسر الزرقاء العربية اذ بلغ متوسط الاجور فيها اقل من ثلاثة آلاف شاقل شهريا، بينما في "سفيون" اليهودية بلغ متوسط الاجور شهريا اكثر من ستة عشر الف شاقل.
رغم زيادة الفقر وتردي الاوضاع المعيشية للفئات الاجتماعية من ذوي الدخل المحدود في العام الفين واربعة فان تطور الاوضاع في العام الفين وخمسة لا يبشر بخير ولا يبعث على تفاؤل باحتمال تحسن الاوضاع اجتماعيا. ونؤكد تقييمنا هذا من منطلق وحقائق ومعطيات السياسة الكارثية الاقتصادية – الاجتماعية التي تواصل حكومة شارون – نتنياهو – بيرس انتهاجها وممارستها في العام الفين وخمسة وتخطط لمواصلة انتهاجها في العام الفين وستة. فمواصلة هذه السياسة الكارثية تعني تعميق وتسريع خطى السياسة النيولبرالية، التي تتجسد مآسيها في ثلاثة مجالات اساسية: الاول، مواصلة عمليات الخصخصة في مختلف المجالات من بيع الشركات والاملاك الحكومية (القطاع العام) الى القطاع الخاص، الى خصخصة فروع الخدمات الجماهيرية من حجة وتعليم وغيره. وخطة "دوبرات" في مجال التعليم تندرج في هذا الاطار المأساوي، الامر الذي يعني طرد الالوف من العاملين والموظفين الى سوق البطالة والفقر.
والثاني: مواصلة تقليص ميزانيات فروع الخدمات الجماهيرية – الصحة والتعليم والمواصلات العامة والسلطات المحلية وغيرها – وبحجة موازنة العجز الحكومي المتفاقم اضافة الى حجة جديدة وهي المساهمة في تغطية نفقات اعادة الانتشار في قطاع غزة وشمال الضفة العربية.
والثالث: الهجوم المنهجي على شروط وظروف عمل العاملين والعمل على ضرب وتفكيك الكفاح النقابي والنقابات. ولا يخفي وزير المالية، بنيامين نتنياهو، ان احد اهداف سياسته الاقتصادية – الاجتماعية ضرب وتحطيم النقابات المهنية، خاصة القوية منها. وسياسة الخصخصة احدى وسائل تجسيد هذا الهدف. وخطة ويسكونسن تندرج في هذا السياق، اضافة الى انها تندرج في اطار سياسة الحكومة للقضاء على ما تبقى من "دولة الرفاه" حيث ان هذه الخطة جاءت لحرمان متسلمي مخصصات البطالة وضمان الدخل وغيرهما من مخصصات التأمين الوطني من تلقي هذه المخصصات "والتوفير على الدولة" تحت يافطة عدم التقيد بشروط ويسكونسن التعجيزية و "رفض" العمل المقترح او عدم الحضور والجرجرة المتواصلة للتسجيل.
لو كانت هذه الدولة طبيعية لادى الوضع المأساوي القائم – زيادة حدة الفقر والتقاطب الاجتماعي بصورة كارثية صارخة وتعمق مظاهر فساد الحكم – الى اسقاط حكومة الكوارث القائمة او الى "اضعف الايمان" بالزام هذه الحكومة باعادة النظر في سياستها الاقتصادية – الاجتماعية، سياسة التمييز الاقتصادي والطبقي – الاجتماعي. ولكن، وللاسف، هنالك عدة عوامل تخدم مصلحة مواصلة حكومة الاحتلال والافقار لسياسة التمييز والقهر والاستغلال الطبقي – الاجتماعي. فحزب "العمل" يتمسك باظافره بكراسي السلطة وغير مستعد للتنازل عنها كُرمال عيون الفقراء، خاصة وانه شريك في تبني النهج النيولبرالي.
والامرّ من ذلك، ان الوعي الاجتماعي للجماهير الشعبية الواسعة، وحتى لكثير من منظمات الاحتجاج الاجتماعية لم يصل الى درجة الربط العضوي والجدلي بين السياسي والاقتصادي والاجتماعي، بين تكلفة سياسة العدوان والاحتلال والاستيطان الباهظة وبين تردي الاوضاع الاجتماعية والمعيشية للجماهير الشعبية المسحوقة والفقيرة، بين الهوية الطبقية – الاجتماعية لارباب النهج النيولبرالي الممارس وبين تعميق وتوسيع فجوات التقاطب الاجتماعي بين الفقراء والاغنياء في المجتمع الاسرائيلي. ولكن هذا لا يعني القاء السلاح النضالي الجماهيري النقابي والسياسي والاجتماعي. واصوات الاحتجاج ضد مصادر المأساة والفقر بدأت تنطلق، فعلى سبيل المثال علق المحامي يوفال الباشان، من رؤساء تنظيمات الاحتجاج الاجتماعي على تقرير زيادة الفقر والتقاطب بقوله (انظر "يديعوت احرونوت" 4/8/2005) : "نحن نقطف ثانية ثمار سياسة وزير المالية نتنياهو، ففي الوقت الذي يواصل معارضته للانفصال من غوش قطيف، فانه يقود الى فصل الجماهير الشعبية عن الدولة والى نقل الرأسمال الى ايدي قلة من العائلات الغنية في اسرائيل"!
في ظل الاوضاع الاجتماعية المتردية، لم يعد يكفي او يفي بالمطلوب، رفع اصوات الاحتجاج ضد سياسة الافقار والفساد الحكومية، بل لا مفر، وآن الاوان، لتصعيد الكفاح المنظم، السياسي الجماهيري والنقابي، اليهودي العربي، وان تأخذ النقابات، الهستدروت دورها المطلوب لانها ايضا مستهدفة ويخطط لافتراسها بانياب السياسة النيولبرالية المنتهجة. ونأمل ان تكون مظاهرة الناصرة يوم الثلاثاء من الاسبوع الماضي ضد خطة ويسكونسن ومن اجل الغائها ودفنها رافعة حقيقية لتحريك وتصعيد درجات حرارة الكفاح الجماهيري قطريا ضد السياسة النيولبرالية وبناديقها من خصخصة وخطة دوفرات وخطة ويسكونسن وغيرها التي لا تنتج سوى الفقر والبؤس اجتماعيا.
#احمد_سعد (هاشتاغ)
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟