نضال الابراهيم
الحوار المتمدن-العدد: 4534 - 2014 / 8 / 5 - 11:45
المحور:
العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
كلما مرت هذه الامة بأزمة من ازماتها البنيوية ، التي لا تنتهي ، ولن تنتهي في القريب العاجل زاد تعلق المخيال الجمعي او الخيال العام ، باستحضار كل ما يملكه من مخزون تاريخي وعقائدي ، وحتى اسطوري بهدف تفسير او تبرير حركة التاريخ ، وذلك حتى يجد هذا المخيال الجمعي ، ما يثبت اي بنية من البناء العقائدي التقليدي له ، وهو في شكل منه يشكل الية من اليات الدفاع عن الذات ، اي ذات الامة المشكلة حسب هذا البناء العقائدي ، وفي شكل اخر منه مواجهة مع الاخر ، كل الاخر ، الاخر الكافر والأخر المخالف من ذات البنية العقائدية والأخر المذهبي ايضا . ،
هذا الازمة الدائمة والمستعرة ابدا ، دأبت من خلال تشكيلاتها السياسية والعقائدية الاسلاموية المختلفة ، ابتداء من تاريخ انهيار الخلافة العثمانية والصدمة النفسية الشاملة التي اصابتها ، بسبب هذا الانهيار الدراماتيكي لتلك الخلافة ، من حيث كيفيته وأسبابه ، التي خضعت لتفسيرات مختلفة ، منها العلمي الذي يأخذ بأسباب التاريخي ، ومنها الايدلوجي الديني القائم على فكرة المؤامرة على الاسلام والمسلمين ، من داخل هذا الجسد الاسلاموي او من خارجه او حتى الارادة الالهية التي تعاقب الافراد والدول لخروجهم عن سننها .
انهيار الخلافة العثمانية والرضة النفسية لأمة الاسلام
لا واد هنا ان ادخل في جدل تاريخي وأيدلوجي ، حول اسباب انهيار الخلافة العثمانية ، كأخر خلافة معترف بها من جموع المسلمين ، والتي انهارت في بديات القرن العشرين ، لأنها انهارت وقضي الامر ، والاهم هو رصد ردود الفعل على هذا الانهيار ، والتي تراوحت بين محاولات من بعض القوى الاجتماعية والسياسية ذات الصبغة الدينية ، او على الاقل التي اصطبغت بها ، المحاولة التأسيس لخلافة جديدة تكون في بلاد العرب ، وان لم تكن بالشكل العثماني لها ، الى محاولات اعادة التأسيس الفكري او الايدلوجي لهذه الخلافة ، من قبل مفكرين وسموا على انهم مفكرين اسلامين ، ولكن يبدو ان اهم محاولة فعلية بدأت فعلا التأسيس الجديد لها ، نشأت مع تأسيس جماعة الاخوان المسلمين وما تلاهم او تولد عنهم من جماعات الاسلام السياسي ، والتي اخذت تتبلور رويدا رويدا بشكل جماعات وتنظيمات وأحزاب ، جميعها اولت موضوع الخلافة الاسلامية ، موضع مركزي في ايدلوجيتها الدينية ، حتى بعد ان برز مصطلح " الدولة الاسلامية " كبديل او غطاء ولو مؤقت للخلافة الشاملة ، التي يجب ان تشمل كل بلاد المسلمين ، والتي لا تعدو فكرة الدولة الاسلامية ، إلا كمقدمة لها استوجبتها الظروف التاريخية ، ومن هذه اللحظة التاريخية بداء صراع داخلي عقائدي وسياسي بين جماعات الاسلام السياسي ، في مختلف انحاء العالم الاسلامي حول ( الدولة الاسلامية – دولة الخلافة ) من حيث شروطها وأركانها وطبيعتها ومؤسساتها ، ومتى يمكن اقامتها في ظل مجتمعات الجاهلية المعاصرة كما تم توصيف مجتمعات الدولة الوطنية في العالم الاسلامي ، والتي وسمت في ادبياتهم على انها دولة علمانية لا تطبق شرع الله ، او ان هذه المجتمعات والدول هي كافرة ، وهو الحد العقائدي المتطرف لدى هذه الجماعات ، وبين الحد الاكثر مرونة في توصيفهم لها ، على انها ضالة او فاسقة وهو توصيف عام ، وشمولي يشمل الافراد والمؤسسات ومؤسسة الحكم تحديدا ، التي ليس له شرعية معترف بها لدى جماعات الاسلام السياسي ، كون شرعيتها مبنية اما على ايدلوجية علمانية ، اي شرعية الثورة او الامة او الشعب الذي هو مصدر للسلطة والشرعية ، وهو ما يناقض القاعدة الاهم التي يؤمن بها هولاء ، وهي ان الشرعية لا تستمد إلا من الله ، وليس من الشعوب ، وان لا شرعية إلا لحكم الله ، وكأن حكم الله تجسد تاريخيا مره واحده وللأبد بشكل نهائي صالح لكل زمان ومكان ، في فترة دولة المدينة ، ابان وجود النبي محمد عليه السلام وما تبعه من مرحلة ما يطلق عليه الخلافة الراشدة ، اما بعد ذلك فقد بدء الانحراف العقائدي والسياسي ، مع بداية مرحلة الملك حتى وان اتخذ شكل الخلافة المدعمة ، ببيعة جماعة المسلمين ، ان كانت بالرضى والقبول او بالسيف وشراء الذمم .
سند المشروعية حديث الخلافة على منهاج النبوة
ان البناء العقائدي للفكر السياسي الاسلاموي ، يدعي باستمرار ان سند مشروعيته هو الاسلام ، وهو سند عمومي لان الاسلام مصطلح عام وشامل ، يتضمن العقيدة والتاريخ وأمة الاسلام بكل قومياتها واثنياتها المختلفة ، لذلك كان لابد من التنظير لهذه المشروعية ، بشكل يخلق التمايز بينها وبين الشرعية الدينية والتاريخية ، لبعض الانظمة القائمة في العالم الاسلامي ذات الصبغة الدينية الاسلاموية ، وليست الاسلامية كما يوصفها البعض هذا من جانب ، وبين الشرعية كما اسست لها مؤسسات الاسلام الرسمي او " الاسلام الارثوذكسي " كما يطلق عليه المفكر الراحل محمد اركون في مشروعه الفكري .
فكان لا بد من العودة الى المنبع او الاصل ، وهما هنا القران والسنة النبوية ، وتجاوز اي ادعاء للشرعية الاسلامية من قبل فرد او نظام او مؤسسة او دولة ، وبذات الوقت بناء شكل جديد لهذه الشرعية التي ابتدعتها هذه الجماعات ، يتواءم مع متغيرات العصر ، ولو نسبيا خصوصا وان كل او اغلب جماعات الاسلام السياسي ، لا تعترف بأي شرعية اسلامية حقيقية للمؤسسات الدينية القائمة في العالم الاسلامي ، لذلك كان لا بد ان تكون ، هي الحامل التاريخي لعقيدة المؤمنين الحقيقين او امة الاسلام ، كما ولدت نقية في مكة والمدينة ، فكل تنظيمات الاسلام السياسي تسيطر عليها ذات الفكرة ، المشكلة تاريخيا او قل المزعومة ، بأنها هي الفرقة الناجية من بين كل فرق الاسلام ، ولا بد للفرقة الناجية ان تنتهج " منهاج النبوة " ( قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : تكون النبوة فيكم ما شاء الله أن تكون ، ثم يرفعها الله إذا شاء أن يرفعها ، ثم تكون خلافة على منهاج النبوة فتكون ما شاء الله أن تكون ، ثم يرفعها الله إذا شاء أن يرفعها ، ثم تكون ملكًا عاضًا - يصيب الرعية فيه عسْفٌ وظُلْم ، كأنَّهم يُعَضُّون فيه عَضًّا - فيكون ما شاء الله أن يكون، ثم يرفعها إذا شاء الله أن يرفعها،ثم تكون ملكًا جبرية فتكون ما شاء الله أن تكون ، ثم يرفعها الله إذا شاء أن يرفعها ، ثم تكون خلافة على منهاج النبوة ، ثم سكت . رواه احمد ) ومنهاج الخلافة الراشدة في البناء العقائدي المتجدد ، وليس الجديد والبناء التاريخي السياسي ، في مواجهة الاخر الغير ناجي ، حيث اصبح من مهمات هذه التنظيمات ، التي جميعها تؤمن بذات الفكرة ، بذات الزمن ، ان تستعيد النموذج الاسلامي الاول ، النموذج المؤسس للإسلام ذاته ، بكل تفاصيله ، وقد يستثنى منه فقط ، عدم وجود النبي عليه السلام ، وانقطاع الوحي ، وباستثناء ذلك ، يمكن اعادة تأسيسه ، ما دام كل ادوات وجوده التاريخية لا زالت حية وفاعلة ، وهي المنهج والنظام وسندهما وهما القران والسنة .
ومع ان القران لم يقدم شكل محدد لدولة ما ، او مؤسسات لها ، ولم يستخدم مصطلح دولة اسلامية و او خلافة اسلامية بشكل مباشر ، او غير مباشر ، إلا ان لي عنق النصوص وتفسيرها وتأويلها ، من قبل الفقهاء والمفسرين فيما بعد ، والذي ترك ارث فقهي كبير ، يمكن الانتقاء والاختيار منه ، بالشكل الذي يتناسب مع مفاهيم هذه التنظيمات والجماعات ، دون جهد كبير منها ، يضاف الى ذلك ، الارث الاكبر المصدر الثاني من مصادر التشريع في الاسلام ، كما قام بالتأسيس له ايضا الفقهاء او علماء المسلمين ، وهو الحديث النبوي ابتداء من الحديث المتواتر الى الحديث الضعيف وحتى الموضوع ، الذي اصبح طاغي او يطغوا ، الاستناد اليه في التشريع والتفسير ، حتى على حساب القران ذاته ، فهو النص المفسر والشارح ، والذي يؤل القران فيما استشكل فيه ، او فيما لم يتم ذكره او تفصيله ، حتى اصبح وهو كذلك ، معرفيا او ابستومولوجيا ينافس النص الاول ، او يتجاوزه ، وان كان لم يقم الخطاب الديني لهذه التنظيمات بقول ذلك صراحة او مباشرة .
ان الاسلام الرسمي بكل فرقه ومذاهبه ، وما نتج عنها من جماعات وتنظيمات ، فيما بعد يؤمن ايمان راسخ بان الاشكالات التي رافقت ولادة عصر التدوين ، فيما يخص الحديث النبوي قد انتهت بانتهاء علماء المسلمين من تثبيت اركان علوم الحديث ، من حيث السند والمتن والأنواع او الدرجات ، وحجية الاحتجاج بهذه الاحاديث في الامور الاعتقادية ، ولا مانع لدى هذه التنظيمات ، من تأسيس معتقد جديد ، او تشريع جديد ، بناء على حديث نبوي واحد دون ربطه مع سياقه العام او التاريخي والعقائدي ، ومهما كان مدى التشكيك في سنده او متنه ، ما دام يخدم اغراضها وأفكارها ويبرر لها ممارساتها .
وفي ظل الازمة القائمة الان في العالم العربي ، والناتجة عن ما اطلق عليه الربيع العربي ، ولأسباب مختلفة تحتاج الى دراسات علمية معمقة ، تسيدت جماعات وتنظيمات الاسلام السياسي ، المشهد العام وأصبح خطابها السياسي المختلط بالدعاوي والمعتقدات الدينية ، المختلفة هو المشهد الثابت ، الذي تدور داخله وحوله ، مختلف الصراعات العقائدية والسياسية ، وكان لا بد لهذا التيار من توظيف المخزون العقائدي الذي يملكه ، في معاركه العقائدية المختلفة ، وعلى رأسها ايات القران المبتورة عن سياقها التاريخي والفقهي ، وكذلك الاحاديث النبوية المشكلة لفكر هذه الجماعات ، و هي الجزء الاهم الذي اصبح يرفع على اسنة الرماح ، في وجه عامة المسلمين ، وفي وجه التيارات الاخرى ، والأنظمة السياسية ، ولا يوجد ابرز من حديث منهاج الخلافة ، من ان يشكل بحد ذاته خطاب سياسي وتاريخي وعقائدي مكتمل ، يمكن الاستناد عليه في اعلان ولادة دولة الخلافة المنتظرة ، بغض النظر عن وجود اي ظروف موضوعية ، لازمة لإقامة اي كيان سياسي ، لان المهم حسب هذه الجماعات والتنظيمات ، ان النبوءة لا بد تتحقق ، شاء من شاء وأبى من ابى ، هكذا يجب ان يكون الامر ، حتمية اسطورية ، تفرض نفسها على الواقع ، وتغير مسار التاريخ ، حتى يخضع لرغباتها ، مع ان هذا الحديث وكما ورد في كتب فقهاء المسلمين ، كان مدار خلاف في سنده ومتنه ، وفي افضل الاحول تم تصنيفه على انه حديث حسن ، هذا ان لم يكن حديث موضوع اصلا ، ومع ذلك اصبح كل ذلك غير مهم شأنه ، شأن الكثير من الاحكام المبنية على احاديث نبوية مشكوك في صحة نسبتها الى الرسول عليه السلام ، فالمهم فقط هو اقامة الخلافة وتحكيم شرع الله وهو ما فعلته داعش وما يطمح اليه الداعشيين الاخرين المنتظرين لفرصتهم التاريخية .
#نضال_الابراهيم (هاشتاغ)
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟