أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - سيرة ذاتية - أحلام طرايرة - يموت الآباء، فنموت معهم وإن بدا غير ذلك














المزيد.....

يموت الآباء، فنموت معهم وإن بدا غير ذلك


أحلام طرايرة

الحوار المتمدن-العدد: 4504 - 2014 / 7 / 6 - 18:05
المحور: سيرة ذاتية
    


تغدرنا الحياة، تغدرنا كثيرا. ونتقبل غدرها كسُنّة، كجزء لا يتجزأ من عقد وجودنا عليها. لكننا نرفض ثم نرفض ثم نرفض أن تغدرنا في آبائنا. هي فكرة ليست واردة، وبندٌ لا نوقّع عليه. حتى وإن أخذنا ذلك سنيّ دنيانا كلها، نبقى معتصمين خلف أسوار برلمانها ومطبخها السرّي نرفع لافتات: لا نسمح لآبائنا أن يموتوا؛ لا لموت الآباء؛ الآباء خط أحمر لا يمكن تجاوزه...

وهي- الحياة- بكل صفاقة، لا تأبه بنا وبرفضنا وبوجودنا كله، فتضربنا- أينما ووقتما شاءت- في أعمق مقتل، ذاك الذي ظننا ضلالا أن لا يد غدر تطاله أيا كانت درجة خبثها. تضربنا هناك حيث لا عزاء ولا شفاء ولا حياة بعده.

لا عزاء في أن يموت والدك وأنت في الثلاثين فيما مات آباء لآخرين وهم لم يتجاوزوا طفولتهم بعد. لا عزاء في أن يموت أباك وقد ترك لك بيتا وأرضا وثروة فيما مات آباء آخرين فقراء تاركين من خلفهم معوزين. لا عزاء في أن تتزاحم حشود من الناس في جنازة والدك وميتمه وأن تمتد صلاة جنازته لأكثر مما ينبغي لأن الإمام لم ينتهِ من ذكر مآثره بعد فيما يموت آباء آخرين بصمت موحش. لا عزاء في أن يموت أباك وهو راضِ عنك فيما يموت آباء لآخرين غاضبين حزانى. لا عزاء في كل ذلك. لا عزاء عندما يموت الأب. هذه لافتة أخرى على المغدورين في آبائهم أن يرفعوها احتجاجا على كل محاولات التعزية والمواساة التي يغرقون فيها بعد فجيعتهم. لا عزاء عند موت الأب وكفى.

لا شفاء من موت الأب. قد يقولون بعد عام؛ بعد عشرة؛ بعد عشرين؛ بعد مائة عام. قد يقولون لا يزال جرحنا أخضرا ولهذا نظن أننا نقول باللا شفاء. لكنني لا أعرف أحدا شفي من مصابه بأبيه. لا أحد، وإن بدا غير ذلك، وإن ادعى غير ذلك. موت الأب جرح لا يلتئم وإن اجتمعت الإنس والجن على أن يقولوا بغير ذلك، هو لا يلتئم.

تروي عمتي الأرملة منذ ما يزيد عن العشرة أعوام والتي أنجبت ابنتها الأخيرة بعد خمسة شهور من موت زوجها أنها وجدت رسائل سرّية تكتبها طفلتها لأبيها تقول فيها أنها تمنّت لو أنه عاش فقط ليوم مولدها، ليعرفها على الأقل، ليعرف أن له ابنة صغيرة، ليحملها بين يديه فتستطيع أن تقول لصديقاتها اليوم أنها كانت في حضن والدها يوما. هذا ما يتركه موت الأب. لا شفاء حتى لأولئك الذين لم يعرفوا آباءهم يوما. لا شفاء لنا من موت آبائنا وكفى.

لا حياة لنا بعد آبائنا. يخيّل إلينا- أحيانا- أن الحياة وقحة لدرجة أنها تستمر بعد موت آبائنا. لكنها لا تستمر. الحياة بالمعنى الحقيقي للحياة هي أن تستمع لصوت أنفاس والدك في ذبذات الهواء أينما ذهبت وحتى آخر نفَس لك. الحياة هي أن يكون لأبيك حصة في الهواء الذي تتنفسه حتى آخر نفَس لك. الحياة هي أن يشهد والدك كل نجاحاتك وخيباتك. أي نجاحات تظن أنك محقق بعد موت والد؟ أي خيبات ستنهض منها بدون يد والدك؟

هذه الأنفاس التي تأخذها أنت بعد موت أبيك ليست إلا خيالات. أنت يتيمٌ منذ اللحظة التي يموت فيها والدك، صغير كنت أم كبير؛ غنيّ كنت أم فقير؛ عظيمٌ كنت أم حقير. في اليتم، يتساوى الجميع، ولا حياة في اليتم، حتى وإن بدا لك وللآخرين غير ذلك. لا حياة في اليتم وكفى.



#أحلام_طرايرة (هاشتاغ)      



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- سكارليت جوهانسون: سفيرة أوكسفام اللا إنسانية
- جميلٌ لو أنهم كثيرون قليلاً
- حين ينسى التحرري ذكوريته في جيبه
- كُفرٌ على كُفرٍ على كُفر
- ماذا لو اختفت النقود من على وجه الأرض؟
- يهاجر النبي قسرا، فيحتفل المسلمون!
- لا مهدي ولا مخلّص، أنتم ومنكم وفيكم الحلّ
- حين يكون القتل موهبة!
- قل لي أيّ إله تعبد أقُل لك من أنت
- وطنيون لا يعرفون الوطنية
- إسرائيل جميلة، الجزيرة تقول ذلك
- العلمانية هي دولة الله
- مرض عضال اسمه الغباء الخطابي العربي
- أنا زلمة!
- حسن وجميلة، حيث وُلدت النكبة
- الإخوان المتخفّين بقناع (حماكِ الله يا مصر!)
- بلاد الموت قهراً هي بلادي
- سّحل الجثث يدوم ما دام القتل شرعياً
- مع براعم وضدّ طيور الجنة.. أطفالنا بين الحياة و الموت
- كذبة الفقر والفقراء.. إحدى أكبر كذبات التاريخ!


المزيد.....




- هبوط حاد لأسهم الأسواق.. الصين تواجه ترامب
- محمد نبيل بنعبد الله ضيف بودكاست “Talks21”
- زيلينسكي: تركيا بوسعها لعب دور مهم للغاية في توفير ضمانات أم ...
- إعلام: بريطانيا تقدم تنازلات للتخفيف من أثر الرسوم الجمركية ...
- المستشارة القضائية الإسرائيلية: إقالة رئيس -الشاباك- يشوبها ...
- الحكومة السورية: فلول النظام السابق ارتكبت انتهاكات بحق الأه ...
- تركيا تفقدت ثلاث قواعد جوية في سوريا قبل قصفها من قبل إسرائي ...
- الموفدة الأمريكية أورتاغوس تبدأ زيارة إلى بيروت
- إعلام: ماكرون مستعد لتمثيل أوروبا في مفاوضات السلام الأوكران ...
- رئيس الوزراء الكندي يدلي بتصريح جريء بشأن الولايات المتحدة


المزيد.....

- سيرة القيد والقلم / نبهان خريشة
- سيرة الضوء... صفحات من حياة الشيخ خطاب صالح الضامن / خطاب عمران الضامن
- على أطلال جيلنا - وأيام كانت معهم / سعيد العليمى
- الجاسوسية بنكهة مغربية / جدو جبريل
- رواية سيدي قنصل بابل / نبيل نوري لگزار موحان
- الناس في صعيد مصر: ذكريات الطفولة / أيمن زهري
- يوميات الحرب والحب والخوف / حسين علي الحمداني
- ادمان السياسة - سيرة من القومية للماركسية للديمقراطية / جورج كتن
- بصراحة.. لا غير.. / وديع العبيدي
- تروبادورالثورة الدائمة بشير السباعى - تشماويون وتروتسكيون / سعيد العليمى


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - سيرة ذاتية - أحلام طرايرة - يموت الآباء، فنموت معهم وإن بدا غير ذلك