ميثم الجنابي
(Maythem Al-janabi)
الحوار المتمدن-العدد: 1228 - 2005 / 6 / 14 - 10:35
المحور:
اليسار ,الديمقراطية, العلمانية والتمدن في العراق
تبرهن التجارب التاريخية للامم جميعا على ان السقوط الى الحضيض هو الصفة الملازمة لحالة الانحطاط. ومن ثم فان كل احتمالات السقوط واشكاله تصبح قابلة للتبرير مازال مسوغها استعداد الانحطاط على قبول كل فعل وذريعة. فالانحطاط هو ليس نفسية وذهنية وواقع، بل وقابلية، اي استعداد على قبول مختلف اصناف الرذيلة وتقديمها بالشكل الذي يلائم "ذوق الجمهور". وهو ذوق منحط بالضرورة. وهو السبب الذي يفسر سر العدوى السريعة للطائفية الاخذة في التغلغل الى دهاليز الرؤية السياسية في العراق، بما في ذلك دهاليز الحركات القومية الكردية. وهو واقع يمكن تفسيره بمعايير الانحطاط العام الذي غرست التوتاليتارية البعثية والدكتاتورية الصدامية جذوره الطائفية على هيئة "منظومة" تخترق كل مكونات الوجود المادي والمعنوي للعراق، بحيث حولت الدولة الى سلطة، والسلطة الى اجهزة قمعية، واجهزة القمع والقهر الى اسلوب لوجود "المؤسسات" التي لا تتعدى وظائفها اكثر من اعادة انتاج الارهاب الشامل. وهي حالة لم يكن بامكانها الدوام والاستمرار دون آلية ترافقها على مستوى العلاقات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والاخلاقية. وشكلت الطائفية نموذجها الاكثر "حنكة"، اي الاكثر تجسيدا لنفسية المؤامرة والمغامرة، التي ادت بدورها الى صنع مستنقع الرخويات الهائل في العراق. وهي رخويات تتراكم الان وتنمو بنماذج مختلفة لعل اكثرها خطورة وتدميرا هو الطائفية السياسية. واذا كان سقوط التوتالتيارية والدكتاتورية يفترض من الناحية المنطقية، ان تأخذ القوى والاحزاب السياسية العراقية، على خلفية "نضالها التاريخي"، زمام المبادرة بالشكل الذي يجفف مصادر المستنع الطائفي للماضي، فاننا نلاحظ العكس. بمعنى اننا نلاحظ تحولها من حالة المؤامرة الخفية والمغامرة الشرسة الى "منظومة ديمقراطية" كما تجسدت وما تزال بمبدأ وممارسة المحاصصة. وهي ظاهرة يمكن تبريرها جزئيا الا انه لا يمكن الاقرار بها كمبدأ للدولة والحركة السياسية الداعية الى فكرة الدولة الشرعية والحقوق المدنية.
الا ان الواقع يكشف عن الانهماك الفعال في "ترتيب البيت العراقي" على اسس المحاصصة "الديمقراطية" اي المحاصصة المبنية من حيث الجوهر على طائفية سياسية مغلفة سوف تنكشف مضاميتها الفعلية مع مرور الزمن. وهي ظاهرة شكلت الحركة القومية الكردية احد مفعليها ومؤيديها وداعميها والمؤسسين لها. فقد كان الهاجس القومي الكردي بعد "الرجوع الى العراق" تجزئته الفعلية على اسس عرقية من اجل نيل اكبر قدر ممكن من الثروة، اي ان الهاجس فيه كان نفسية الغنيمة. وهو المضمون الخفي والعلني لفكرة الفيدرالية والحقوق القومية والمحاصصة السياسية والادارية والمالية والتمثيل الداخلي والخارجي، باختصار في كل شئ. اي ليس الاشتراك في ادارة شئون الدولة على اسس المشاركة الاجتماعية والسياسية، بل على العكس، قلب الادارة الى "قيادة" مبنية على اسس "حقوق المحاصصة" الاقطاعية. وهو الخطأ الذي ساهم فيه بحمية بالغة الى جانب الحركة القومية الكردية زعماء الحركات الشيعية السياسية والدينية وغذته بصورة غير مباشرة الطائفية السياسية السنية. وهو "المثلث" المكعب للخراب في العراق المعاصر الذي شكل "انتخاب" الطالباني رئيسا للجمهورية الرابعة احد مظاهره التعيسة.
فقد كان "انتخاب" الطالباني تكريسا للطائفية السياسية. وهو حكم لا علاقة له باصول الطالباني الكردية، على العكس من ذلك. اذ ان منطق الديمقراطية والشرعية يفترض الكفاءة والانتماء الصادق والمصداقية الاجتماعية والاجماع الوطني المحكوم بتأييد الشعب ورغبته في انتخاب من تراه مناسبا لتمثيل وحدتها الوطنية. وهي حالة وثيقة الارتباط بمستوى التطور الاجتماعي والسياسي. واذا كان تحقيقها في ظروف العراق الحالية قضية غاية في التعقيد، فان المهمة السياسية الكبرى لا تقوم في القبول بحالة التخلف والانحطاط، بقدر ما تفترض مواجهتها كما هي بمعايير البدائل العقلانية، اي المستقبلية. بينما كان "انتخاب" الطالباني يشكل من حيث مضمونه السياسي والاجتماعي خروجا على منطق الرؤية الديمقراطية وفكرة الرمز الوطني الجامع والاغلبية الاجتماعية والسياسية. وهو خروج يمكن تفسيره باعتباره الثمرة المرة للطائفية السياسية.
وهي طائفية تستمد مقوماتها مما ادعوه بالضعف البنيوي للحركة القومية الكردية في العراق وبقائها ضمن معايير العرقية ونفسيتها. من هنا استعدادها للتلون بكافة الالوان بما في ذلك الطائفية الدينية منها والسياسية. وهو الامر الذي يجعل منها حركة تخريبية هائلة، بفعل تركبها من مكونات يصعب تراكمها في ظل التطور الطبيعي للحركة القومية. بعبارة اخرى ان احتواء الحركة القومية الكردية على استعداد لقبول القومية والعرقية والماركسية والطائفية والعلمانية والتدين والتعاون مع مختلف الاطراف والقوى ومناهضتها والتحول المفاجئ في الاقوال والمواقف والرؤية هو التعبير السياسي عن ضعفها البنيوي التاريخي والاجتماعي. من هنا خطورتها بوصفها حاملة لجرثومة الطائفية السياسية المركبة في العراق. ومن ثم استعدادها على تفعيل القوة التخريبية للطائفية السياسية. وبهذا المعنى اتكلم عن الخطأ التاريخي "لانتخاب" الطالباني رئيسا للعراق. "فانتخابه" لم يكن وليس بامكانه ان يكون عاملا للتوحيد والوحدة كما يبدو للوهلة الاولى، بل على العكس من ذلك!
ان الوحدة الوطنية والوفاق الوطني والجامعة الوطنية ليست لعبة الوفاق السياسية ولا حتى المساومة السياسية بافضل اشكالها، بل النتاج الموضوعي والضروري لتكامل الشعب والدولة والمؤسسات الحقوقية والشرعية في عملية بناء الهوية الوطنية. وبالتالي فهي النتيجة المتراكمة فيما يمكنه ان يكون ايضا نوعا من"الاجبار" الشرعي للجميع على ممارستها والوقوف امام نتائجها وتقبلها كما هي من اجل اعادة النظر فيها واستخلاص الدروس والعبرة منها. في حين لم يكن "انتخاب" الطالباني سوى لعبة خائبة لقوى مقهورة لم تعرف قيمة المواجهة العلنية للحرية ومستلزماتها واستحقاقاتها. من هنا كان "انتخاب" الطالباني فعلا يناقض فكرة الحرية والشرعية والاجماع الوطني بمعناه الاجتماعي والسياسي وليس بمعناه الحزبي الضيق. وضمن هذه المعايير يمكن اعتبار "انتخابه" لرئاسة الدولة فعلا تخريبا ايضا بالنسبة للوحدة القومية الكردية بمعناها الاجتماعي ومضونها الوطني (العراقي). وذلك لما فيها من اثارة لتسوسها الداخلي مع ما يترتب عليه من اثارة للجهوية والعائلية والقبلية والعرقية فيها. وهي اثارة سوف تكشف مع مرور الزمن هشاشة الحركات القومية الكردية من جهة والثمن الباهض الذي قد يدفعه الشعب الكردي نفسه جراء الانجرار وراء قوى لا تمثل في الواقع سوى تقاليد الاقطاعية والاغوات والدكتاتورية الصغيرة من جهة اخرى، اي انه سوف يكشف عن طبيعة النوعية الرديئة لمسحوق الحركات القومية الكردية التي لونت به وجهها لسنوات طويلة. وهي مساحيق سوف تنطلي بسرعة بالغة. مما يعطي لنا امكانية الحكم بهذا الصدد على ان الحركات القومية الكردية بشقيها الطالبانية والبرزانية هي حركات مستعدة لقبول اردأ اصناف الانحطاط، بما في ذلك الانحطاط الطائفي. ومن ثم يمكنها، وهو ما يجري بالفعل، ان تكون احدى القوى الاكثر تفعيلا للنعرات الطائفية السياسية في العراق. وهو تحول يمكن ملاحظته في تزاوج وتمازج عبارات ومفاهيم وممارسات مثل "اننا حركة قومية تحررية" و"اننا حركة كردستانية" و"اننا حركات كردية عراقية" و"اننا سنة ايضا"! "لكننا نتحالف مع الشيعة"!
بعبارة اخرى، ان التحالف لم يجر مع حركة قومية عربية (وهو امر مفهوم) ولم يجر مع السنة العرب (وهو امر مفهوم ايضا) ولم يجر مع قوى وطنية عراقية (وهو امر معقول!). الا ان اللامعقول فيه هو تفعيله السياسي ورفعه الى مصاف "الروية الوطنية العراقية" مع قوى شيعية سياسية على حساب الاخرين وبالضد منهم! وهو امر يشير اولا وقبل كل شئ الى ما اسميته بالضعف البنيوي للحركات القومية الكردية واستعدادها للتلون باي لون بما في ذلك بالطائفية الدينية منها والسياسية. وهي حالة كشف عنها الطالباني في اول اجابة له على سئوال استفزازي من جانب الطائفية الاردنية البدوية عن سبب عدم اشراك العرب السنة في الحكومة، حيث اخذ يعدد لهم الوزراء السنة (فلان وفلان وفلان) ولم ينس ان يضيف بان الاكراد سنة ايضا! وهي اجابة تعكس الخلط الغريب في الرؤية والمواقف والانجرار وراء معالم الانحطاط من جهة، واعتبارها حالة طبيعية وجيدة من جهة اخرى. ذلك يعني اننا نقف امام تحويل الطائفية السياسية الى جزء من ممارسة الدولة وقواعد فعلها ونوعية "ديمقراطيتها". بينما لا يعني "الاشراك" بصيغته الانفة الذكر سوى الاستعادة الموسعة للصدامية.
وهنا يبرز السؤال الجوهري عما اذا كان هذا التحول من "القومية العلمانية" الى الاقرار بشرعية الطائفية والدفاع عنها هو تحول عرضي طارئ وصدفة محكومة بطبيعة المرحلة الانتقالية ام انه نتاج ملازم للحركة القومية الكردية؟ في اعتقادي ان صفة التلازم هي الاكثر انطباقا. وذلك لاننا نعثر على قوى سياسية علمانية لم تنخرط في لعبة الطائفية، كما هو الحال بالنسبة للشيوعين مع انهم يمثلون من الناحية العملية نفسية وذهنية الاقليات القومية والدينية. والشئ نفسه يمكن قوله عن القوى الديمقراطية والوطنية العراقية الاخذة في التبلور رغم ضعفها الملموس على خلفية الانحطاط الشامل في ظروف العراق الحالية.
فالتلازم الداخلي بين الحركة القومية الكردية والاستعداد الذاتي لقبول الفكرة الطائفية ينبع اولا وقبل كل شئ من الضعف البنيوي المميز للحركة القومية الكردية، الذي عادة ما يجعلها اكثر ميلا لنفسية وذهنية التجزئة. فهو الوسط الذي تشعر فيه بنفسها على انها "عنصر مكونا" و"طرفا فاعلا" و"قومية متميزة" و"قوة لا يستهان بها"، اي كل المكونات التي تجعل من لعبة المحاصصة والتجزئة المفتعلة للعراق جزء من الرؤية "الاستراتيجية" للحصول على "الحقوق والمكاسب". بينما لا تتعدى هذه الممارسة من حيث مقدماتها التاريخية ونتائجها السياسية اكثر من اوهام. لكنها اوهام مدمرة. وسوف تظل هكذا ما لم تحسم الحركة القومية الكردية بصورة صميمية اشكالية القومي والوطني (الكردي والعراقي) والديني والدنيوي. ولا يمكن حسمها بصورة متجانسة وايجابية دون تذليل الضعف البنيوي للحركة القومية الكردية. والا فان ممارساتها سوف لن تؤدي الا الى توسيع الابعاد الهمجية في مثلث اربيل – السليمانية - دهوك مع ما فيه من هشاشة وضعف وتجزئة لا يحلها الا عراق مؤسس على مثلث الدولة الشرعية والنظام السياسي الديمقراطي والمجتمع المدني.
***
#ميثم_الجنابي (هاشتاغ)
Maythem_Al-janabi#
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟