عباس العنبكي
الحوار المتمدن-العدد: 1191 - 2005 / 5 / 8 - 07:52
المحور:
اليسار ,الديمقراطية, العلمانية والتمدن في العراق
بعيدا عن المعنى القانوني للألفاظ يدور جدل بين طيفي الديكتاتورية والاحتلال موضعه،هل أن ما حصل في العراق تحرير أم احتلال؟
يرى أنصار الديكتاتورية إن ما حصل هو احتلال بكل المقاييس ذلك أن النظام السابق هو نظام وطني قومي إسلامي ذات بعد إنساني.وإن استهدافه إنما هو حسد لما وصلت إليه الأمة بقيادته من تقدم ورقي. واستهداف للامة العربية وكرامتها وعزتها وبوابتها الشرقية وأملها بتحرير أرض العروبة من النهر إلى البحر.فهو من خلال ملحمة الأنفال الكيمياوية وحد العراق وبقادسيته المجيدة الثانية حمى البوابة الشرقية للامة إن كان لها أبواب وأوقف (بمساعدة أمريكا طبعا) زحف موجات (المجوس). وهو النظام العربي الوحيد الذي أمسك بخارطة الطريق الصحيحة من أن الكويت تقع على طريق بغداد القدس.
ويرى هؤلاء أن قائدهم الكريم المفدى أول من وضع بصدق شعار نفط العرب للغجر عفوا للعرب موضع التطبيق من خلال كابونات النفط زكية الرائحة وعطر العقول،بل جعل شعار النفط سلاح للمعركة يمزق سمعة لجنة النفط مقابل رغيف الخبز بل إن فعالية هذا السلاح تجاوزت المدى وأصابت نزاهة أمين الأمم المتحدة وحفيده ومساعديه وبدل الخبز والدواء كان الذهب والمرمر وحور العين.واستطاع أن يطهر الشعب من كل شائبة أو لوثة من خلال مقابر الرحمة الجماعية والسجون والمنافي والتف الشعب حوله إلا القادمين من خارج الحدود عبر نظام أمني محكم هو النواة لأمن عربي قوي من أجل تحقيق أهداف الأمة المجيدة في الوحدة والحرية والاشتراكية خالدة الذكر.
أما دهاقنة المحتل فانهم يرون إن ما حصل في العراق إنما هو تحرير بكل ما يحمله العقل من معاني لهذا اللفظ،ذلك أن المفهوم المعاصر لم يعد يتوافق مع المفهوم التقليدي بعد ظهور مبدأ التدخل الإنساني بصيرورة العالم قرية صغيرة،وبالتالي فان وجود قوة أجنبية بالقوة على أرضي دولة أخرى بالقوة ورغم أنف الأمم المتحدة لاستبدال سلطة ديكتاتورية بسلطة متعددة الجنسيات هو تحرير وليس احتلالا. ,وإن إقرار الأمم المتحدة للاحتلال صراحة إنما هو من باب حسن النية لتلك القوات لإضفاء حماية اتفاقيات جنيف للشعب العراقي، والأعمال بالنيات، ناهيك عن الضمانات الكامنة في طبع تلك القوات كونها ديمقراطية بالفطرة لذا فإن سلوكها يحول بلا وعي دون حصول انتهاكات بحق الشعب العراقي.
ويضيف هؤلاء،ثم إن ما حصل لم يكن مؤامرة، أو لنقل بشفافية لم يكن ضمن مخطط إستراتيجي بل هو ردة فعل عفوية بريئة لأحداث أيلول سبتمبر(قميص عثمان) مقترنة بعجز الشعب العراقي المسكين من التخلص من النظام،إضافة لما يمثله النظام العراقي السابق من تهديد للمجتمع الدولي( بخردة) أسلحته وجحافل جيوشه التي تبخرت قبل حرارة المعركة.ثم أن هناك ضرورة تاريخية تكمن بحتمية انتقال الأنظمة المارقة إلى أنظمة ديمقراطية شفافة فدرالية مدجنة لتحرير العبيد وعولمتهم لتلتحق الشعوب المتخلفة بركب الحضارة.وقبل هذا وذاك هداية ربانية أفاض بها القابض الرحيم على السيد بوش، وما كان للقديس الطاهر إلا أن يستجيب لنداء الروح لتحرير المعذبين في الأرض وما التوفيق إلا بالله.
وللحقيقة نذكر إن الطيفين يمسكان بعصا سيادة القانون واستقلال القضاء برعي نعاج الرب ويتفقان أن المقابر الجماعية والتعذيب وتهديم المدن وإنفلات الأمن سببه الخونة والإرهابيون والقادمون من خارج الحدود ودول الجوار ولا ذنب للشرطي في حماية الأمن بل العلة بالسارق فهو يقلق الأمن ولن يكف رغم نصائح الإعلام الموجه سابقا والحر اليوم. إلا إذا كانت سوريا هي دولة احتلال فهي ملزمة بتوفير الأمن بموجب القانون الدولي لان الخاص يقيد العام.ثم لماذا نتكلم عن مقابر اليوم والتعذيب إذا كانت موجودة بالسابق إنها ليست حدثا لتستحق الحديث.ويبقى الفرق الوحيد أن ما يحصل في السابق هو إرهاب دولة منظم أما ما يحصل اليوم من كم في الانتهاكات وجسامة فهو خطأ فردي لا يعبر عن منهج وسلوك القوات متعددة الجن سات.
أما الرعاع من العامة وأنا منهم ورثة لعنة العيارين والقرامطة ممن لا منبر لهم إلا ما رحم ربي ولا كرسيا لهم في جمعية أو حكومة لعدم الجواز الشرعي، ممن يتكأ في إيصال صلاته على عصا مولانا أو الرفيق الملهم، وممن صادر النظام السابق حقهم في تعليم اللعب على الحبلين ولا طائفة لهم ولا عرق،فهم لا يروا تحريرا ولا احتلالا ولا تغييرا فهم لا عقل لهم ولم يعرفوا المنطق والفلسفة ولو بالفطرة وسياستهم رغيف خبزهم فهم كالمرآة تعكس الأشياء دون وعي.فالمقابر الجماعية والتعذيب هو واحد عندهم سواء كان ديكتاتوريا أم ديمقراطيا والفرق مع المقابر والسجون في السابق كانت جدران بغداد ملطخة بصور الرئيس وشعارات الحزب القائد أما مقابر ومعتقلات اليوم فمعها زينت جدران بغداد بصور المقابر الجماعية القديمة للمقارنة فقط مع شعار الديمقراطية(أنا أفتح بابي لن أخاف بعد اليوم أحدا) إنها رحمة من العزيز الجليل.
ولكن لو أراد أحد الرعاع أن يلوث نقاء فطرته بالمنطق ويبحث عن الفرق بين الصورتين فان المقدمة المنطقية من أن الديكتاتورية والاحتلال وجهان لعملة واحدة تعيده إلى صحة ما يشاهده للصورتين.أما إذا استرق قليلا من العقل فسينتهي للمثل القائل نفس الطاس ونفس الحمام.ولكنه سيشعر مع توحد الشكل العام للصورتين أن هناك فرقا وتغييرا وإن كان طفيفا.وفي لعبة السفسطة يظن أن هناك تغييرا، فحاشية عصابة الديكتاتور أصبحوا مستشاري الديمقراطية و مفسدو النظام السابق باتوت مصلحيه وأن من أجاز بقراره القضائي القبر الجماعي للأفراد يقاضي اليوم منفذي قراره وأمسى الخصم والحكم.عندها سيدرك الرعاع يقينا عقم عقولهم ويصرخون بملأ فيهم،إنها ثورة كبيرة وجبارة،إنها ثورة الانتهازيين فهم فوق الميول والاتجاهات وأجسادهم تهتز لكل لحن يعزف وهمهم خدمة الطالح العام.
نسلم اليوم بان هناك صورتين متناقضتان ،الأولى عيادة طب اسنان طبيبها بليد ما أن تفتح فاك يقلع رقبتك بدل ضرسك، والثانية سوق صفارين لا نفع للأفواه فيه إلا من باب الثرثرة.فأيهما صورة تحرير وأيهما صورة احتلال.
عباس العنبكي
#عباس_العنبكي (هاشتاغ)
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟