|
علم الآثار والأيديولوجيا العروبية / الإسلامية
طلعت رضوان
الحوار المتمدن-العدد: 4110 - 2013 / 6 / 1 - 14:27
المحور:
العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
نشرتْ صحيفة القاهرة (28/5/2013) مقالابعنوان (هل يوجد ما يُسمى منظوراسلامى لعلم الآثار؟) للأستاذ خالد عزب شغل أكثرمن 90%من مساحة الصفحة. قرأتُ المقال فإذا به دفاع عن العروبة والإسلام (وهذا حق الكاتب) ولكن ما علاقته بعلم الآثار؟ ذكرالكاتب أنّ البعض (اتخذ المنهج الغربى فى دراسة الآثاروالنظرإليها فعظمها ومجّدها دون أنْ ينتقد الانحراف العقائدى لدى الأمم السابقة) ولأنّ الأيديولوجيا سابقة التجهيزآفة تنخرعقل أى باحث، تجاهل ما ذكره فى تعريفه لعلم الآثارإذْ ذكرأنه (علم الوفاء للقديم والحرص على تتبع مسيرة التطورالتى سلكتها الحضارة البشرية فى عصورها الماضية. واستخلاص القيم الثقافية والعلمية والجمالية من كل ما أبدعته قرائح الإنسان.. تجسيدًا لمعتقداته. ويدرس الآثارلذاتها.. بلسان أهلها وزمانها إيجابًا وسلبًا ولاتنفصل عن كيانهم فى الزمان والمكان والتأمل والخيال) فهذا التعريف العلمى يهدم ما ذكره عن (الانحراف العقائدى لدى الأمم السابقة) وجاء الهدم بمعول (المازورة) التى وضعها الكاتب لعلم الآثاربحيث تأتى متطابقة لما ورد فى القرآن. وبنص كلماته (حفلتْ الدراسات الآثرية بالعديد من الرؤى لنشأة الكون بعضها يتفق مع ما ورد فى القرآن الكريم والأحاديث النبوية) وبعد أنْ ذكرأنّ إله الكون فى النصوص المصرية خلق نفسه بنفسه دون أب أوأم إلخ كتب (أليستْ هذه الصفات تـُذكرنا بسورة الاخلاص (قل هوالله أحد) لينتهى إلى القول إلى أنّ (هذه الدراسات فى حاجة إلى مزيد من البحث عن إله الكون عند المصريين القدماء والعراقيين. والبحث سيتركزعلى تخليص الدراسات الآثرية من الانحرافات العقائدية التى شابتْ الديانات القديمة) و(الانحرافات العقائدية) موجودة على بردية أوجدارية، وإذن فالمطلوب من الباحث التدخل فى (متن) الأثر كى يُخلصه من الانحرافات ويأتى متطابقـًا مع (مازوة) الإسلام، لأنّ الكاتب كتب (تـُشيرالعديد من الدلائل الأثرية إلى معرفة قدماء المصريين للتوحيد.. لكن يبدوأنّ المصريين حرّفوا الديانة السماوية التى كان يؤمن بها أبوالبشرآدم فلم يكتفوا باسم واحد للخالق إلخ) وهذا الكلام إنْ جاز فى كتب التوعية الإسلامية، إلاّ أنه لاعلاقة له بلغة العلم، لأنه أضاف (فالأصل عند المصريين القدماء هوتعدد الآلهة.. على العكس مما نراه لأننا نؤمن بالواحد القهار) كلام لا لبس ولاغموض فيه أننا إزاء شيخ فى جامع وليس باحث فى محراب العلم. وأسعدنى أنّ الكاتب لايُخفى توجهه الأيديولوجى، فهوينتقل من علم الآثارإلى نقد نظرية التطورالطبيعى للكائنات الحية فبدأ فقرته هكذا (ينظرالمسلمون إلى الإنسان ككائن حى ميّزه الله على سائرالبشر) ويبدوأنّ اللغة الدينية أعمته عن التناقض الذى وقع فيه: أليس الإنسان من بنى البشر؟ ثم ما علاقة هذا الكلام بعلم الآثار؟ وأسعدنى أنه لايُخفى توجهه العروبى (وهذا حقه) عندما كتب بلغة العاطفة التى تزاوج فيها ماهوعروبى بما هوإسلامى عندما ذكرأنّ اللغة العربية (ليست من اللغات التى نشأتْ من اختلاط الإنسان بالمحيط الذى يعيش فيه. فهى ليستْ مأخوذة من أصوات الحيوانات والعالم المحيط المتحرك لأنها لغة الله. وأولى اللغات وأولها استعمالاعلى وجه البسيطة ثم انتشرتْ مع نزول آدم وحواء من الجنة) فى هذه الفقرة اعتراف صريح بأنّ اللغة الحية هى التى نشأتْ (من اختلاط الإنسان بالمحيط الذى تعيش فيه) وهوما فعله جدودنا عندما رسموا على الجداريات بعض الطيوركرموزللغة. وبفضل قدرة الفنان المصرى على التشكيل رسم الصقركرمزالحرف a الذى هوالنسق الأبجدى اللاتينى وهومنحدرعن ال الألف اليونانى القديم a عن نظيره الفينيقى a وهذه جميعها عن الحرف الأول المناطرفى الهيروغليقية ويمثله الصقرالمصرى المعروف باسم الرخم (بيومى قنديل- حاضرالثقافة فى مصر- ط4ص172) وكيف تكون اللغة العربية أولى اللغات، فى حين أنّ النقش الذى عثرعليه العالم الفرنسى Dussoud على قبرالملك أمرىء القيس (382- 403م) ثانى ملوك الحيرة وجد المناذرة وقبره فى (المنارة) أو إنماره الواقعة فى الحرة شرق جبل الدروز. ولم يكن ذاك النقش بخط مشتق من المسند بل بقلم متأثربالقلم النبطى. وبتلك الحروف أوحروف مشابهة كـُتب المصحف العثمانى. وذكرد. جواد على ((لم ترد كلمة عرب فى النصوص العربية الجنوبية بمعنى (العرب) أى القومية الخاصة التى تشمل أهل الوبر والمدر وجميع سكان شبه الجزيرة. وليست لدينا نصوص ورد فيها اسم (العرب) غيرالنص الذى يعود إلى امرىء القيس بن عمرو. غيرأننا لانستطيع الجزم بأنه قصد من (العرب) المعنى المفهوم من هذه الكلمة الآن بل قصد بها (الأعراب) الذين كانوا فى البادية على نحوما يقوله أهل الحضرعن أهل الوبر. والنص الوحيد الذى لا يمكن أنْ يشك في صحته إنسان هوالقرآن ، فهوأول نص فى العربية لايعلق به غبارالشكوك)) وبعد أنْ نقل آراء كثيرين من العلماء عن الخط العربى كتب ((يظهرمن هذه الروايات أنّ علماء العربية ذهبوا إلى أنّ الخط (العربى) لم يكن أصيلا فى الحجاز، وإنما دخله من اليمن أوالعراق أومن أرض مدين.. وذلك يدل على أنّ كتابة الخط العربى الشمالى قد اقتبست خطها من الخط النبطى المتأخرالذى كان يستعمله النبط)) وانتقلتْ حروف الذال والثاء والغين والضاد وأفعل تفضيل من القلم اللحيانى. ولا أذيع سرًا إذا قلتُ أنّ سكان البلاد العربية كانوا يتكلمون بلغات عديدة ولهجات كثيرة.. وأنّ أبا عمربن العلاء قال ((ما لسان حميربلساننا ولا لغتهم بلغتنا) وقال العلامة اللغوى الكبيرابن جنى (لسنا نشك فى بـُعد لغة حمير ونحوها عن لغة ابنى نزار) (د. جواد على- تاريخ العرب قبل الإسلام-ج1- أكثرمن صفحة) وبينما يرفض أ.عزب اعتباراللغة العربية ضمن المجموعة السامية، فإنّ د. جواد على يراها (اللغة الكبرى التى تمثل المجموعة اللغوية السامية)) واقترح استخدام مصطلح (العربية) بدلامن (السامية) لنقترب نحوالعلم ونبتعد عن الأساطير، أى انحدارالساميين من صلب رجل هوسام. فحرى بالعلم أنْ يبنى أحكامه على حقائق علمية وأنْ يبتعد عن الأساطير) (ج2ص 288) وذكر أنه فى النقوش القديمة السابقة على الإسلام إله اسمه (سميع) وهو(من أصنام العرب الجنوبيين) وعن الكتابة الموجودة على قبرالملك امرىء القيس (328ب.م) ذكرأنّ لغة النص قريبة من لغة القرآن الكريم. وهونص مهم لدراسة اللهجات العربية قبل الإسلام لأنه نموذج من نماذج هذه اللغة قبل ميلاد الرسول بنحو242سنة. خاصة وقد تبيّن أنْ (كان للعرب الشماليين لسانان: لسان تدوين بالآرامية. ولسان بيان باللهجات القبلية المحلية) وبلغة العالم كتب ((أرجوأنْ يأتى يوم يتوفرفيه علماء اللغة العربية للمقابلة بين اللهجات العربية القديمة وبين اللهجة التى نزل بها القرآن الكريم. فلهذه المقابلات أهمية كبيرة فى معرفة تطوراللغة العربية وتدرج نموها قبل وبعد الإسلام. وهوتطورلم يُدرس دراسة حديثة حتى الآن)) (ج4 من ص426- 441) ود. جواد على (عراقى، ومدافع عن اللغة العربية وعن الإسلام) إلاّ أنه يحترم لغة العلم لذا كتب (من العلماء من يرى أنّ الأبجدية الأولى هى وليدة الهيروغليفية. (وآخرين) أخذوا من المصريين فكرة التدوين والاختزال كما اختزل الكـُتاب المصريون الذين ابتكروا الهيروغليفية كتابتهم من الكتابة الصورية التى كانت تـُعبّرعن معانٍ، أوجدوا منها المقاطع التى سهـّلتْ أمرأداء المعانى والقراءة تسهيلا كبيرًا، فكان المصريون أول من علم البشرنظرية التدوين وفكرة الإشارة إلى المعانى ومقاطع الكلمات، فاختزل مبتكروالأبجدية الكتابة الهيروغليفية، وأوجدوا من المقاطع حروفـًا كوّنت الأبجدية الأولى، الأبجدية التى أصبحتْ نموذجًا لسائرالأبجديات، فمنهم من تقيّد بها وحافظ على الشكل الأصلى للحروف كما وُضعت فى الأصل، ومنهم من غيّرفيها وحرّف، ومنهم من أضاف إليها أونقص منها، وبالجملة- لما كان الفضل للسابق- فإنّ فضل نشوء فكرة التدوين عند البشريرجع إلى المصريين)) (ج1ص203) وإذا كانت اللغة العربية هى أصل كل اللغات كما يقول أ. عزب والليبى خشيم، فلماذا لم يكن بينها فعل مساعد مثل الفعل (قام) فى اللغة المصرية؟ مثال (قام الجيش المصرى بهدم الأنفاق الحمساوية التى تـُهدّد أمن مصر) أو(قامت وزارة العدل بإعداد مشروع قانون كذا) وفى جنوب مصريقولون (جا يقف قام وقع) والفعل المساعد (قام) موجود فى لغتنا المصرية الحديثه لسبب بسيط أنه استمرارلذات الظاهرة اللغوية فى اللغة القبطية حسب دراسة عالم اللغويات (فيرنر فيسيكل) (بيومى قنديل- مصدرسابق- ص258) أعجبنى عنوان المقال لأنه طرح قضية مهمة: هل يجوزالنظرإلى علم الآثارمن منظوردينى؟ أم أنّ مهمة الأثرى اكتشاف ما تركته الشعوب من آثار؟ وأنّ تلك الآثار- بعد تأمل أشكالها وقراءة المُدوّن عليها- تساعد على كشف ثقافة ذاك المجتمع ومعتقداته وأنساق قيمه بغض النظرعن ميول الباحث أومُكتشف الأثر، ولذلك نجح العلماء الأوروبيون فى ترسيخ هذا العلم الذى نفض غبار الزمن عن تراث الشعوب. وبينما أعجبنى العنوان جاء المقال ضد لغة العلم وتناول موضوعات لاعلاقة لها بعلم الآثار، مثل دفاعه عن العروبة والإسلام ونقده لنظرية التطورالطبيعى. **
#طلعت_رضوان (هاشتاغ)
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
دراما حياة ومأساة فيلسوفة مصرية
-
مغزى مصطلح ( إسرائيليات )
-
توضيح وشكر
-
شكر للأستاذ Jugrtha
-
حصان طرواده والأربعين حرامى
-
الدين والفلسفة : علاقة إتساق أم تعارض ؟
-
التعصب العنصرى والخصوصية الثقافية
-
السخرية المصرية عبر العصور
-
تعلق على ما كتبه الأستاذ أحمد مصطفى عن الشهور المصرية
-
الشهور المصرية فى الأمثال الشعبية
-
قهر الخوف بالسخرية
-
أخلاق فيلسوف وأخلاق داعية إسلامى
-
النكتة المصرية ومقاومة الاستبداد
-
الدكتور سيد عويس والشخصية المصرية
-
فلسطين بين الصهاينة والعروبيين
-
المغزى الاجتماعى للأمثال المصرية
-
عتمة افتراضية - قصة قصيرة
-
سيناء وتوابع زلزال يناير2011
-
العلاقة بين الحضارة المصرية وأفريقيا
-
عقوبة الجلد وبداية سعودة المصريين
المزيد.....
-
بزشكيان للمشاط: الوحدة تحمي الأمة الإسلامية من ظلم الأعداء
-
تردد قناة طيور الجنة 2025.. استمتع بمحتوى تعليمي وترفيهي للأ
...
-
أحلى أغاني على تردد قناة طيور الجنة الجديد 2025 استقبلها بجو
...
-
حرس الثورة الاسلامية: فتن أميركا لن توقف زوال الكيان الصهيون
...
-
قبيل الانتخابات المحلية.. عون يتعهد بحماية ضباط الأمن من الض
...
-
محفوظ ولد الوالد يتحدث عن معسكرات تدريب -القاعدة- وأول لقاء
...
-
الأمم المتحدة تدين الهجوم على المسيحيين بدهوك: التنوع الديني
...
-
الكلمة والصورة.. التطور التاريخي لصناعة المخطوط في الحضارة ا
...
-
الكويت تدين اقتحام وزير إسرائيلي المسجد الأقصى
-
“نزلها واستمتع”.. تردد قناة طيور الجنة الفضائية 2025 على الأ
...
المزيد.....
-
السلطة والاستغلال السياسى للدين
/ سعيد العليمى
-
نشأة الديانات الابراهيمية -قراءة عقلانية
/ د. لبيب سلطان
-
شهداء الحرف والكلمة في الإسلام
/ المستنير الحازمي
-
مأساة العرب: من حزب البعث العربي إلى حزب الله الإسلامي
/ حميد زناز
-
العنف والحرية في الإسلام
/ محمد الهلالي وحنان قصبي
-
هذه حياة لا تليق بالبشر .. تحرروا
/ محمد حسين يونس
-
المرحومة نهى محمود سالم: لماذا خلعت الحجاب؟ لأنه لا يوجد جبر
...
/ سامي الذيب
-
مقالة الفكر السياسي الإسلامي من عصر النهضة إلى ثورات الربيع
...
/ فارس إيغو
-
الكراس كتاب ما بعد القرآن
/ محمد علي صاحبُ الكراس
-
المسيحية بين الرومان والعرب
/ عيسى بن ضيف الله حداد
المزيد.....
|