محمد لفته محل
الحوار المتمدن-العدد: 4077 - 2013 / 4 / 29 - 16:08
المحور:
اليسار ,الديمقراطية, العلمانية والتمدن في العراق
قبل أيام مرت الذكرى العاشرة على الاحتلال الأمريكي للعراق والذي كان المحصلة الختامية الحتمية للاستبداد والتهور والفساد السياسي والاقتصادي، فالاحتلال كان بمثابة الإبرة التي ثقبت البالونة وفجرتها، هذا الانفجار الذي تجسد بالانهيار الاجتماعي والسياسي بانهزام الجيش والسلطة قبل أن تنتهي المعركة أصلا فقد كان واضحا الفرق التكنولوجي والمعنوي الكبير بين الجيشين وفرق أكثر بين الجيش والسلطة، إذ قاتلت ميليشيات فدائيو صدام والمقاتلين العرب بحماسة أفضل من الجيش النظامي الذي كان قابعا في وحداته ومواقعه بسبب الخوف من السلطة التي ما إن زالت حتى لبس الجنود المدني مقابل تسليم البندقية وفرو إلى أهلهم! وحزب البعث لم يكن بحال مختلف عن حال الجيش النظامي حيث تبخرت كل الكوادر الحزبية البعثية المسلحة من سواترها داخل المدن حالما سمعوا بوصول الأمريكان للعاصمة أو صوت إطلاقها فقط!، في حين كان الناس في لامبالاة عن السلطة والوطن! هرعوا لنهب المؤسسات الحكومية وتدميرها وحرقها أو السكن في بعضها بعد أن أصبحت كل ممتلكات الدولة تابعة للسلطة المستبدة حد التماهي في تصور الناس، وتدميرها ونهبها كان يعني الانتقام من السلطة وتدميرها رمزيا، وتجسد الانهيار الأخلاقي للناس في أبشع صوره في نهب الناس للمستشفيات ورمي المرضى على الأرض! وسرقة المدارس والمتاحف والمصارف وحرقها! بسبب الاغتراب الحاد بين السلطة (التي اختزلت الدولة بها) لينتقل بعد تدمير مؤسساتها إلى تدمير رجالها حيث تمنهجت عمليات الاغتيال ضد البعثية الأبرياء منهم والجناة والفاسدين الذي استغلوا مناصبهم في ابتزاز الناس واستغلالهم وتخويفهم بالتقارير الاستخباراتية، ثم بان حجم الدمار والمأساة أكثر بتشكل الأحزاب الطائفية وانتخابها وتشكيل البرلمان والحكومة ومؤسساتها طائفيا! لتبلغ قمة المأساة ذروتها بالحرب الأهلية الطائفية بالقتل(1) والاغتيال والتهجير وهجرة الكفاءات والناس للخارج وبالاختراق الإقليمي للمجتمع وللأحزاب والبرلمان والسلطة السياسية، فأصبحت السلطة هي الممثل لهذا الدمار الاجتماعي والسياسي بنهجها الطائفي الإقليمي وبالتسقيط والتخوين المتبادل بين الأحزاب والفئات الاجتماعية، أي إن النخبة السياسية هي علامات الأعراض المرضية وليست دواء العلاج، إنها جزء من المشكلة وليست جزء من الحل؟ هذا ما انتهى إليه الاستبداد والحماقة السياسية دون أن تبذل أي محاولة لإصلاح من هذه المأساة. والغريب أن حتى الاحتلال باعتباره عدوا يهدد امتنا العراقية لم يوحدنا لنقف ضده! كما يحدث حين تتعرض الأوطان لأخطار خارجية تهدد وجودها واستقلالها ووحدتها، فتتوحد أمتها بكل اختلافاتها الثقافية والحزبية والدينية والعرقية ضد الخطر الخارجي، بل اختلفنا حتى تسمية في الاحتلال الذي سماه آخرون (تحريرا)! أو (تغيير)! فانقسمت المقاومة إلى طائفية وحزبية تقاتل بعضها أكثر من قتالها للاحتلال وتنفذ أجندة خارجية كل على حده أكثر من أجندة وطنية (إن وجدت أصلا) واليوم بعد عشرة سنين من الحكم الطائفي ما زال العراق منهارا كالسابق رغم الانفتاح الاقتصادي والتكنولوجي والإعلامي والتغيير السياسي والحريات الفوضوية والزائفة، إلا انه مفكك اجتماعيا طائفيا وقوميا ودينيا منقسم سياسيا وجغرافيا تتصارع الدول المجاورة والإقليمية على بسط نفوذها فيه عبر الأحزاب السياسية والفئات الاجتماعية مستخدمته ساحة حرب بالوكالة ضد خصومهم؟ وبعدما فشلت التيارات العلمانية والليبرالية أمام الأحزاب الدينية التي ابتلعتها رغم فشل مشروعها السياسي الرجعي؟ فلماذا حدث كل هذا؟ كيف استطاع شخص مثل (صدام حسين) أن يفعل بالعراق كل ذلك؟ لنصل إلى الوضع الذي وصلنا إليه؟ ولماذا تحن الناس إلى نظام (صدام حسين) كرد فعل على الحكم الطائفي؟ وهما وجهان لعملة واحدة؟ لماذا هذه الثنائية المقفلة المتشائمة عن مستقبل مفتوح على ممكنات أفضل؟ لاشك أن (صدام حسين) فعل الذي فعله بقسوته وبطشه وظلمه حتى أسس (جمهورية الخوف) والرعب عند الناس الذين خضعوا له وسكتوا خمسا وعشرين سنة حتى تطبع بالخوف والخضوع وصار جزء من نفسيتهم وتفكيرهم لكن المأساة أن هناك جذور نفسية واجتماعية لظاهرة (صدام حسين)؟ المتمثل بالنظام الأبوي التسلطي المدعوم بعنفه الرمزي أخلاقيا ودينيا لدرجة التأليه حتى سمي (رب الأسرة) وجعل رضا الله من رضاه، هذا الأب المتسلط الذي يحكم زوجته وأبناءه يترسخ في ذاكرة الطفل على انه النموذج المثالي لكل التصورات اللاحقة كصورة الله والمعلم والقائد ورجل الدين والأخ الأكبر ورب العمل وهكذا يصبح نمط اجتماعي وفكري من الصعب إزالته أو الشك به بعد أن يحاط بالقداسة؟ وله عواقب اجتماعية دينية وأخلاقية وقانونية لكل متمرد عليه، فالناس التي تشكو من النظام الاستبدادي الطائفي أو الحزبي هي من تؤسس له ليقمعها ويسلب حريتها وإنسانيتها أي إن الناس تصنع عبوديتها بنظامها الأبوي الذي ينسخ بتفكيرها وتربيتها ونظامها الحياتي والعملي، لهذا إن المعارضة لم تختلف عن نهج صدام الاستبدادي التسلطي لأنها من نفس البيئة المربية للتسلط الأبوي.
ثم جاءت أمريكا لتزيد الطين بلة فلم تسقط النظام المستبد فقط بل أسقطت كل عناصر الدولة من جيش وشرطة وكافة الوزارات وجعلت العراق مفتوح لكل مخابرات الدول الخارجية ولكل الجماعات والعصابات الإرهابية والمجرمة أن تخرب وتدمر وتنهب كيفما تشاء فماذا كان من المتوقع بعد هذا الخراب غير التسونامي العراقي الاجتماعي والسياسي والاقتصادي. وما كان للآلية الديمقراطية غير أن تأتي بأحزاب على أساس عشائري وطائفي وقومي بعد أن غابت الأحزاب السياسية لثلاثين سنة وبعدما انعدمت ثقافة المواطنة والحوار والمجتمع المدني أصبحت الديمقراطية عندنا مجرد اقتراع أي آلية انتخابية فقط وهذه ديمقراطية مجتزئة كما هو معروف فالديمقراطية تعتمد على المواطنة بالأساس. ثم جاءت هذه الأحزاب الحاكمة من الخارج من الدول الطائفية ذاتها التي احتضنتها والتي لها مصلحة في تفكيك وإضعاف واختراق العراق لمصالحها.
وبكل خجل أقولها كنت فرحا في وقتها بالاحتلال الأمريكي آنذاك! لأني كنت اعتقد إن (صدام حسين) هو احتلال داخلي للعراق رغم إني لم أكن متضررا شخصيا منه، وكم كنت طفوليا بتصوراتي السياسية حيث اعتقدت إن العراق سيكون كدول الخليج الغنية التي تحضى بحماية أمريكية بقواعدها العسكرية، لكن مع ذلك كنت أتألم عفويا حين أرى الجنود يفرون منكسرين، وأتألم أكثر حين أرى المؤسسات الحكومية تقصف وتدمر وتنهب وتُحرق، واليوم بعد عشرة سنين حينما أرى أيهما أفضل بقاء الدكتاتورية أم قبول الاحتلال أرى قطعا إن بقاء الدكتاتورية أفضل بكثير من الاحتلال، حيث يمكن لثورة شعبية أن تسقطه، وأخلاقيا ووطنيا لا يجوز الاستعانة بغريب ضد ابن البلد. لقد انتهى العراق كدولة مستقلة ذات سيادة كاملة وأصبح مجرد بيدق بيد الدول الإقليمية، مع ذلك يجب أن لا ييئس أي فرد من نهوض العراق ويتحمل مسؤولية هذه المهمة كل واحد منا.
ــــــــــــــــ
1ـ استخدمت الميليشيات اثناء الحرب الطائفية وسائل تعذيب لم تكن تخطر ببال أي عراقي كالذبح بالسيف أو بصفيح علبة الدهن (التنكة) لزيادة الألم! ورمي الجثث بلا رؤوس بالمزابل أو الشوارع تأكل منها الكلاب!!، وتثقيب الجسد بالمثقب الكهربائي (الدريل) وثقب الجثث بالبراغي المربوطة أو بالمفكات (درنفيس)، واستخدام السيارات المفخخة والعبوات الناسفة للقتل الجماعي، وتفخيخ البيوت والحيوانات الميتة والطرقات للاغتيالات، وانتشار الجواسيس المساعدة للميليشيات (علاسة، جعاصة) بل أصبح للحرب الطائفية تجار ومستفيدين! فأثناء الانفجار سواء سيارة مفخخة أو عبوة ناسفة كان بعض الناس يهب لسرقة الموتى!! أو سرقة المحلات التجارية المحطمة الأبواب جراء الانفجار! ومنهم راح يرسل تهديدات طائفية وهمية من اجل شراء البيوت بأسعار رخيصة أو تأجيرها! وهذا كان علامة صارخة على مدى الانهيار الأخلاقي والتفكك الاجتماعي.
#محمد_لفته_محل (هاشتاغ)
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟