حميد حران السعيدي
الحوار المتمدن-العدد: 4063 - 2013 / 4 / 15 - 16:04
المحور:
المجتمع المدني
في دوائر الدوله دائما مانسمع السيد المسؤول الاداري يتحدث عن زملاءه بلغة التابعيه والعائديه وكأنهم ملك أيمان ... عندي موظف صفاته كذا وكيت , مدير الدائره يُعنف هذا فيقول: (لو ماجايبينك اليه اهواي احسن) , ويمتدح سواه فيقول: (لولاك لم ينجح عمل دائرتي) , مدير المدرسه يقول (عندي مُعلم) ويلي هذا التملك عبارة مدح او ذم قد تصل بعض الأحيان الى استخدام ماشاع في الأونة الاخيره من عبارات مزدوجة الدلاله (مدح وذم) : فهو (كارثه) في فهمه وما يحتويه مخزون ذاكرته من معلومات : وهو( كارثه ايضا) عندما يريد السيد المسؤول ان يَذمه بعدم الالتزام او إختلاق الاعذار لترك الدوام الرسمي ... والكارثه اعاذنا الله واياكم من الكوارث وشرورها عبارة لاتصلح لكلتا الحالين, لكننا نسمعها يوميا عشرات المرات وكأننا قوم خلقوا ليبشروا انفسهم بالويل والثبور . من مصادفات العمل اليومي ومراجعات الدوائر المختلفه يستطيع كل راصد لهذه الظاهره أن يجمع مئات الامثله للتثبت بالدليل على ماذهبنا اليه , حتى انك قد تسمعها مقلوبة , فقد يقول لك احد الذين لارتبه وضيفيه عاليه لهم (عندي مدير ما ينجرع) ... إنه البدوي فينا أبعد عن صحراءه وفردانيته ولم ينسَ مفرداتهما (عندي) , أو يستخدم مفردات الحياة اليوميه (الجمعيه) في غير دلالاتها (كارثه) .
مدير المدرسه الاصليه يدافع عنها ضد المدرسه الضيف وكأنه يذود دون إبله وكأن الاخر غازٍ جاء لينهب , فتسمع الكثير من تبادل التهم أمام أي حالة تقصير يرميها الاول على الثاني مدافعا عن تلاميذه (الحمائم الوديعه) , متهما تلاميذ المدرسه الاخرى (شذاذ الافاق) فهم من عبثوا واتلفوا وخربوا .
الكهرباء أحد أسباب نقصها (وزارة النفط) التي قصرت بتزويد المحطات بحاجتها من الوقود , والنفط أحد أسباب تناقص انتاجه عدم تزويد (وزارة الكهرباء) بكفايتها من الطاقه.
في أي حادث سير تجد الطرفين يدعيان عدم ارتكاب الخطأ , طرفا أي معركه (بين شخصين أو مجموعتين)كلاهما لم يعتدِ(وسواء كانت بالسلاح الابيض أو الاسود ومصخم) , فهي من تدبير الشيطان , وهذه بضاعة الوسطاء (المشكور جهدهم في إطفاء الفتن).
عقدتان اولاهما ( أنا من يملك) وثانيتهما (الحق معي وما املك,وغيري هو المُقصِر) تكشفان عن ابتعادنا باشواط تفصل بيننا وبين المجتمعات المتحضره التي تمكنت من احتواء الهنود الحمر ودمجهم مع المجتمعات الاكثر تطورا في جميع مفاصل الحياة , وبتقديري المتواضع أن أسباب قصورنا تكمن بعوامل داخليه : منها ترييف مدننا , وتراجع دور المثقف في مجتمعاتنا بإقصاء مقصود , وبقايا ثقافة (عسكرة المجتمع) عندما اردنا إلقاء اليهود بالبحر وحاربنا المد الصفوي ووقفنا وقفة رجل واحد ضد الاستعمار وذدنا ضد الشيوعيه التي تريد إفساد ديننا ... وخرجنا بعد كل هذا بخُفي حُنين .
(الكوامه) دخلت بغداد بعد ان كانت قبل قرون واحة الثقافه التي حولت علي بن الجهم من: (أنت كالكلب في حفضك الود ... وكالتيس في مقارعة الخطوب) الى : ( عيون المها بين الرصافة والجسر ...جلبن الهوى من حيث أدري ولا ادري).
أما إقصاء المثقف فقد حصدنا نتاجه مفردات متخلفه نتداولها في حياتنا اليوميه رغم وجود قامات سامقه في حاضرنا تستطيع إسعافنا بمشتقات من لغة الاجداد تجعلنا في وارد الحوار العالمي الاكثر حضورا(حوار الحضارات) ... أكاد أجزم أن أكثر من 90% من العرب لايعرفون من هو {محمد عابد الجابري وعلي حرب ومحمد شاتيلا ومحمد عبده وجمال الدين الافغاني ومحمد باقر الصدر والصادق النيهوم ونصر حامد ابو زيد وعلي الوردي وسيد القمني وفالح عبد الجباروالغذامي و...و...} قائمة تطول من عمالقة الفكر في شتى الميادين وبامثالهم في أمم أخرى تقدمت تلك الأمم .
أما التجييش ضد الاعداء (الذين هزمناهم جميعا!!!!) فقد أكسبنا الروح العدوانيه .... جميعنا يبحث عن العدو وهو في الغالب (ابن جلدتنا) وخير دليل على ذلك (القاعده وأخواتها) , الزرقاوي ابن مدينة الزرقاء التي لاتبعد عن اسرائيل كثيرا تركها وجاء ليهزم اعداء الله اليهود بقتل أم أحمد التي خرجت من بيتها للتبضع من سوق الصدريه لتعود لصغارها اشلاء , وجبار ابن الناصريه الجالس في ساحة العروبه بالكاظميه بانتظار من ياتي ليبيع له قوة عمله لتوفير قوت عياله , اما معارك الشارع اليوميه فحدث ولا حرج وكلكم عليها شهود.
وكأني بمن اعددنا لهم قوانا لنهزمهم يرددون في سرهم: (زعم الفرزدق ان سيقتل مربعا ... فابشر بطول سلامة يامربع) , اسرائيل لم تكتفِ بما كان لديها فاضافت الضفه والجولان وغزه وسيناء –قبل ان يستعيدها السادات- , والاستعمار والامبرياليه حاضرة معشعشه في منطقتنا اكثر من حضورها في بلدانها تخلط الاوراق وتستفيد مما تريد وتوكل لمصالحها علية قومنا الذين يحرصون على مصالح اسيادهم اكثر من حرصهم على شعوبهم ومستقبل اجيالها , والمد الصفوي الذي حاربه (اخو هدله) اصبحت الدوله التي ادعى انها تتبنى مشروعه (ايران) اكثر دوله في ميزان التبادل التجاري مع العراق (البوابه الشرقيه وجمجمة العرب) ولولاها لما عرفت (الطماطم والبطاطا) طريقها لمطابخ العراقيات , والشيوعيه التي خشينا مدها غزت بيوتنا سلع صينية الصنع رخيصة الثمن , لاننا فرسان لانهتم بالزراعه نستورد قوتنا من تركيا وايران , ولاننا عرب أصلاء نخجل من مهنة الصناعه جعلنا لغيرنا حق امتهانها ونحن نشتري كل شيئ من أبرة الخياطه حتى البوينك .
محنتنا المركبه لاخلاص لنا منها إلا بضبط السلوك وتهذيبه وترقيته لمستوى يتماهى مع الحياة المدنيه التي تؤمن للجميع حق الحياة الحره الكريمه , لاخلاص لنا إلا بنبذ ثقافة الاختلاف والعدوان , لاخلاص إلا بإعادة القيمه المستحقه للمثقف والدور الفاعل له في رسم خارطة المستقبل . لاخلاص إلا بنشر مفردات اللغه التي تبعد الهابط منها وتتبنى الجميل الوديع. الم يقل فيها حافظ ابراهيم مادحا: (أنا البحر في احشاءه الدر كامن ... فهل سألوا الغواص عن صدفاتي ) ألم يفتخر المتنبي بضلاعته بها حين قال: (أنام ملء جفوني عن شواردها ... ويسهر الخلق جراها ويحتكم) , فلنستمد منهما وامثالهما القدره على تهذيب المفرده المتداوله بيننا.
مشكلتنا اننا نمشكل انفسنا ونضيق ذرعا ببعضنا ونترك لاهل النوايا السيئه ان يفعلوا مابدا لهم وقد قال شاعرنا : (لعمرك ما ضاقت بلاد باهلها ... ولكن احلام الرجال تضيق).
الناقد جبرا ابراهيم جبرا وهو يكتب مقدمة رواية عبد الرحمن منيف (مدن الملح) قال: أنك تؤشر الانتقال الموجع من عصر البداوه الى عصر النفط ... ونحن نرجو ان لا يطول بنا الوجع.
#حميد_حران_السعيدي (هاشتاغ)
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟