|
هوس العقلانية الحداثية وحقيقة قدسية القران
نايف عبوش
الحوار المتمدن-العدد: 3968 - 2013 / 1 / 10 - 23:45
المحور:
العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
لاجرم ان النص القراني بهر عند نزوله العرب حين سمعوه،وسلموا بالعجز المطلق عن محاكاته،او الاتيان بمثله، على بلاغتهم المعروفة، وجزالة ألفاظهم، وكفر المشركين الصريح منهم به،بعد ان استهلكوا كل ما دار في خلدهم من ادعاءات زائفة،من انه قول شاعر، او قول ساحر، او قول مجنون.ولم يستطيعوا أن يأتوا بمثله، أو ان ينتقصوا منه في لفظه أو معناه. وما حصل مع الوليد بن المغيرة،وغيره من زعماء قريش،وهم ارباب الفصاحة والبيان، معروف للجميع،ومن ثم فلا حاجة لتكراره. وتأتي الحداثوية اليوم بشقيها الفكري والفلسفي،لتركز الاهتمام على مركزية الإنسان،وتمجيد العقل البشري بمغالاة غريبة تجاوزت معها كل الغيبات،في محاولة متعمدة لتقديس العقل الانساني،تحت اوصاف العقلانية ،والاستنارة تارة،والبنيوية، والتفكيكية وغيرها من التسميات، تارة اخرى .ولعل الهوس بمعطيات العلوم المعاصرة، وما انجزته الثورة المعلوماتية والتكنولوجية من انجازات مادية ملموسة،هو ما شجعها على تقديس الانسان،والتطاول على المقدسات الغيبية، ومنها الطعن بالقران،والتجرؤ على القول بأنسنته، الى الحد الذي باتت معه كثير من الكتابات الحداثوية المعاصرة، تعتبره من وضع البشر من دون تردد. ومع أن مماحكات بعض الحداوثيين،وإن اختلفت ألفاظها،وتنوعت طرائقية عروضها،الا انها لا تختلف من حيث الجوهر عن مقالات المغالطين من مشركي عرب الجاهلية،الذين اذعنوا في نهاية الامر لحقيقة الهية النص القراني على فصاحتهم،حيث يحاول بعض المفتئتين المعاصرين من الحداثويين، أن ينزع القدسية عن نص الوحي،من خلال السعي المحموم لمعاملة نصوص الوحي كما يعامل النصوص البشرية تماما،بل ويعتبرها جزءا من الإبداع البشري، ولا تختلف عن غيرها من نتاجات البشر، في تفيقهات تسطيحية تدعي أنسنة الوحي،مع ان نصوص الوحي القراني تختلف عن نصوص البشر،من حيث انها كلام يتكامل مع بعضه،ولا يتناقض اطلاقا،ويأخذ بعضه بتلابيب بعض،ولا يلغي بعضه بعضا،وهو كلام ينبغي أن يؤخذ في سياقاته الخاصة عند التعاطي معه،ناهيك عن كمال الصياغة، ودقة النظم، وجمال الإيقاع، كما يعرف ذلك جيدا المختصون في علوم القران،والعلوم الاسلامية . وقد جافت بعض النخب الحداثوية،طرق البحث المدرسية المعروفة في العلوم الاسلامية عند التعامل مع النص القراني، فعمدت الى اخضاعه لنقد العقل التجريدي بمنهجيات اخرى،تتجاوز اليقينيات المطلقة،ولا تقرالحقيقة الغيبية،ولا تؤمن بالماورائيات،تمشيا مع طراقياتها القائمة على الملاحظة الحسية،وذاتية الباحث المرتبط بلحظته الزمنية،وما تعنيه تلك المنهجية من شرعنة نزع قدسية أي نص مقدس عند التعامل معه كنص تاريخي تحدده اللحظة الزمنية للتناول،وذاتية الباحث،حيث ينزل به عن مستوى الوحي الالهي، إلى مستوى التاريخ البشري،ومن ثم التعامل معه كما لو ان التعامل يحصل بين الإنسان والإنسان،بدلا من أن تكون العلاقة فيه بين الخالق والمخلوق كما هي في حقيقتها. ولابد من الاشارة الى ان المسلمين كانوا يتحرزون من تفسير القرآن،بسبب القدسية التي اعطوها للنص لقناعتهم المطلقة باعجاز لغته، فحددوا شروطا للمفسر في مقدمتها التجرد من الهوى،والعلم باللغة العربية وفروعها، والعلم بأصول العلوم المتصلة بالقرآن،بما يمكنه من القدرة على الترجيح،والتمكن من استنباط المعاني التي تتفق مع المراد من النص على حقيقته. لذلك فان التعامل مع نصوص القران الكريم ينبغي ان يتم وفقا لمنهجية العلوم الاسلامية المعتمدة في هذا المجال حصرا. فكما ان علوم الطب تدرس بمنهجيات لا تصح الا في بحث العلوم الطبية ،وان علوم الفيزياء لا تدرس الا من خلال المنهجية المعتمدة في بحثها،وهكذا.. فانه لا يصح ايضا،من باب اولى،ان تجري دراسة القران،وبحث نصوصه،الا من خلال منهجية علوم القران،والمعرفة الاسلامية المتراكمة في هذا المجال، بدءا من مرحلة نزول القران، وانتهاء بعصرنا الراهن،من دون نزق مهووس يفسح المجال للعقل الجامح،بتجاوز حدود طاقته لدى الباحث غير المتسلح بمنهجية المعرفة الاسلامية،يدفعه الى القفز فوق اشكالية محدودية تصورات العلم التجريبي وحسب،المحكومة بقاعدة (وما أوتيتم من العلم إلا قليلا)،فيقع منه عندئذ الوهم وخطأ القياس، فيلجا الى تشويش الاستنتاجات بالذاتية المعروفة، مما يجوز له الطعن بصدقية وحي النص القرآني،وإسقاط الانسة عليه زورا وبهتانا،ليحشره في زاوية النقد البشري، كما لو انه كتاب في الاجتماع، او الأدب، او الفلسفة. وباعتماد مثل هذه المنهجية الصحيحة،يمكن التوصل الى نتائج موضوعية، تتوافق مع قدسية النص القراني، وتنأى به عن الانسنة، والإخضاع للنقد البشري. وهكذا يتداعى عندئذ،اجترار مثل تلك التنطعات المتهافتة التي تظهر اليوم في كثير من المواقع العنكبوتية،التي تستهدف المس بقدسية النص القراني،بسبب زيفها، وركة حجتها،امام رسوخ حقيقة الوحي الالهي للنص القراني.
#نايف_عبوش (هاشتاغ)
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
دعاوى أنسنة النص القراني..بين هوس العقلانية الحداثية وحقيقة
...
-
التشكيك في ثوابت الدين مدخل للصراع بين المجتمعات
-
الحفاظ على التراث..بين مقتضيات الخصوصية وتحديات العصرنة
-
نحو بلورة مشروع عربي للنهوض باللغة العربية
-
ايقاع العصرنة.. تحديات الاستلاب وضرورات التحديث
-
الاعتقاد المؤمن..بين الكتاب المسطور والكون المنظور
-
ظاهرة هوس استخدام الهاتف النقال
-
اللغة العربية..ومخاطر المسخ بالعامية
-
الدين..حاجة وجدانية للانسان
-
الوحي الالهي للقران
-
بل رب العالمين.. واله الناس
-
القرآن كتاب هداية للتدبر.. لا معلقة شعرية للنقد
-
بل محمد هو القدوة
المزيد.....
-
طلع الزين من الحمام… استقبل الآن تردد طيور الجنة اغاني أطفال
...
-
آموس هوكشتاين.. قبعة أميركية تُخفي قلنسوة يهودية
-
دراسة: السلوك المتقلب للمدير يقوض الروح المعنوية لدى موظفيه
...
-
في ظل تزايد التوتر المذهبي والديني ..هجوم يودي بحياة 14 شخصا
...
-
المقاومة الاسلامية بلبنان تستهدف قاعدة حيفا البحرية وتصيب اه
...
-
عشرات المستوطنين يقتحمون المسجد الأقصى
-
مستعمرون ينشرون صورة تُحاكي إقامة الهيكل على أنقاض المسجد ال
...
-
الإعلام العبري: المهم أن نتذكر أن السيسي هو نفس الجنرال الذي
...
-
ثبتها فوراً لأطفالك.. تردد قناة طيور الجنة 2024 على نايل سات
...
-
الجنائية الدولية تسجن قياديا سابقا في أنصار الدين بمالي
المزيد.....
-
مأساة العرب: من حزب البعث العربي إلى حزب الله الإسلامي
/ حميد زناز
-
العنف والحرية في الإسلام
/ محمد الهلالي وحنان قصبي
-
هذه حياة لا تليق بالبشر .. تحرروا
/ محمد حسين يونس
-
المرحومة نهى محمود سالم: لماذا خلعت الحجاب؟ لأنه لا يوجد جبر
...
/ سامي الذيب
-
مقالة الفكر السياسي الإسلامي من عصر النهضة إلى ثورات الربيع
...
/ فارس إيغو
-
الكراس كتاب ما بعد القرآن
/ محمد علي صاحبُ الكراس
-
المسيحية بين الرومان والعرب
/ عيسى بن ضيف الله حداد
-
( ماهية الدولة الاسلامية ) الكتاب كاملا
/ أحمد صبحى منصور
-
كتاب الحداثة و القرآن للباحث سعيد ناشيد
/ جدو دبريل
-
الأبحاث الحديثة تحرج السردية والموروث الإسلاميين كراس 5
/ جدو جبريل
المزيد.....
|