إلهام مانع
إستاذة العلوم السياسية بجامعة زيوريخ
الحوار المتمدن-العدد: 3962 - 2013 / 1 / 4 - 13:09
المحور:
العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
"خذلني الإسلام!"
قالتها لي، فكدت أجفل.
لكنها جاءت تبحث عني، فكان لزاماً علي أن استمع إليها.
كنت في مكتبي بالجامعة. أردت أن اطبع نسخاً من مقال وجدته مناسباً لطالباتي وطلابي في مادة "الجندر والسياسية في البلدان العربية". خرجت من المكتب متجهة إلى غرفة الطباعة. في الردهة رأيت امرأة في الأربعينات تمسك ورقة وتنظر باحثة في المكاتب المتعاقبة.
"يجري في عروقها دم عربي" قلت لنفسي ثم دلفت إلى غرفة الطباعة.
عندما عدت وجدتها تقف أمام مكتبي.
نظرت إليها مبتسمة، ثم انتبهت إلى الورقة في يدها. كان مقالاً وفيه صورتي.
وعرفت أنها تبحث عني.
حدثتني بالألمانية: "تصورت أنك لن تكونِ موجودة في المكتب. هكذا قالوا لي على الأقل."
"ورغم ذلك جئت إلى هنا؟" رددت عليها مرحبة.
دعوتها إلى الدخول والجلوس.
ونظرت إليها متسائلة.
حدثتني بالألمانية: "قرأت كتابك عن الإسلام الإنساني. واحببت أن اشكرك عليه. ما تفعليه هام، وارجو أن تستمري فيه".
ابتهجت محرجة. ابتهجت لأن كلماتي تُقرأ. أكون كاذبة لو قلت غير ذلك.
أما الحرج فلأنها تكلفت مشقة المجيء لقول ذلك. رسالة عبر الإنترنت كانت ستكفي وزيادة.
لكني نظرت إليها ملياً وادركت ان الأمر اكبر من كلمات تقدير تتبعثر بعد دقائق.
قالت لي: "عن نفسي انا تحولت إلى المسيحية".
لجمت لساني منتظرة.
أكملتْ مسرعة :"تعرفين، خذلني الإسلام".
فكدت أجفل.
لكن الدمع كان يملأ عينيها. عرفت حينها أنها جاءت تحكي لي عن خيبة عايشتها. ثم عن الطريق الذي وجدته.
فاستمعت إليها.
-----
من أب عربي وأم سويسرية.
عاشت طفولتها في بلد أبيها. وعانت مع أمها إلى أن انفصلت امها عن ابيها وسافرت بها إلى سويسرا. وكغيرها من أبناء الزيجات المختلطة "وُلدت مسلمة". بالطبع هي "لم تختر أن تكون مسلمة". لكنها رغم ذلك تربت وشبت على الاقتناع ان "دينها هو الأفضل. وغيره ناقص إن لم يكن باطلاً".
وكالكثير من الزيجات المختلطة، لم تحاول أمها أن تحولها إلى دينها المسيحي. تركتها على قناعتها واحترمت ديانة أبيها.
عندما درست في سويسرا، بدأت تتساءل.
أرادت أن تعرف دينها اكثر. حاولت أن تفهم. لكنها صُدمت عندما بدأت بالمقارنة بين دينها والأديان الأخرى في موضوع المرأة.
صُدمت لأنها قارنت بين واقع تلك الأديان "اليوم" وواقع الإسلام "اليوم".
اليوم، في الحاضر، الآن، لا في القرون الوسطى.
"ديني خذلني"، كررتها.
ولم اجفل هذه المرة.
تريد ديناً يحترم آدميتها، إنسانيتها، وكرامتها.
أما قواعد الفقه التي يكبلونا بها اليوم فهي تقول لها غير ذلك.
تقول لها إن من واجبها أن "تطيع زوجها"، إن "طاعتها له تدخلها الجنة".
تقول لها إن من حق زوجها أن "يؤدبها". من حقه أن "يضربها". ضرباً "خفيفا" طبعاً.
"خفيفاً"؟ ألا نستحي؟
تقول لها إن من حق زوجها أن "يمارس معها الجنس متى شاء وأينما شاء".
وأنها إذا رفضت "ستلعنها الملائكة". هل ستلعنه الملائكة إذا رفض هو؟
تقول لها إن من حق الرجل أن يتزوج عليها مثنى وثلاث. ويكمل اصحاب اللحى بالقول "وما ملكت ايمانكم". الجواري أيضاً فوق البيعة.
يتعاملون معها كما لو كانت "بضاعة متعة". بضاعة تُباع وتشترى، ثم تُستبدل متى انتهت صلاحيتها. وكلُ بضاعة معها بدلُ تغيير.
الرجل يستطيع أن يطلقها بكلمات ثلاث.
ثلاثة.
طالق طالق طالق.
يصرون عليها أنه يتمتع بهذا الحق لأنه صاحب "عقل" و"بصيرة". "موزون". "يفكر".
ليس مثلها.
"عاطفية"، "سطحية"، "بلهاء"، تطلب الطلاق كل خمس دقائق.
وإذا اعترضت قالوا لها "أخرسي يا عاطفية يا بلهاء".
تقول لها إنها "عورة".
عورة حتى وهي طفلة.
ثم تزيد بالقول إن الطفلة إذا بلغت يمكنها الزواج. في الثامنة في التاسعة. بلغت. ماذا نفعل؟
والبعض يُكمل من أصحاب اللحى، "حتى لو لم تبلغ، يمكن "مفاخذتها، أو الدخول بها". سلفيين أو شيعيين لا فرق.
تقول لها إنها ناقصة عقل ودين، وإن شهادتها ناقصة، وإرثها أقل، وحبذا لو لجمت لسانها وكتمت انفاسها، ووفرت علينا مشقة الحديث معها.
لم أجفل هذه المرة.
فهمتها والله.
فهمتها جيداً.
كم مرة فكرت فيها بالتحول عن الإسلام؟ ورب السماء مرات عديدة.
قراءة الدين الذي انتشر في صورة العديدة اليوم لم تعد ترضيني. أنفر منها. لا تحترم إنسانيتي. لا تحترم عقلي. لا تحترم كياني كإنسان كامل عاقل.
لست ناقصة. بل إنسان كامل عاقل.
أقف مع الرجل أمام الله متساويين.
إذا لم يكن هدف الدين احترام هذا الإنسان وكرامته وحقوقه فلا داع له. لا داع له.
الله ليس في حاجة له.
في الواقع، ما تفعله هذه القراءة للدين هو الإساءة للرحمن، رب المحبة والسلام والخير.
لأن الرحمن لا يقبل بالأذية، لا يقبل بالظلم، لا يقبل بامتهان كرامة خلقه.
فهمتها إذن. وكدت اغبطها على قرارها.
قلت لها إني اخترت طريقاً اخراً.
أصعب في الواقع.
أخترت أن ابقى وأصر على أن إصلاح وتغيير هذا الدين ممكن. أخترت. كان قراراً.
كل الأديان أساءت إلى المرأة، باستثناء البهائية.
لكن إصلاح العديد منها كان ممكنا.
والإسلام ليس إستثناءاً.
الإسلام ليس إستثناءاً.
أخترت التغيير من الداخل.
وهو طريق صعب. لأنه يتركك وحيداً.
لا يقبل بك من ترك الإسلام، يهاجمك من بقي عليه في صورته هذه، والبعض ممن يرغب في التغيير يعتبرك "تبالغ" في مطالبك في التغيير. ثم ينتقدك من لا يؤمن بوجود الله.
أما أنا فأريد أن امشى في الطريق إلى نهايته.
ولحسن الحظ، مع الوقت، وجدت غيري كثيرين يصرون على الطريق ذاته، مشينا معاً، فأصبحنا فريقاً، فطوبى لفريقنا. ولكم ولكن احترامي وتقديري ممن اختاروا واخترن طريقاً اخر. طوبى لكن ولكم أيضاً.
من قال إننا نحتكر "الحقيقة"؟ أنا أعرف أني لا احتكرها. واشك في الوقت ذاته فيما أؤمن به. ومع شكي وجدت راحة البال.
وكما قلت من قبل. إذا لم نبدأ بالقرآن، ونقر ببشرية نصوصه، فأن اي إصلاح يكون تجميلاً وترقيعاً لا غير.
حينها فقط سيتبدى لنا جمال هذا الدين.
-----
محدثتي تنتمي إلى اقلية اخرى تعيش في مجتمعاتنا.
هي محظوظة لأنها تعيش في دولة تحترم حقها في اختيار الدين الذي تريد. تعاملها على أنها إنسان راشد بالغ يتحمل مسؤولية قراراته.
لكن في مجتمعاتنا العربية والإسلامية هناك جموع كبيرة تحولت من الإسلام إلى المسيحية أو إلى أديان اخرى وهي صامتة.
تكتم دينها الجديد خوفاً على حياتها.
تمسك عليه كالجمر في يديها.
ترتعب من القول إنها وجدت الرحمن اخيراً، في ثوب اخر. ثوب يحترم آدميتها وكرامتها.
فنحن مجتمعات لا تتسامح مع تغيير الدين.
يمكنك ان تغير دينك من غير الإسلام إلى الإسلام. يسمون ذلك هداية. يربتون على كتفك ويبتسمون في وجهك ببشاشة.
لكنك متى تحولت من الإسلام إلى دين اخر أصبحت مرتداً ضالاً كافرا ملحداً، يتوجب تطبيق الحد، اي القتل، عليك.
لا نقبل بفكرة أن كل الطرق إلى الرحمن واحدة. محبته واحدة. والكفر به طريق ايضاً.
لانقبل بفكرة أن الإنسان ولد حراً. يختار الدين الذي يشاء، ويتحمل مسؤولية قرار هذا الاختيار.
لا.
ثم لا نرى تناقضاً في إصرارنا على "تسامح" الدين الإسلامي ومطالبتنا في الوقت نفسه ب"قتل" من تحول عن الدين الإسلامي.
قليلٌ من العقل لن يضر كثيراً. لكنه كالمنطق بضاعة نادرة في مجتمعاتنا.
وأنا أتساءل ما الذي يخيفنا هكذا في شخص اختار طريقاً غير الإسلام؟
اترك لكما الإجابة.
محدثتي تنتمي إلى اقلية تتزايد في مجتمعاتنا العربية. أعرف عن وجودها في الكثير من البلدان العربية، بما فيها اليمن. لكني ارتأيت الحديث عن وجودها من خلال زائرتي حماية لها ورفقاً بها.
حماية لها ورفقاً بها.
لأننا نحيا في زمن التكفير. زمن الكراهية. لا نقبل بالإنسان، أياً كان فكره، دينه، مذهبه، أو إلحاده.
زمنُ قتلِ من يريد أن يؤمن، كل وطريقه.
هي اقلية موجودة.
صامتة.
وأعدادها تتزايد.
لم تتزايد اعدادها؟
اترك الإجابة لكما.
#إلهام_مانع (هاشتاغ)
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟