فؤاد النمري
الحوار المتمدن-العدد: 3932 - 2012 / 12 / 5 - 10:32
المحور:
ابحاث يسارية واشتراكية وشيوعية
في مقالتي الأخيرة " تأكيداً لانهيار النظام الرأسمالي " ـ الحوار المتمدن عدد 3929 ـ قلت فيما قلت أن .. " الأسلحة ليست بضاعة تقيم علاقات تبادلية مع سائر البضائع الأخرى ولا تدور دورة الإنتاج الرأسمالي وبالتالي فإن إنتاجها لا يحقق فائض القيمة الذي هو الهدف الوحيد للرأسمالي ". رفيقنا البولشفي "حفار التاريخ" طلب إلي أن أعلل قولي هذا خاصة وأن أحداً آخر لم يتطرق إلى مثل هذا الموضوع فيما نعلم؛ وذات الطلب كرره رفيقنا المتابع الحثيث آدم عربي. وصدوعاً لطلب رفيقي الاستثنائيين مطّلب وآدم أقدم الملاحظات التالية ...
طبعاً الأسلحة ليست من البضاعة، فالمدافع والدبابات والطائرات الحربية والبوارج والغواصات لا تتواجد في الأسواق العامة وهو ما يعني أن إنتاجها لم يتم بقصد الاستهلاك البشري الذي هو مجال تنافس الرأسماليين لتحقيق أهدافهم في الربح حيث يكون الشرط الأول في الإنتاج الرأسمالي هو القيمة الاستعمالية للمنتوجات والتي هي القوة الوحيدة التي تدفع بدورة الإنتاج الرأسمالي (نقد ـ بضاعة ـ نقد) إلى الدوران كي يستمر الإنتاج الرأسمالي بالعمل. المنتوجات من الأسلحة بمختلف أجناسها وأنواعها لا تحقق مثل هذا الشرط. قيمتها الاستعمالية تتحقق فقط في التقتيل والتهديم والإنسان المفطور على البناء والتقدم لا يحتاج لمثل هذه المنتوجات ولا يشتريها ولذلك لا تعرض في الأسواق بل إن الدولة وهي مجرد أداة قمع المشتري الوحيد لمختلف الأسلحة وهي تمنع عرضها كما تمنع تداولها.
عدم دخول الأسلحة إلى الأسواق العامة له تداعيات هامة وحدية أولها هو عزل الأسلحة وعدم قبولها داخل دائرة البضاعة وهو ما يترتب عليه الأمور التالية ...
(1) أن الأسلحة لا تكتسب صنمية السلعة (fetishism) فتقيم علاقة تناسبية مع سائر السلع المعروضة في السوق تدل على قيمتها.
(2) أن للإسلحة مشترٍ واحد تعيّن قبل الإنتاج وهو الدولة.
(3) لا يتم إنتاج الأسلحة إلا بناء على طلب (Order) يحدد الكمية والنوعية ولذلك ليس هو إنتاجاً رأسمالياً يستمر ويدور.
(4) يتم تعيين مواصفات المنتوج وقيمته التبادلية عبر صفقة سياسية قبل الإنتاج وبعيداً عن آليات السوق.
(5) لا علاقة بين قيمة القطعة الواحدة (كلفة الإنتاج) والقيمة التبادلية (سعر البيع) كما هو الحال في مبادلة البضائع.
(6) الأسلحة لا تباع بقيمة ساعات العمل المختزنة فيها كما البضائع ولذلك تكون عائدات الانتاج ريوعاً غير رأسمالية.
(7) الريوع لا تشمل فائض القيمة حيث لم يتم احتساب قيمة ساعات العمل في عملية البيع، وربما قبض العمال كامل قيمة عملهم.
بناءً على ما تقدم يمكن القول أن صناعة الأسلحة لا علاقة لها بشروط الإنتاج الرأسمالي باستثناء ملكية أدوات الإنتاج التي لا تحدد وحدها نمط الإنتاج ـ كان الأفراد يمتلكون أدوات الإنتاج فيما قبل الرأسمالية أيضاً. الرأسمالية تقوم على الإتجار بقوى العمل المتجددة يومياً في العمال أما في صناعة الأسلحة فالهدف دائماً يكون الريع المحدد قبل الإنتاج وقلما يُعتمد في هذا السياق فائض العمل، وقد يُهمل تماماً. عندما تتم مبادلة المنتوج بصفقة لها بواعث سياسية قبل إنتاجه وليس من خلال احتساب ساعات العمل المبذولة في الإنتاج فعائدات الصفقة عندئذٍ لا تتضمن فائض القيمة ولا تتأتى ريوع إنتاج الأسلحة من فائض القيمة بل من بدلات الدولة المجزية. عندما كان الإتحاد السوفياتي يبيع لسوريا كل عشرين بندقية كلاشنيكوف بدولار واحد فالقيمة الرأسمالية حالتذاك لم تكن في الحسبان ومثل ذلك كان تعويض الإتحاد السوفياتي لمصر عن كل الأسلحة التي فقدتها في حرب 67. والولايات المتحدة تفعل أكثر من ذلك فهي توزع من الأسلحة على زبائنها ما قيمتها عشرات المليارات من الدولارات سنوياً؛ تقوم بتوزيع الأسلحة مجاناً وحتى بعد أن لم تعد رأسمالية.
قدس أقداس النظام الرأسمالي هو قانون القيمة الرأسمالية لكن إنتاج الأسلحة وتصريفها يخرق هذا القانون بكل فظاظة في مختلف مندرجاته ولذلك كان استثناء إنتاج الأسلحة من الإنتاج الرأسمالي، وليس خطأً أن يُقال أن صناعة الأسلحة ليست من طبيعة النظام الرأسمالي بل هي المرض الدخيل على طبيعة النظام الرأسمالي. تراكم فائض القيمة في النظام الرأسمالي ينتهي إلى أزمة قاتلة له. فموت النظام الرأسمالي هو من طبيعة النظام نفسه غير أن أطباءه الساهرين على صحته ابتدعوا له علاجاً يشفيه من مثل هذا المرض القاتل وهو إنتاج الأسلحة. المداخلة الطبية لاستعادة صحة الإنسان ليست هي أصلاً من طبيعة جسم الإنسان. ما كانت المداخلة لتحفظ صحة الإنسان لولا أنها من خارج جسم الإنسان ولذلك جاء اسمها " مداخلة ". (Medical Intervention)
عندما تمسك الأزمة بخناق أحد المراكز الرأسمالية بفعل فائض الإنتاج الذي لم يتيسر تصريفة، لا يتم عبور هذه الأزمة بغير اللجوء إلى إنتاج الأسلحة وهو الإنناج الوحيد الذي لا يصب في السوق فيفاقم من حدة الأزمة. عدة مصانع تتوقف عن الإنتاج المدني وتتحول إلى إنتاج الأسلحة ومستلزماتها ريثما تنصرف تلك الأزمة. كذلك فقط يستشفي النظام الرأسمالي المأزوم. وعندما بستشفي الإنسان المريض يترتب عليه أن يتكلف بمبالغ مالية قد تكون مرهقة له. الأمر كذلك عندما يستشفي النظام الرأسمالي المأزوم، فتكاليف إنتاج الأسلحة وهي كبيرة بمختلف المقاييس تظل دائماً خسارة كبيرة للمجتمع الرأسمالي وهي أكلاف لا تعود عليه بأي منفعة مادية. فتح أسواق جديدة كما استهدف تسلح مراكز الرأسمالية في النصف الثاني من القرن التاسع عشر والنصف الأول من القرن العشرين كان ذلك بمثابة الاستشفاء وتصريف الأزمة كيلا ينهار النظام الرأسمالي في تلك المجتمعات التي ترتب عليها أن تتكبد خسائر جسيمة في أكلاف التسلح. هذا ناهيك عن أكلاف إنتاج أجيال من الأسلحة لا تستخدم على الإطلاق، تبلى وهي في أماكن إنتاجها ويصار مع ذلك إلى إنتاج أجيال جديدة لمجرد الاستشفاء ليس إلاّ.
خُلق النظام الرأسمالي بداية لإنتاج البضائع التي تلبي حاجات الناس ولولا هذا الأمر، تلبية احتياجات الناس، لما عاش النظام عاماً واحداً خاصة وأن غرفة الاحتراق المغلقة فيه هي التربح الفردي الذي ترفضه الذائقة العامة. لكن الأسلحة لا تلبي احتياجات الناس بل تمثل لهم الموت والدمار. لذلك نقول أن إنتاج الأسلحة ليس من طبيعة الرأسمالية. من طبيعة الرأسمالية هو أن تنمو وتعبر عمرها كله حتى تشيخ وتصير إلى أزمة خانقة فتموت وتقوم الاشتراكية عوضاً عنها. تلك هي الرأسمالية التي وصفها كارل ماركس بكل دقته وشموليته المعروفتين. الاستشفاء عن طريق إنتاج أسلحة الموت والدمار إنما هو دخيل على النظام الرأسمالي وهو أشبه بزراعة أجسام غريبة في جسم الاتسان كيلا يموت. ونحن دائماً نتذكر في مثل هذا السياق موقف رفيقنا الأعظم يوسف ستالين عندما كان يرفض مسودة موازنة القوت المسلحة المتضخمة في ثلاثيتيات القرن الماضي ويكتب فوق توقيعه .. " كل كبيك يصرف في العسكرة يمثل بالقدر نفسه عائقاً على طريق تقدم الاشتراكية ".
الهدف الأول والأخير من إنتاج الأسلحة هو تعطيل مسيرة التقدم للإنسانية، والرأسمالية مثلت أساساً أعظم قفزة قفزتها الإنسانية على طريق التقدم قبل أفق الاشتراكية كما يؤكد الماركسيون؛ لذلك نؤكد أن إنتاج الأسلحة ليس من طبيعة الرأسمالية.
أرجو أن أكون قد وضّحت هذا الأمر الملتبس للرفيقين المميزين عبد المطلب العلمي من أكرانيا وآدم عربي من كندا مع خالص التحية لهما وخالص الشكر على وقوفهما عند هذا الإلتباس.
www.fuadnimri.yolasite.com
#فؤاد_النمري (هاشتاغ)
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟