|
كتاب : النظرية السياسية بين التجريد والممارسة
ابراهيم ابراش
الحوار المتمدن-العدد: 3877 - 2012 / 10 / 11 - 04:29
المحور:
قراءات في عالم الكتب و المطبوعات
"النظرية السياسية من المواضيع الرئيسة في علم السياسة، واعتمادها كمجال معرفي ومادة للتدريس اعتراف بمرحلة النضج التي وصل إليها الفكر السياسي وعلم السياسة بشكل عام، فأن تُهيكل الأفكار السياسية في إطار نظريات علمية، معناه أن السياسة لم تعد مجرد أفكار ومقولات عامة بعيدة عن الواقع، بل أصبح من الممكن ضبط وتقنين الشأن السياسي ليصبح علماً مثل العلوم الأخرى. ومن هنا ليس عبثاً أن يدخل لفظ النظرية في المجال السياسي، وهو لفظ مستمد أصلاً من العلوم الحقة التي وصلت إلى درجة من الدقة والضبط جعل من الممكن ضبط مقولاتها في إطار نظريات علمية قابلة للتعميم، وتكون هادياً للباحث في تلك العلوم. لا غرو إن كان اعتماد مفهوم النظرية والقوانين السياسية، إضافة إلى توظيف أدوات البحث العلمي ومناهجه في المجال الاجتماعي، محاولة من الباحثين الاجتماعيين والسياسيين للوصول بالمعرفة الاجتماعية والسياسية إلى درجة من الدقة والموضوعية شبيهة بالحالة التي عليها العلوم الحقة. ومع ذلك، وعلى الرغم من الجهود الشاقة التي بذلها العلماء الاجتماعيون والسياسيون في هذا المجال، إلا أن بعض العلماء ما زال يشكك في علمية المعرفة الاجتماعية بما في ذلك النظريات والقوانين الاجتماعية والسياسية، حتى عندما سئل الفيلسوف الفرنسي ليفي شتراوس Claude Lévi - Strauss: هل هناك علوم اجتماعية؟ أجاب: لدي شك في ذلك. وشكّه ينبع من إدراكه أن الظواهر الاجتماعية تختلف عن الظواهر الطبيعية، فإذا كانت الأولى قابلة للملاحظة والضبط والتجريب، فإن الثانية على درجة كبيرة من التعقيد وعدم الثبات والتحول من حال إلى حال، فالظاهرة الاجتماعية يتداخل في تشكلها مؤثرات سسيولوجية ونفسية ودينية واقتصادية وعاطفية، ما يجعل حصر مكوناتها وإخضاعها للتجربة أمراً شاقاً، وهذا الأمر يجعل من المخاطرة وبمثابة مغامرة علمية، صياغة نظريات وقوانين بعيدة المدى تزعم القدرة على فهم وتفسير الظواهر الاجتماعية بشكل مُرض، ومن هنا فإن الباحثين يتعاملون بحذر مع النظريات الاجتماعية والسياسية وخصوصاً بعيدة المدى وشمولية التحليل. إن قولنا المشار إليه أعلاه لا ينفي الجدوى عن النظريات الاجتماعية، ولكن المقصود أنه في مجال التنظير الاجتماعي والسياسي يجب ألا يتبادر إلى الذهن أن عملية التنظير في هذا المجال تغني الباحث عن المقاربات الميدانية والتجريبية، أو أن النظريات السياسية تعبير صادق عن الواقع، فما بين الواقع والنظريات فجوة كبيرة والعلماء يلهثون دوماً لصياغة نظريات يمكنها أن تواكب الواقع، فالنظريات وحتى التي تزعم أنها علمية وموضوعية لا تتطابق دوماً مع الواقع، ولنا في واقع الحياة السياسية اليوم خير دليل على ذلك، فلا توجد أية نظرية سياسية قادرة لوحدها على تفسير وفهم ما يجري في السياسة الدولية، والفهم والتفسير من أهم أهداف النظرية السياسية. جاء اعتماد مصطلح النظرية في العلوم السياسية بعد رحلة طويلة وشاقة وممانعات متعددة المصادر واجهت الفكر السياسي، حيث انتقل من فكر تهيمن عليه الأسطورة والفلسفة السياسية إلى فكر علمي يعتمد على مناهج البحث العلمي، وتعد النظريات السياسية العمود الفقري لعلم السياسة، فالنظرية السياسية هي ذلك الجزء العلمي والممنهج من الفكر السياسي الذي كان أفكاراً عائمة وغير مضبوطة قبل أن تصبح السياسة علماً قائماً بذاته. على الرغم من الاعتراف بالعلم السياسي وبالنظريات السياسية، إلا أن علماء السياسة ما زالوا يناضلون حتى يُعترف بهم كمرجعيات رئيسة في الحقل السياسي، وما زالوا في بلدان العالم الثالث على وجه التخصيص مهمشين ومستَبعَدين على مستوى الممارسة السياسية، حيث هواة السياسة وتجار السياسة ومستلبو السلطة من العسكر والمغامرين يحتكرون الحياة السياسية، هذا ناهيك عن الممانعة التي تجدها النظرية السياسية من الفكر الغيبي والأسطوري ومن تيارات دينية، ترفض أية مرجعية وضعية لتدبير أمور المجتمع بما فيها الشأن السياسي. قد يتساءل البعض: أيهما أكثر دقة، مصطلح ""نظرية سياسية"" أو ""نظريات سياسية""؟ وهو تساؤل مشروع خصوصاً عندما نرى مؤلفات تتناول موضوعات تحت مسمى (النظرية السياسية)، ومؤلفات أخرى تتناول الموضوعات نفسها تحت مسمى (النظريات السياسية). إن اختلاف التسمية في نظرنا وإن كان ليس بالأمر الذي يستحق كثير نقاش، إلا أنه في بعض الأحيان يحدث لُبساً، فاستعمال تسمية النظرية السياسية قد يوحي عند البعض وجود نظرية واحدة تستوعب مجمل الشأن السياسي، وقابلة للتطبيق في كل المجتمعات، كما أن تسمية نظرية سياسية يجعل الأمر وكأن المقصود به تاريخ الأفكار السياسية أو مجمل التنظيرات السياسية. أما اعتماد مصطلح النظريات السياسية فيوحي بوجود نظريات- بالمعنى الدقيق للكلمة نسبياً- متعددة كل منها يتناول جانباً من الظاهرة السياسية، فهناك نظرية حول الدولة، وأخرى حول الديمقراطية، وثالثة حول السلطة... الخ، وحيث إن مصطلح النظرية السياسية هو الذي شاع في مجال الدراسات الأكاديمية، فسنستعمل هذا المصطلح. ولا بد من الإشارة هنا إلى أنه في محاولتنا هذه لإصدار مؤلف حول النظرية السياسية كنا مترددين ما بين التركيز على الجانب المفاهيمي من النظرية السياسية أو إعطاء الأولوية لمحتوى النظرية السياسية، أي الموضوعات التي تدرسها وتدخل في حقل اهتماماتها، أيضاً كنا مترددين ما بين الاهتمام بالجانب القيمي والأخلاقي من الشأن السياسي أو الاهتمام بواقع الممارسة السياسية. لا شك أن الطالب الجامعي الذي يدرس لأول مرة النظرية السياسية وربما لا يكون على معرفة كافية بالمقصود بالنظرية السياسية كمفهوم، يحتاج كماً كافياً من المعلومات النظرية والمفاهيم المجردة حول الموضوع، ولكن المفاهيم المجردة وحدها لا تكون كافية إن لم تُصاحب بأمثلة وتطبيقات وتحليل لموضوعات تُقَربُ الطالب من فهم المقصود بالنظرية السياسية. وعلى هذا الأساس حاولنا أن نجمع ما بين الجانب النظري والجانب التطبيقي. ومع ذلك فقد انتابتنا حالة من التردد فيما يتعلق بالجانب التطبيقي، فليس من السهل تناول كل الموضوعات التي تدخل ضمن إطار اهتمام النظرية السياسية، لكثرة هذه الموضوعات وتعدد تفرعاتها، وحتى تباين تطبيقات النظرية الواحدة من نظام سياسي إلى آخر، فالنظرية حول الدولة فيها الجانب التاريخي وفيها التنظيرات التي تخص الدولة الراهنة في العالم الغربي، وتلك التي نظّرت للدولة الاشتراكية والشيوعية زمن وجود المعسكر الاشتراكي، وبعضها يتحدث عن نظرية الدولة في الإسلام... الخ. ولكننا كمجتمعات عربية إسلامية نعيش في دول لها خصوصياتها، وعليه لا يفيد أن ندرس نظرية الدولة في الغرب أو الشرق أو عبر التجارب التاريخية ونتجاهل خصوصية الدولة في العالم العربي والإسلامي. الأمر نفسه بالنسبة إلى الديمقراطية، فدراسة النظرية الديمقراطية كما نشأت في الغرب وتطورت وكما تُمارَس اليوم هناك، مفيدة ولا شك، وتعتبر مرشداً وأنموذجاً يمكن الاسترشاد به أو البناء عليه، ولكن في مجتمعاتنا العربية الإسلامية، هل يمكن الأخذ بالنظرية الديمقراطية الغربية بحذافيرها؟ أم أن الأمر يتطلب عملية تبيئة لمقولات هذه النظرية لتتناسب ومجتمعاتنا؟ أيضاً نظرية الثورة من حيث تعريفها والظروف الدافعة لها ومقارنتها بواقع التحركات الشعبية العربية الراهنة. وغير ذلك من الموضوعات التي تحتاج إلى الجمع ما بين النظرية والتطبيق. وفي الختام، لا بد من الاعتراف بأن عملنا هذا هو محاولة لمقاربة موضوع النظرية السياسية، سواء على مستوى الجانب المفاهيمي أو على مستوى الممارسة في ظل عالم باتت تحكمه المصالح المتضاربة وعودة الأيديولوجية مجدداًن إضافة إلى أفكار أصولية تؤثر في سلوك المجتمعات ونظرتهم لأنفسهم وللعالم من حولهم أكثر من تأثير العلم ونظرياته السياسية. ونرجو أن يوفر هذا الكتاب قاعدة لمناقشات مستفيضة حول النظرية السياسية، وخصوصاً أننا حاولنا أن نثير قضايا لها علاقة بواقع النظرية السياسية في عالمنا العربي الذي يشهد أحداثاً عاصفة وتحولات مفتوحة على كل الاحتمالات.
#ابراهيم_ابراش (هاشتاغ)
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
ما وراء عودة الحديث عن دولة ثنائية القومية في فلسطين
-
الشرعية الدولية تمنحنا أكثر من مجرد قرار غير ملزم
-
نحو علم اجتماع سياسي فلسطيني
-
مراجعة لكتابنا (المشروع الوطني الفلسطيني من استراتيجية التحر
...
-
الوطنية الفلسطينية بين قوى إسلامية ناكرة لها وقيادة تاريخية
...
-
كفى مكابرة ولنقلها صراحة، لقد فشلت تسوية أوسلو
-
الرئيس أبو مازن والسباحة ضد التيار
-
قطاع غزة : أدوار وظيفية ومراهنات متعددة
-
هل المشروع الوطني الفلسطيني كبش فداء صعود الإسلام السياسي إل
...
-
النخبة السياسية الفلسطينية: صناعة الانقسام وأوهام الانتصار (
...
-
النخبة السياسية الفلسطينية: صناعة الانقسام وأوهام الانتصار (
...
-
من يحمي الفلسطينيين من اشقائهم العرب؟
-
النخب السياسية الفلسطينية : صناعة الانقسام واوهام الانتصار
-
فساد النخبة وإفساد الكتاب والمثقفين
-
فلتذهب دولة غزة إلى الجحيم
-
استشراف مستقبل الصراع العربي الإسرائيلي ما بعد (الربيع العرب
...
-
ما وراء طرح فكرة الشراكة السياسية في الساحة الفلسطينية
-
حتى وإن كانت قناة الجزيرة
-
فوز مرسي وتداعياته فلسطينيا
-
فوز مرسي ما بين انتصار الإخوان المسلمين وانتصار الثورة والدي
...
المزيد.....
-
حضرت لها مفاجأة خاصة.. نجوى كرم تشكر معجبة أنقذتها من السقوط
...
-
تتعقب موقع الشمس وتُخبرك بموعد رؤية النجوم.. ألق نظرة على سا
...
-
منها 17 دولة عربية.. قائمة ترامب الكاملة بأسماء الدول التي ف
...
-
دنيا سمير غانم تتوجه برسالة لمتابعي مسلسل -عايشة الدور-
-
أثرياء السعودية.. تقرير يكشف أثرى 10 أشخاص في المملكة
-
مبعوث بوتين يؤكد أهمية استعادة الحوار بين موسكو وواشنطن ويحذ
...
-
فرنسا تعقد اجتماعًا طارئًا لمجلس الدفاع والأمن مع تصاعد التو
...
-
مع وصول نتنياهو، المجر تعلن اعتزامها الانسحاب من الجنائية ال
...
-
مسيرة إسرائيلية تستهدف سيارة على طريق بنت جبيل – يارون في جن
...
-
واشنطن: كل شيء جاهز لتوقيع اتفاق المعادن مع كييف
المزيد.....
-
-فجر الفلسفة اليونانية قبل سقراط- استعراض نقدي للمقدمة-2
/ نايف سلوم
-
فلسفة البراكسيس عند أنطونيو غرامشي في مواجهة الاختزالية والا
...
/ زهير الخويلدي
-
الكونية والعدالة وسياسة الهوية
/ زهير الخويلدي
-
فصل من كتاب حرية التعبير...
/ عبدالرزاق دحنون
-
الولايات المتحدة كدولة نامية: قراءة في كتاب -عصور الرأسمالية
...
/ محمود الصباغ
-
تقديم وتلخيص كتاب: العالم المعرفي المتوقد
/ غازي الصوراني
-
قراءات في كتب حديثة مثيرة للجدل
/ كاظم حبيب
-
قراءة في كتاب أزمة المناخ لنعوم چومسكي وروبرت پَولِن
/ محمد الأزرقي
-
آليات توجيه الرأي العام
/ زهير الخويلدي
-
قراءة في كتاب إعادة التكوين لجورج چرچ بالإشتراك مع إدوار ريج
...
/ محمد الأزرقي
المزيد.....
|