فاخر السلطان
الحوار المتمدن-العدد: 3728 - 2012 / 5 / 15 - 12:21
المحور:
العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
لن تخطو إيران الخطوة السياسية فحسب للاتحاد مع العراق (يقول المراقبون بأنها تأتي ردا على المبادرة الخليجية - السعودية - لتفعيل فكرة الاتحاد) بل تسعى للاستعداد لتلك الخطوة من جوانب عدة، أبرزها القيام بخلق واقع سياسي ديني في العراق ينطلق من النظام الأساسي الإيراني القائم على نظرية "ولاية الفقيه السياسية" والتي تسمى بالولاية العامة. أي القيام بتثبيت حجر الأساس الديني السياسي، ليُصار بعد ذلك الدعوة إلى الإتحاد، الذي سيستند إلى المنهجية الدين/سياسية. من هنا جاءت فكرة وجود مرجعية دينية إيرانية في النجف مؤمنة بـ"ولاية الفقيه السياسية" متمثلة في شخص رئيس السلطة القضائية السابق في إيران آية الله محمود الشاهرودي.
ومعروف عن النجف أنها احتضنت أبرز المراجع الشيعة على مر التاريخ الحديث، من هؤلاء المرجع الراهن آية الله علي السيستاني، وقبله المرجع ابوالقاسم الخوئي والمرجع حسين بروجردي والمرجع محسن الحكيم والمرجع ابوالحسن الاصفهاني. وتوجد في النجف الحوزة العلمية الأبرز بالنسبة للشيعة، والتي تخرّج منها رجال دين بارزون لعبوا دورا دينيا واجتماعيا وسياسيا مميزا، منهم المرجع اللبناني محمد حسين فضل الله. ويتسم منهج الحوزة في النجف برفض العمل بالولاية العامة والدفع بالولاية الخاصة، وقد ربطت العمل بالولاية العامة بظهور الإمام المهدي، الإمام الثاني عشر عند الشيعة، واعتبرت نظرية "ولاية الفقيه السياسية" بدعة في الدين.
ومن خلال مرجعية الشاهرودي في النجف - والتي يتوقع المراقبون أن يتم الإعلان عنها بعد وفاة السيستاني، ويقال بأنه سيكون مرجعا لأنصار حزب الدعوة الذي ينتمي إليه رئيس الوزراء العراقي نوري المالكي - سيشتد التنافس في تلك المدينة المقدسة بين منهجين شيعيين، أو بين حوزتين دينيتين تمثلان مدرستين مختلفتين في رؤيتهما لمسألة الولاية، الأمر الذي من شأنه أن يخلق صراعا لن يكون على النفوذ الديني وعلى استقلالية المرجعية والقرار المرجعي فحسب، بل ستمتد صوره لتشمل جوانب سياسية واجتماعية ومالية مختلفة، وبخاصة تلك المتعلقة بقضايا ومسائل الحكومة الدينية، وبتدخّل المرجع الديني والحوزة العلمية في القرار السياسي العراقي، وبهيمنة دولة ولاية الفقيه (إيران) على قرار الحوزة وسيطرة مصالحها على مختلف صور الصراع السياسي والديني. وترى صحيفة "نيويورك تايمز" أن الإعلان عن مرجعية الشاهرودي في النجف بعد وفاة السيستاني من شأنه أن يعزز نفوذ إيران على الشعب العراقي وعلى الشيعة في كل مكان، واعتبرت أن الهدف الإيراني طويل المدى من ذلك يرمي إلى نقل الثورة الإسلامية إلى العراق. وتعليقا على المخاوف من وصول شاهرودي إلى منصب المرجعية، يقول مدير مكتب السيستاني في النجف لـلصحيفة نفسها إن النظام الإيراني لن ينجح في هذا المسعى لأن "الدستور هو الذي يحكم هنا، والعراقيون صوتوا لصالحه".
وبالنسبة لواشنطن، كما تقول "نيويورك تايمز"، فإن السيستاني يعتبر "صوت الاعتدال وضبط النفس خلال سنوات المذابح الطائفية عندما كان العراق على حافة السقوط في أتون الحرب الأهلية"، وقد "تدخّل في اللحظات الحاسمة خلال فترة الاحتلال الأمريكي، كان من بينها الحدث الأبرز عندما دعا مئات الآلاف من أنصاره في عام 2004 إلى النزول إلى الشوارع للمطالبة بإجراء انتخابات مباشرة على الرغم من اعتراض السلطات الأمريكية". لكن، ما هو موقف إيران في المقابل؟ إن وجود الشاهرودي في النجف، بعد رحيل السيستاني، من شأنه أن يخلق واقعا جديدا على مختلف الأصعدة، وبالذات على الصعيد السياسي، إذ سيتجه القرار المرجعي صوب المسائل السياسية المتبناة في إطار "ولاية الفقيه السياسية" والتي تصب نتائجها بالتأكيد في صالح الجمهورية الإسلامية في إيران، وستصبح المصلحة العراقية معجونة بالمصلحة الإيرانية تحت شعار "مصلحة الأمة الإسلامية"، وسيغدو "الاستكبار العالمي" ممثلا بالولايات المتحدة وإسرائيل هما عدو العراق الأول إنطلاقا من الرؤية الإيرانية على الرغم من الدور الذي لعبته أمريكا في تحرير العراق، وسيصبح "رجل إيران في العراق" هو ذاك السياسي الذي سيحكم البلد بغض النظر عن الجوانب المؤثرة الدينية والمذهبية والعرقية والسياسية والعشائرية التي من المفترض أن تساهم في تكوين شخصية هذا الرجل.
فخطوة الإعلان عن مرجعية الشاهرودي وانتقاله إلى النجف، تصب في صالح الرؤية الإيرانية تجاه العراق في ظل تباين المشاكل العراقية وتعقيداتها. وهي خطوة من شأنهأ أن تجعل واشنطن تعيد النظر في علاقتها بحوزة النجف الدينية "غير السياسية" في إطار الفرز ما بين حوزة تنظّر للإسلام السياسي انطلاقا من علاقة واضحة مع دولة "ولاية الفقيه"، وبين أخرى ترفض أي علاقة منهجية علمية بين الدين والسياسة.
وعلى الرغم من مسعى الولايات المتحدة لتطوير علاقاتها مع حوزة النجف بعد إسقاط النظام العراقي السابق، بهدف دعم الاتجاه الديني غير السياسي والتضييق على المدرسة الدينية السياسية كجزء من استراتيجية شاملة في المنطقة، إلا أن واشنطن خفّفت من وطأة تلك الاستراتيجية في ظل تطورات الأحداث على الأرض في العراق، ثم التطورات التي لحقت الدول العربية بعد فورة الربيع العربي والتي كان للتيار الديني السياسي حصة الأسد من ثمارها المقطوفة. فوجّهت واشنطن خطواتها السياسية في العراق وفي دول الربيع العربي اعتمادا على اللاعبين الرئيسيين فيها والذين كانوا في غالبيتهم ينتمون إلى التيار الديني السياسي، لكنها سعت إلى قطع حبل العلاقة بين تلك التيارات وبين إيران، وكانت موفقة إلى حد كبير في هذا المسعى. لذلك، سعت إيران في المقابل إلى تقوية وجودها السياسي في مناطق الصراع تلك، بدءا من العراق، مرورا بدول الربيع العربي، انتهاء بمرجعية الشاهرودي في النجف. والسؤال الذي قد يطرح هنا هو: ما هي طبيعة المواجهة المتوقعة بين أمريكا وبين إيران في ظل صراع المدارس الدينية الساعية إلى الهيمنة على القرار السياسي والديني في النجف؟
فالمشروع الأمريكي للتغيير في المنطقة يسير في إطار "لبرلة" التيار الديني السياسي، ويتناغم مع فكر الحوزة الدينية التقليدية "غير السياسية" في النجف، فيما تسعى طهران إلى دعم مشروعها المرجعي في النجف في ظل رؤية سياسية دينية متكاملة للمنطقة وفي إطار مصالح متناغمة مع عنوان "ولاية الفقيه". ومن شأن حوزة النجف "غير السياسية" أن تدعم الخطوات الأمريكية لا الخطوات الإيرانية، لأن ذلك قد يعرقل سياسات تثبيت المرجعية الدينية السياسية في النجف، ويساهم في إضعاف موقع منافسها الفكري الذي يستمد قوته لا فقط من طهران، بل من مدينة قم أيضا.
كاتب كويتي
#فاخر_السلطان (هاشتاغ)
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟