جعفر المظفر
الحوار المتمدن-العدد: 3464 - 2011 / 8 / 22 - 22:56
المحور:
السياسة والعلاقات الدولية
بشأن البادئ في الحرب وقضية التعويضات لندع الآن ما تقوله إيران أو ما قاله العراق سابقا, ولنترك أيضا تصريح السيد طلال الزوبعي الذي طالب إيران بدفع مبلغ سبعمائة مليار دولار تعويضا عن أضرار حرب كانت بدأتها إيران في رأيه لأن الزوبعي كما هو معروف محسوب على العراقية وهو "سني" أيضا بما يسمح بوجود اجتهادات قد تشكك بعواطفه تجاه إيران . لنترك ذلك ونقف أمام بعض التصريحات العراقية التي صدرت من شخصيات عرف عنها قربها الوثيق من إيران. ومنها ما أعلن على لسان السيد فالح ساري طالب النائب عن المجلس الأعلى والذي دعا فيه الحكومة العراقية إلى إقامة دعوى قانونية ضد إيران لإجبارها على دفع تعويضات عن حربها مع العراق, ومثله أيضا ذلك الذي صدر من النائب عن دولة القانون إبراهيم الركابي.
المعلوم إن الحركتين السياسيتين اللتين ينتمي إليهما كلا النائبين هما قريبتان لإيران وكانا قاتلا إلى جانبها في تلك الحرب, وبهذا يكون بالإمكان القول: أنهم شهود على القضية من داخلها.
لكن بعيدا عن الحديث حول وثائقية التصريحين لا بد من البحث عن الأسباب التي قد تكون وراءهما.
من المتوقع إن هاتين الحركتين باتتا تدركان تماما التأثير السلبي لعلاقتهما مع إيران على مستقبلهما السياسي في العراق. ولقد ظلتا طيلة الثمانية سنوات التي تلت دخول الاحتلال تعيشان على ترويج التراث السلبي لصدام حسين وليس على قدرتها لأن تكون بديلا إيجابيا لنظامه.
وفي حمأة فشل النظام في تحقيق إنجاز واعد على أي مستوى, وفي الوقت الذي يتواصل فيه مسلسل تراجع البنى الأمنية والسياسية والاقتصادية بينما يتصاعد الفساد وتتفاقم الأزمة السياسية ويصير الخطاب الطائفي رثا ومتراجعا. في حضور كل ذلك سوف يتراجع تأثير الخطاب المعادي لصدام في عملية إدامة السلطة ومنحها الشرعية المطلوبة.
على الجهة المقابلة فإن المظاهر المتعددة لرفض الشارع الشيعي للتدخلات الإيرانية بالشأن العراقي الداخلي سيؤدي إلى زعزعة مكانة هذه الحركات بين صفوف جماهيرها ويفتح الأبواب واسعة نحو قيام ونمو حركات سياسية معادية للتدخل الإيراني كبدائل لتلك التي تعجز عن تمثل الأهداف الوطنية. في وسط هذه المعمعة, ومن خلال مواجهات تنال من السيادة والثورة الوطنية وفي مقدمتها قضية التعويضات تأتي إيران لتوجه ضربة كبيرة لهذه الحركات حينما تضعها في موقع التناقض الصارخ مع المصالح الوطنية للشعب العراقي.
ولو أن هذه الحركات كانت في المعارضة, ولو أنها لم تكن تتصدر الحكم في العراق حاليا لكان في إمكانها أن تحتوي الموقف بأية طريقة أو أن تتعامل معه وفق قاعدة السكوت من ذهب. بهذا فإن إن إيران والكويت يضعان هذه الحركات في موقف صعب جدا, فالأولى بمطالبتها بالتعويضات والثانية بتخطيطها لمينائها اللامبارك, إضافة إلى ما يرتكبانه من إثم التجاوز على الأرض والنفط العراقي, إنما يؤسسان لبداية مرحلة جديدة مختلفة تماما عن سابقتها, وسيكون أبرز ما في هذه المرحلة الجديدة تقدم ثقافة التناقض الوطني مع إيران التي ستعمل بدورها على إنهاء صلاحية الخطاب السياسي القديم والتعجيل بتراجع كل حركة سياسية لا تحاول اللحاق بمعطيات المرحلة.
من ناحية أخرى يمكن ملاحظة أن الوضع الإقليمي لم يعد في صالح إيران أبدا. إن نهاية قادمة لنظام الحكم في سوريا سوف تفقد إيران أهم حلفاءها الإستراتيجيين, كما أنها ستعجل أيضا بتراجع موقف وموقع الحلفاء الآخرين وهما حماس وحزب الله. وسيكون مقدرا لهذا التراجع أن يكون له موقفا سلبيا حتى في الداخل الإيراني نفسه الذي ظل يعتمد على تصدير أزماته إلى الخارج وعلى تفعيل العناوين الثورية التي قاربت صلاحيتها على الانتهاء. وما لم تعمل الحركات السياسية العراقية القريبة من إيران على فك تداخلها السياسي مع هذه الأخيرة, فستجد نفسها هي أيضا في موقف صعب لا ينقذها منه خطابها السياسي القديم.
في الساحة العراقية سوف تحاول إيران التمسك بمزيد من الأوراق التعويضية مما يعرض حلفاءها لضغوط لا تحتمل. هذه المشكلة سوف تتفاقم كلما اقتربت نهاية النظام السوري. وفي العراق هناك مساحة متداخلة بين المصالح الأمريكية والإيرانية وهناك اتفاق غير معلن هنا, وهدنة معلنة هناك, فهل ممكنا أن تدخل قضية التعويضات من مناطق التداخل تلك ؟! لا أعتقد أن من السهولة تصريف أمر كهذا حتى على افتراض حصوله. جانب الصعوبة فيه أن ملف الحرب العراقية الإيرانية من الناحية القانونية كان قد أغلق منذ ما يقارب الثلاثة والعشرين عاما وليس منطقيا أن يعاد بحثه من جديد, وليس هناك سابقة تشير إلى حادثة بهذا المعنى كما أنه ليس من صالح أمريكا أو بريطانيا أو فرنسا أن تنتصر الآن لإيران في موقف كانوا فيه ضدها وعملوا كل جهودهم من أجل كبح جماحها من خلاله. إن ذلك يتطلب تزييف التاريخ كله وليس جزء منه, وهو أمر ليس من السهولة تحقيقه خاصة حينما تكون وقائع الحدث ما زالت طرية وشاخصة في الأذهان.
إذن لن يتبقى أمام إيران سوى أن تلجأ إلى محكمة العدل الدولية التي تختلف آليات عملها عن تلك التي يعمل بها مجلس الأمن الدولية.
لذلك يتساءل العراقيون الذين فاجأتهم تلك التصريحات: وماذا لو كان تصريح النائبين قد جاء بالاتفاق مع إيران وذلك من أجل جر العراق إلى محكمة العدل الدولية في ظل ظروف لن تساعده مطلقا على إدارته لملف النزاع بشكل سليم ومقنع, مما قد يؤدي إلى أن تكسب إيران القضية.
وسيكون زعل النائبين على وجود هذا الظن غير محله وذلك بسبب أن العلاقات التاريخية بين حزبيهما وإيران تشجع على قيام هذا الظن وتجعل عدم احتسابه جزء من غفلة كبيرة.
بالنسبة لخبراء عراقيين في العمل الدولي فإن العراق ليس بحاجة مطلقا للذهاب إلى محكمة العدل الدولية, فالعراق أصلا لم تكن له النية سابقا لفتح ملف التعويضات الذي ظل من اهتمامات الحكومة الإيرانية وذلك بسبب الحرب مع الكويت, وبسبب الموقف الدولي السلبي منه, وأيضا بسبب ميله إلى تهدئة الوضع مع إيران الذي لم يتبقى له غيرها " صديق" تراهن عليه في منطقة صار كل من فيها أعداء له.
لكن علينا أن نعرف أن الدعوة الإيرانية لعرض ملف التعويضات على محكمة الدولية سوف لن يكون لها فاعلية قانونية أو استجابة دولية ما لم يكن طرفا النزاع قد قررا في وقت واحد الذهاب إلى تلك المحكمة. إن آليات العمل في مجلس الأمن تختلف كثيرا عن تلك التي تعمل بها المحكمة الدولية, فحين يكون من حق مجلس الأمن أن يصدر قرار بشأن طرفي نزاع حتى ولو لم تكن هناك دعوة للمجلس من أحد الطرفين أو من كليهما فإن محكمة العدل الدولية في لاهاي لا يمكن أن تنظر بقضية ما لم يطلب منها طرفا النزاع ذلك.
وحتى يبدأ تحريك الموقف قانونيا لا بد من الحصول على موافقة العراق بالذهاب إلى تلك المحكمة, وكل دعوة تزين للعراق أمر التقدم بالشكوى ضد إيران ستعمل على جره, جهلا أو بنية مبيتة, إلى الدخول في المأزق راضيا.
وأقول: المأزق, لأن ظرف العراق الحالي يجعله عاجزا تماما عن الدفاع عن قضيته بمستوى الندية مع إيران, فبينما تحتفظ إيران بوثائق كثيرة تجعلها قادرة على المناورة حتى بشكلها القانوني فإن العراق كان خضع إلى عملية نهب وتدمير لكل الوثائق الهامة التي تساعده على الوقوف بندية مع الجانب الإيراني مما سيجعله يتصرف تماما مثل شخص فقد ذاكرته, وهل بإمكان شخص فقد الذاكرة أن يكون قادرا على الدفاع عن تاريخه.
هذا أولا.. أما ثانيا فان العراق الآن في أضعف حالاته, وإذا كانت حكومته ذاتها لم تتشكل إلا بموافقات إيرانية كانت جرت بدون خجل ومواربة على الأرض الإيرانية فما الذي يمنع قادة العراق على عدم المزايدة على حقوقه الأساسية في هذه القضية.
أما ثالثا.. فإن القصف الإيراني لمناطق كردستان العراق سيجعلنا نتعرف على مقدار الضغوط التي يمكن أن يتعرض لها أخوتنا الأكراد خاصة وهم الذين يقودون الآن الدبلوماسية العراقية ويحددون اتجاهاتها, وليس مطلوبا التشكيك الآن بموقف السيد زيباري لكن من الواجب الإشارة إلى مكان الصعب في سياسته, كما أن من الضروري الإشارة إلى المناطق الرخوة التي تضعف قدرة العراق على إدارة الملفات الحساسة.
إن التصريحات العراقية الأخيرة التي صدرت من قبل النائبين ربما كانت تأسست على واقعية استشراف المطلوب السياسي المستقبلي لحزبيهما, وربما كانت هذه التصريحات قد قامت على دراية سياسية وعلى نيات طيبة, لكن قطع دابر الشك باليقين سيكون مدعاة للحذر من كل المحاولات التي قد تجر العراق إلى موقف لا قدرة له على مواجهته.
#جعفر_المظفر (هاشتاغ)
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟