أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - حسنين السراج - الأستعلاء بين العقل الألحادي والعقل الايماني















المزيد.....

الأستعلاء بين العقل الألحادي والعقل الايماني


حسنين السراج

الحوار المتمدن-العدد: 3364 - 2011 / 5 / 13 - 09:49
المحور: العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
    


- حسنا يا سيدي ... أنت تؤمن بوجود الله
أجاب رجل الدين بصوت خفيض :
- أجل أنا اؤمن
قال الملحد في أبتسامة الواثق من نفسه :
- وأنت توافق أيضا على أن محيط الأرض 28000 ميل اليس كذلك؟
- من غير شك .
- أرجوك أذن أن تخبرني عن حجم الهك وأين يمكن أن يوجد .
- حسنا أذا صدق ظننا فأنه يقيم في قلبينا نحن الأثنين .
- (أجاب الملحد) كفى كفى لا تحسبني طفلا ! وأعتصم رجل الدين بصمت متضع .

حصلت هذه المحاورة أمام المهاتما غاندي اثناء حضوره جنازة أحد الملحدين البارزين وحضر فيها جمهرة كبيرة من الناس وعدد قليل من رجال الدين ليؤدوا واجب الأحترام الاخير . وبعد دفن الجنازة وأثناء أنتظار القطار جرى الحوار بين رجل دين وملحد متحمس كما يصفه غاندي . ويقول غاندي أن هذه المحاورة زادته كرها للالحاد .
السبب الرئيسي الذي جعل غاندي ينفر من الالحاد الذي كان قد تأثر به في ايام شبابه الاولى هو غرور وأستعلاء الملحد في طريقة محاورته لرجل الدين . ويبدو أن نسبة من المحلدين المعاصرين يتصفون بنفس الصفة .

أن السبب الذي يجعل العقل الايماني للمؤمن الملتزم دينيا يميل الى التكبر والتعالي على الاخر . هو الشعور بأنه قريب من الله وغيره بعيد عنه . مما يعطيه شعور بالرفعة والعلو عن باقي المجتمع . المؤمن يشعر بأن هناك هالة تحيط به . وهناك ملاك حارس يحميه . ويرى الاخرين أقل منه درجة لذلك يترفع عن التفاعل معهم ولا يجد ضير في عدم أعطائهم الأاحترام الكافي .

أما السبب الذي يجعل العقل الألحادي يميل الى التكبر والغرور في التعامل مع الاخر . هو الأيمان بفكرة ان منبع الالحاد هو أحترام العقل وأحترام العلم وعدم الايمان بالخرافات . لذلك يشعر الملحد بانه مميز . ويملك عقل أكثر رجاحة من عقل الاخر . فالاخر يؤمن بوجود ملائكة وشياطين لا يوجد دليل واحد على وجودها . والاخر يؤمن أن قراءة بعض الكلمات من القران قد تحميه . والاخر يؤمن أن هناك حياة أخرى بعد الموت . وهي فكرة جميلة لكنها خدعة يخدع البشر بها نفسه . ومن يؤمن بهكذا أفكار هو في الواقع يغيب عقله في نظر الملحد . لذلك يجد الملحد نفسه عبارة عن أنسان تمكن من أيقاد شعلة التفكير في عقله وتجاوز حاجز الممنوع في التفكير . مما يعطيه شعور بالتفوق والتميز عن البقية . والمشكلة ليست في الشعور بالتفوق بل في التعامل مع الاخر من منطلق هذا الشعور .

حين يجري حوار مفتوح دون قيود بين مؤمن وملحد من تلك النسبة التي تتعامل بكبرياء وأستعلاء . قد تجد أن الحوار سيتسم بالتفاخر . فسيتفاخر المؤمن بنعمة الايمان ورجاحة العقل وحسن العاقبة وسيتفاخر الملحد بالجراة في التفكير دون قيود والأيمان بالعقل والعلم والنظريات العلمية التي تدعم الالحاد . كلاهما يشعر بأن الاخر خاوي وغبي ولديه في راسه بدل الدماغ ضفدع .

التكبر الايماني منبعه الشعور بالسمو لمتانة علاقة المؤمن بالله التي تجعله يترفع عن التعامل ببساطة مع الاخرين . والتكبر الالحادي منبعه الشعور بالسمو العقلي والأيمان بالعلم والابتعاد عن الخرافات . التي تسيطر على الاخر ولا يستطيع تجاوزها .

أن الأوصاف السابقة للملحد والمؤمن على حد سواء من المحتمل أن تجدها ممزوجة في عقل المؤمن العلماني . الذي تجده مرة يشعر بالكبر لأنه يؤمن بوجود الله ويحمد الله على نعمة الايمان . وتجده مرة يتهم المؤمنين بالجهل لأنهم يقومون بعادات يجدها سخيفة . فهو مغرور غرور مزدوج مرة لأيمانه بالله ومرة لنكرانه الخرافات .
قبل فترة كان يتحدث احد الأصدقاء من العلمانيين المؤمنين عن الخطب الدينية التي تلقى في المساجد والحسينيات وما يتخللها من نعي وبكاء وغيرها . فقال أن هؤلاء جهلة ولن تقوم لهم قائمة . يبدو أن هناك الكثير في مجتمعنا يدعون العلمانية والديمقراطية وقبول الاخر لكنهم ليس لديهم قدرة على أحترام عقل الاخر .

الاستعلاء على الاخر واتهامه بالغباء والجهل هو تصرف بعيد عن العقل الديمقراطي . وبعيد عن الفكر الليبرالي الحر . فالمحاضرة التي يتخللها نعي وبكاء هي بالنسبة لمن يحضروها قيمة عليا ولحضات تجلي مع الله يجب أحترامها طالما أنها لا تؤثر على الاخر . ومواليد الذكر التي تستخدم فيها الدفوف في غرب العراق هي ثقافة مجتمعية دينية يجب أحترامها وتفهم من يمارسوها .

من الغريب أن نجد ان نسبة من الملحدين والعلمانيين المؤمنين يتقبلون أي شيء يصدر من الغرب مثل مهرجان الطماطم في اسبانيا او مصارعة الثيران . أو غيرها من الثقافات الغريبة . لكنه لا يتقبل أي شيء من مجتمعه . لأنه باختصار يشعر بعقدة نقص من مجتمعه . يشعر بخزي غير مبرر من سلوكيات المجتمع . قد يقول قائل تلك عادات شعبية . وهذه عادات دينية مقدسة والمقارنة غير ممكنة . والواقع ان المقارنة ممكنة لاننا نتحدث عن عادات الشعوب ومدى مقبوليتها ومعقوليتها ولا نتحدث عن مصدرها .

ليس من حق أي أنسان أن يتهم مجتمع كامل بالجهل طالما ان ممارسات هذا المجتمع لا تؤدي الى ألغاء الاخر أو ايذائه . الجهل كل الجهل يكمن في عدم تفهم الاخر وعدم أحترام عقله . مع التحفظ على العادات التي تؤدي الى الايذاء النفسي والجسدي . والأفكار التي تثير ثقافة الكراهية .

العقل نسبي وأحكامه نسبية ومن يقول غير ذلك يضحك على نفسه . فما كنت اؤمن به قبل عشر سنوات أشعر الان أنه قمة في الغباء . وقد أقول نفس الشيء بعد عشر سنوات عن أفكاري الان . من الممكن أن تضحك على عقلي خدعة ساحر يجعلني ارى ما فعله حقيقة لا تقبل الشك . لكنها خدعة وخفة يد . العقل غير مأمون الجانب وأحكامه نسبية . ولا يجب أن يدفعك أيمانك بفكرة تجدها مطلقة الى الغرور . فقد تتغير قناعتك بعد أطلاعك على فكرة أخرى . كل العقول يجب ان تحترم مهما كان ما تؤمن به يبدو مثير للسخرية . فهو لا يثير السخرية في نظر المقتنعين به . أكثر ما يميز الشعوب السامية هو احترام عقول الاخرين وقناعاتهم وأفكارهم .

لا أشعر بالخجل من عادات قومي لانها عاداتهم . مثلما أن لكل الشعوب عاداتهم . ولا أشعر بالخجل من عقائد قومي لانها عقائدهم التي يؤمنون بها . من المخجل ان يشعر احدهم بالغرور لأنه (مؤمن) ملتزم قريب من الله أكثر من غيره أو لأنه (ملحد) يؤمن بالعقل والعلم ويرفض الخرافات .

الألحاد فكرة مختلف عليها كما ان الايمان فكرة مختلف عليها . كل عقل يعتنق أحدى الفكرتين عليه أن يعلم أن ما يؤمن به مطلق في عقله فقط ( الان على الأقل ) ونسبي بصورة عامة . وقد تتغير قناعته يوما ما وقد يتحول من الايمان الى الالحاد والعكس . تفهم الاخر وأحترام عقله هو معيار الرقي والتحضر . طالما ان أفكار الاخر لا تؤدي الى ألغاء الاخرين . المشكلة ليست في ان يرى الأنسان نفسه أفضل من الاخر فهذا أمر طبيعي . المشكلة هي أن يتعامل مع الاخر من منطلق انه أرفع وأسمى .

المصادر :
1- قصة تجاربي مع الحقيقة – المهاتما غاندي – (90-91)



#حسنين_السراج (هاشتاغ)      



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- سركال الأله ... 1
- زجاجة الويسكي والأمتحان الالهي
- ولا تحسبن الذين قتلوا
- وجهة نظر الخروف
- حاخام في بغداد
- معيار الشجاعة بين أطوار بهجت ومنتظر الزيدي
- التكبر والأستعلاء بين العقل الأيماني والتماهي مع الجلاد
- اللوطي الموجب والحصانة الاجتماعية
- الكلاسيكو السياسي
- قناة العراقية ... أنا ولي نعمتك
- برميل القدر
- الارض أسطوانية أرتفاعها ثلاثة أضعاف عرضها ... فلاسفة الأغريق ...
- جرائم أرتكبتها ... حين كنت حارسا لدين الله
- صولجان الألحاد وسيف الأيمان
- الألحاد من فكرة الى عقيدة ... أسماعيل أدهم
- الإنسان وحده تحدث عن الآلهة ودعا إلى الإيمان بها ... عبد الل ...
- الخمار المؤمن
- لو كان النبي محمد من الصين
- تخيل دولة عربستان لتفهم دولة كردستان
- حقيقة الله


المزيد.....




- الكويت تدين اقتحام وزير إسرائيلي المسجد الأقصى
- “نزلها واستمتع”.. تردد قناة طيور الجنة الفضائية 2025 على الأ ...
- كيف تنظر الشريعة إلى زينة المرأة؟
- مجلس الإفتاء الأعلى في سوريا.. مهامه وأبرز أعضائه
- الرئيس بزشكيان: نرغب في تعزيز العلاقات مع الدول الاسلامية ود ...
- ضابط إسرائيلي سابق يقترح استراتيجية لمواجهة الإسلام السني
- المتطرف الصهيوني بن غفير يقتحم المسجد الأقصى
- اكتشافات مثيرة في موقع دفن المسيح تعيد كتابة الفهم التاريخي ...
- سياسات الترحيل في الولايات المتحدة تهدد المجتمعات المسيحية
- مفتي البراميل والإعدامات.. قصة أحمد حسون من الإفتاء إلى السج ...


المزيد.....

- السلطة والاستغلال السياسى للدين / سعيد العليمى
- نشأة الديانات الابراهيمية -قراءة عقلانية / د. لبيب سلطان
- شهداء الحرف والكلمة في الإسلام / المستنير الحازمي
- مأساة العرب: من حزب البعث العربي إلى حزب الله الإسلامي / حميد زناز
- العنف والحرية في الإسلام / محمد الهلالي وحنان قصبي
- هذه حياة لا تليق بالبشر .. تحرروا / محمد حسين يونس
- المرحومة نهى محمود سالم: لماذا خلعت الحجاب؟ لأنه لا يوجد جبر ... / سامي الذيب
- مقالة الفكر السياسي الإسلامي من عصر النهضة إلى ثورات الربيع ... / فارس إيغو
- الكراس كتاب ما بعد القرآن / محمد علي صاحبُ الكراس
- المسيحية بين الرومان والعرب / عيسى بن ضيف الله حداد


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - حسنين السراج - الأستعلاء بين العقل الألحادي والعقل الايماني