ياسين الحاج صالح
الحوار المتمدن-العدد: 997 - 2004 / 10 / 25 - 09:54
المحور:
اليسار , الديمقراطية والعلمانية في المشرق العربي
كتب الأستاذ كامل عباس مقالا يعتبر الدعوة فيه إلى خط ثالث في سوريا وهماً، ويدعو إلى الاصطفاف إلى جانب الاميركيين الذين يمثلون "طرفا ديمقراطيا" يقف ضد "طرف استبدادي" مكون من "قوى عديدة من بينها القوى الأصولية إسلامية أو قومية او شيوعية داخل السلطة وخارجها تريد ان تلعب لعبة الوطنية...".
عباس، في مقاله المعنون "الخط الثالث وهم... يا عزيزي ياسين" (الحوار المتمدن، 7/10/2004) ، يرد على مقال لكاتب هذه السطور يتحدث، بصورة اساسية، عن الاستقطاب الحالي الذي ترتب على دخول الأميركيين كقوة تغيير في المشرق العربي (ماضي الخط الثالث ومستقبله في سوريا، الحياة، 3/10/2004) . وساغتنم الفرصة التي اتاحها مقال الصديق كامل عباس لتوضيح ما يحتمل أنه كان ملتبسا في مقالي، وكذلك لمناقشة قضايا التغيير والديمقراطية والسياسة والحالة الفكرية والمعنوية الراهنة في بعض أوساط المثقفين الناشطين السياسيين السوريين. وأود ان انوه ان الهدف من هذه المناقشة هو أن نمنح أنفسنا فرصة لتقليب النظر في شان إشكالي لا يقبل حلولا إيديولوجية ولا يقوم الانفعال والهوى فيه بغير دور مستشار السوء.
كان مقالي مخصصا لفكرة الخط الثالث في سياق الاستقطاب الراهن بين الاستبدادية المحلية الحاكمة والمراهنة على التغيير من الخارج عبر الغزو والاحتلال. لكن المقال استذكر بسرعة أول مرة استخدم فيها تعبير الخط الثالث في سوريا: بيان التجمع الوطني الديمقراطي في ربيع عام 1980. من جهته، يخصص عباس القسم الأكبر من مقاله للاستقطاب الحاد الذي شهدته سوريا في ذلك الوقت، ويقدم له قراءة لا تختلف عن قراءة السلطات السورية: "كان المطلوب من الرئيس الراحل أن يصلي في القدس, وكان حكمه ديكتاتوريا, ولكن في ظل نظام عالمي يحتمل الى حد ما وطنية أساسها توازن استراتيجي عسكري, في حين كان البديل [يقصد الإسلاميين] أسوأ بكل المقاييس". يريد عباس أن الإسلاميين السوريين كانوا اداة بيد أطراف خارجية ("الامبريالية الأميركية" و"الرجعية العربية" حسب بلاغة تلك الأيام) لدفع نظام الرئيس الراحل إلى زيارة إسرائيل وتحقيق تسوية معها على الطريقة التي سار عليها أنور السادات في النصف الثاني من السبعينات.
لا مجال للعودة إلى تلك الفترة، لكن يندهش المرء لا ستعادة هذه النسخة من التفسير التآمري للأزمة التي لم تعدد تتبناه حتى أطراف من النظام، ويندهش اكثر من أن عباس لم يستفد البتة من عدد غير قليل من الدراسات والكتب التي تطرقت لتلك المرحلة، ويندهش اكثر واكثر من ورود هذه النظرية التي تتهم الإسلاميين بالعمالة للأميركيين في سياق دعوة للاصطفاف إلى جانب... الأميركيين بالذات!
منهج الخط الثالث
يظن عباس انه ينتقد سياسة الخط الثالث للتجمع الوطني الديمقراطي حين يقول: "أخطأ التجمع في تحديد اتجاه الضربة الرئيسية لأن القوى القادمة كانت فاشية [يعني الإسلاميين] ولن تعطي ديمقراطية". بيد ان دلالة ظنه أهم من قيمة تحليله. فكلامه يكشف المنطق الذي يصدر هو عنه، دون ان يقول شيئا مفيدا عن الخط الثالث. ذلك أن عباس يصدر عن منطق الاستقطاب الذي فرضه النظام وخصومه الإسلاميون، ولا يتصور خيارا متماسكا إلا الالتحاق به أو بالإسلاميين الذين يصفهم بالفاشية. وهو بالمناسبة ما كان يصر عليه كل من الطرفين اصلا. بعبارة أخرى، لا يتخيل عباس بديلا لمن يعترض على خيار الإسلاميين غير القبول بخيار النظام، ولمن يعترض على نهج السلطة غير الالتحاق بالإسلاميين. وإنما بهذا المعنى أقول إنه يصدر عن منطق الاستقطاب ذاته لا عن محاولة كسره والتمرد عليه. وعلى أرضية هذا المنطق يفضل أن "يصطف" إلى جانب "دكتاتورية" قائمة ضد "فاشية" محتملة. ومن المفهوم، على هذه الأرضية أيضا، أن يحكم على من لا يلتحق بالنظام بانه يراهن على ان "يعطيه الإسلاميون ديمقراطية".
هذا خطأ. ذلك انه إذا كان هناك معنى واحد لسياسة الخط الثالث فهو أن نتصرف كطرف مستقل، وان نقترح على السوريين أفقا مختلفا عن اي من الخيارين العنفيين والفئويين الذين تمثلا، وقتذاك، في النظام والإسلاميين، وهو ما حاولت إيضاحه في مقالي الذي ينتقده عباس. وبالطبع يعني الخط الثالث اننا لا ننتظر ان يعطينا اي كان الديمقراطية. فهي شيء نعطيه لانفسنا ولا نتلقاه من احد.
بيد ان هناك مصدرا آخر لخطأ عباس في القراءة عدا انحيازه الإيديولوجي المسبق. هذا المصدر هو فهمه للخط الثالث كخط وسطي يمر على مسافة متساوية من الخصمين: النظام والإسلاميين قبل ربع قرن، ومن سماهما "طرف الاستبداد" و"طرف الديمقراطية" اليوم. هذا فهم ميكانيكي مفرط في التبسيط. فلو كان الخط الثالث كذلك لما احتجنا إلى بذل اي جهد: نترك لاصحاب الخطين الأول والثاني أن يتعبا نفسيهما في رسم خطيهما، ثم نأتي نحن "على البارد المستريح" ونرفضهما معا، ونقول إننا نحن الخط الثالث. غير أن الحصيلة لن تكون إلا خط تابعا (وجوهر فكرة الخط الثاث هو الاستقلالية) لأنه يترك للطرفين الأصيلين المبادرة المنتجة للسياسة، ويكتفي هو باستهلاك جهدهما، ثم يغلف ذاته المستهلكة بخطاب مزايد، ويطالب بتسميته خطا ثالثا.
الخط الثالث سياسة
ليس الخط الثالث بديلا عن السياسة؛ إنه هو ذاته سياسة. واعني بذلك انه اختيار وتدبير وحرية، وليس متوسطا حسابيا أو هندسيا لخطين أصيلين. والخط الثالث سياسة لا يمكن استنباطها من الخطين الأولين أو من اية مبادئ عامة ايا تكن. إنه يحتاج إلى كل ما تحتاجه سياسة رشيدة من وضوح في الرؤية ومن مهارات تكتيكية وحسن تقدير للحظة السياسية وتحليل صائب لخريطة القوى القائمة ومواهب قيادية وما إلى ذلك. ولا تستبعد سياسة الخط الثالث اقترابا وقتيا من الخط الأول او الثاني بما يعزز في المحصلة العامة استقلالها وفرص نجاحها.
ومعيار هذه السياسة ليس راي هذا الطرف او ذاك فيها، ولا ثمراتها العاجلة، بل تلبية مصالح الشعب السوري واقتراح سياسة متماسكة عليه تزيد من خياراته الاصيلة والحقيقية. وبنظرة سريعة إلى الوراء نتبين انه ارتسمت أمام السوريين ثلاثة خيارات متمايزة في أواخر السبعينات: خيار النظام، وجوهره إدامة سيطرة نظام الحزب الواحد وما يرتبط به من موقع امتيازي للتصرف بالثروة الوطنية والتفاعلات بين السوريين وتفاعلاتهم مع العالم؛ خيار الإسلاميين وجوهره فرض نظام حزب واحد إسلامي يحتكر السلطة والثروة ويسيطر كذلك على تفاعلات السوريين فيما بينهم وتفاعلاتهم مع العالم (لكان في موقع ما بين النظامين الإيراني والسوداني)؛ والخيار الوطني الديمقراطي الذي اقترحه وقتها التجمع، وكان رهانه أن يضمن للسوريين حرياتهم وحقن دمائهم وتمثيلا اكثر عدلا ودولة قانون وتماسكا وطنيا حقيقيا، لكن فرصه الواقعية كانت محدودة نظرا لضعف الطبقة الوسطى السورية ومحاصرتها بالعصبيات الطائفية.
من عبودية إلى أخرى
الحجة الأهم ضد الخط الثالث هي حجة الضعف: أنصاره أضعف من ان يشكلوا طرفا ثالثا. وهي حجة قوية جدا، وتكاد تكون مفحمة في الواقع. ولعل شعورا بالضعف هو الذي دفع عباس إلى نعت الخط الثالث بالوهم.
لكن هل نستخلص من ضعفنا ان نلتحق بأحد الأقويين: الغازي الأميركي أو الأنظمة الاستبدادية؟ سنكون في احسن أحوالنا بندا فرعيا على اجندتين رئيسيتين لا يشغل تحرر الشعب السوري واستعادة أرضه المحتلة ونهوضه الثقافي وتنميته الاقتصادية وكرامته القومية حيزا منها. وفي الأسوأ سنخذل مواطنينا مجانا على طريقة الجبهة الوطنية التقدمية (بعد التعديل او قبله) او على طريقة السيد فريد الغادري. ومن هذه الحيثية ليس ثمة فارق مهم بين موقع المرحوم بكداش (كعينة عن صنف اوسع) في استقطاب اواخر السبعينات، وموقع السيد الغادري (وهو ايضا عينة من تشكيلة أوسع) في استقطاب اليوم: هما معا يخذلان مطالب السوريين في الاستقلال والديمقراطية. فالأخير تابع اليوم للأميركيين بدرجة لا تقل عن سابق تبعية المرحوم بكداش للسوفييت. وهو ما يعني في الحالين أن تحديد سياسات السوريين متروك لغير السوريون، وأن هؤلاء لا يقررون مصيرهم ولا لزوم لهم في سوس أمورهم.
وخلافا لما يبدو ان عباس يظن فإن الالتحاق سيعني أننا نتحول من تحت دلف الضعف إلى تحت مزراب التبعية، اي إلى حيث لا نكون أقوياء "بعد انتهاء الأزمة" إلى بقدر ما يحركنا الإصبع الأميركي من وراء الستار. لكن هذا طموح جدير بـ "الأراكوزات" المتعطشين للسلطة، ولو بالوكالة، وليس تطلع من يكافحون من أجل حرية الشعب السوري وكرامته. ولا شك لدي أن فرص الديمقراطيين السوريين في التغلب على ضعفهم ستكون أكبر بقدر ما تكون مناعتهم أقوى على السير في ركاب كل صاحب سلطة وبقدر ما يكونون اكثر اتزانا ورصانة. لا شك ايضا ان الاستعداد للانقلاب على الذات، والعبودية للعقائد المطلقة والسلطات المطلقة، والتقافز بين التعصب الأعمى وبين "التحرر من الأوهام"، من اسباب ضعفنا المقيم.
وما أجده شخصيا مهينا وغير مقبول هو أن تزكية الالتحاق "بالطرف الديمقراطي" المزعوم الذي تقوده الولايات المتحدة يتبرع مجانا للأميركيين بكفاح الشعب السوري من أجل الديمقراطية. أي أن الأخ كامل يجود على أمثال دونالد رمسفيلد بتضحيات السوريين من أجل سيادة الشعب ومن أجل الدستور والحريات العامة واستقلال السلطات والحقوق الاجتماعية للأكثرية الاجتماعية المحرومة ضمن النظام الحالي.
وبدلا من التساؤل: لم نحن ضعفاء؟ كيف نصبح اقوياء؟ ما السبيل إلى بلورة قوة ثالثة تجسد الطريق الثالث؟ ما البرامج المناسبة. وما التحالفات المناسبة؟ بدلا من ذلك لا يقترح بعضنا تصورا للحرية غير الاختيار بين عبوديتين.
دمشق 24/10/2004
#ياسين_الحاج_صالح (هاشتاغ)
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟