راندا شوقى الحمامصى
الحوار المتمدن-العدد: 3221 - 2010 / 12 / 20 - 22:46
المحور:
العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
يعتبر الدين البهائي أحدث حلقة ضمن سلسلة الاديان العالمية المستقلة، فميثاق الله للبشرية منذ بدء الخليقة هو إرسال الرسل والأنبياء هادين ومرشدين، مبشرين ومنذرين رحمة بعباده ورأفة بمخلوقاته، وهذا ما يدلل عليه إرسال الرسل والأنبياء منذ الأول الذي لا أول له وسيستمر إلى الاخر الذي لا آخر له ما دامت البشرية قائمة على وجه البسيطة. فرسل الله هم الذين نقلوا المجتمع الإنساني من مرحلة إلى أخرى من التطور الروحاني والفكري والمادي، وبروح تعاليمهم تكونت الحضارات على مر العصور في التاريخ، وتقدمت العلوم والفنون والصنائع والاكتشافات والاختراعات التي أصابت البشرية في كل شؤونها. إنها حضارة دائمة التقدم والتطور. فالدين الإلهي هو العروة الوثقى التي لا انفصام لها، وهو الذي يعيد وصل الفرد بخالقه وصلاً حقيقياً بعد طول انقطاع، وينير له دربه المظلم بعد طول ترقب وانتظار.
ظهر الدين البهائي عام ١٨٤٤م، وعمّ نوره الشرق والغرب وانضوى تحت لوائه الملايين من مختلف الأجناس والأقوام والأديان والألوان ممن سمح لهم عقلهم ان يستنير قلبهم بالنور الإلهي بعد أن أزاحوا عن عيونهم غشاوة التعصبات القاتلة المدمرة المعيقة بجميع أنواعها، فتحرّوا حقيقة الدين وبذلك تبدد لديهم ظلام التقاليد والأوهام والخرافات والترّهات الموروثة بفضل دراستهم المعمّقة لمبادئه وتعاليمه. فباب الرحمة مشرع على الدوام أمام قاصديه بكل تجرد وأناب، ولن يغلقه الله أمام عباده الذين يحبهم ويحبونه، ولن يترك مخلوقاته يتخبطون في ظلام الظنون والتعصبات التي خلقت الأحقاد والنزاعات ثم الحروب المدمرة دون هادٍ وناصح أمين. ولا بد لجوهر الدين من أن يتجدد في القلوب بعد أن يطمسه صنيع الإنسان.
لقد خُلق الإنسان في أحسن تقويم، ومقامه عظيم لو سمح لعقله أن ينير قلبه بمحبة لله حقيقية حتى إنه لَيرى في كل مخلوقاته وجه الله، عندها سيجد في قلبه مكاناً للجميع من كل لون وجنس وعقيدة بلا استثناء. هذا هو جوهر الرسالة الإلهية، أن تصنع إنساناً على هذه الشاكلة، وتؤلف بين القلوب وتشكّل مجتمعاً يحكي عن صفات الله. فدين الله واحد إلا أن شرائعه متعددة تبعاً لحاجة الإنسانية المتغيرة ومدى قابلياتها واستعدادها في مرحلة من المراحل. فكلمة الله، وإن خبا بريقها في القلوب بعد مدة مقدّرة بمشيئة الله، إلا أن هذا البريق يتجدد بتقدير إلهي أيضاً بكلام إلهي جديد يعيد للإنسان إنسانيةً جُبل عليها، وفي مكنوناته فضائل إلهية يجب أن تظهر بفعل الكلمة الإلهية المحيية للقلوب والأرواح حتى تظهر معها عظمة الخالق وفضائله.
فمنذ ظهور الدين البهائي قبل أكثر من قرن ونصف والعالم بأسره يشهد طفرة لا مثيل لها من العلوم والإختراعات، ويعاني مصاعب ورزايا ومحناً وآلاماً لم يشهدها من قبل أيضاً، كل ذلك نجده يسوق الإنسانية نحو تكثيف جهودها الموحدة في مجابهة هذه الكوارث والويلات فيسوقها رغماً عن عنادها ليعيدها إلى وحدتها العضوية التي قُدّرت لها بمشيئة الحق منذ القدم. إن وحدة الجنس البشري هي محور مبادئ حضرة بهاءالله حامل الرسالة الألهية (الدين البهائي) وما الاضطرابات التي نشهدها اليوم سوى نهاية مرحلة مراهقة الإنسانية لتدخل بعدها مرحلة النضوج الفكري والروحي والاجتماعي حتى تنعم بالسلام العالمي الموعود في الكتب السماوية المقدسة، وهو وعد إلهي حق ولن يُخلف الميعاد.
بدأ التّاريخ البهائيّ بإعلان الدّعوة البابيّة في عام ١٨٤٤، وهي ذاتها تهيئة لقدوم دعوة أُخرى، تتحقّق بظهورها نبوءات الأنبياء والرّسل السّابقين، ألا وهي الدّعوة البهائيّة. وقد مهّدت الفرقة الشّيخيّة قبل البابيّة لهذا الحدث الجلل، بفضل عالمين جليلين من أئمة الشّيعة الإثني عشريّة. مرّت أحداث التّاريخ البهائيّ بمراحل عدّة لكلّ منها خصائص مميّزة، وإن كانت متّصلة بلا انفصام، بحيث لا يبين مدلولها الكامل إلاّ برؤيتها كوحدة متكاملة. ولكن رغبة في إيضاح وإبراز مغزى أحداث هذا التّاريخ الحافل، يمكن تقسيمه إلى دورتين: دورة البشير أو البابيّة، ودورة الظّهور أو البهائيّة، تسبقهما مرحلة إعداديّة تتمثّل في تعاليم الفرقة الشّيخيّة. هذا التّقسيم، وما ينضوي تحته من تقسيم أكثر تفصيلا، لا يحمل معنى خاصًّا، ولا يعدو عن كونه ترتيبًا منهجيًّا لدراسة التّاريخ وسهولة استيعابه.
مرحلة الإعداد أو الشّيخيّة
ساد في أوائل القرن التّاسع عشر بين أتباع الدّيانات المختلفة شعور باقتراب تحقّق نبوءات آخر الزّمان، المؤكّدة لرجوع المسيح، أو ظهور الإمام الغائب، أو مجيء المهدي المنتظر، وأنكر آخرون احتمال ذلك. وسط هذه التّكهّنات، ظهرت فرقة الشّيخيّة الّتي أسّسها الشّيخ أحمد بن زين الدّين بن إبراهيم الإحسائيّ، المولود بشبه الجزيرة العربيّة عام ١٧٤٣.
اهتمّ الإحسائي بإصلاح معتقدات الشّيعة: فقال بأنّ الإمام الموعود لن يخرج من الخفاء، وإنّما سيولد في صورة شخص من أشخاص هذا العالم، وإنّ المعاد يكون بالجوهر لا بالعنصر الترابيّ، فالجسد يبلى بعد الموت، أمّا الحشر والنّشر فيكون بالرّوح وهو من الجواهر. توفّي الشّيخ سنة ١٨٢٦ ودفن بالبقيع، بالمدينة المنوّرة.(۱)
تابع أبحاث الإحسائي من بعده تلميذه الشّيخ كاظم الرّشتي، وواصل رؤى شيخه في ظهور "الموعود" وعدّد لتلاميذه أوصافه وعلاماته، وأعلن في أواخر أيّامه أنّ تعاليم الشّيخيّة قد استوفت غرضها في التّهيئة لمجيئة، وأوصى تلاميذه بالتّشتّت بحثًا عنه. فما أن توفّاه الله حتى هاموا في أرجاء إيران بحثًا عن الموعود.(٢)
رسالة البشير أو البابيّة
كانت دروة البشير أو المبشّر قصيرة المدى، لم تتعدَّ ثماني سنوات، ولكنها حفلت بآيات البطولة، وتجلّت فيها روح الفداء بالنّفس والنّفيس في سبيل الله. ويمكن، لإبراز مغزى أحداث هذه الدّورة، تقسيمها إلى ثلاث مراحل: مرحلة الكشف، ومرحلة الإعلان، ومرحلة الاستقلال.
مرحلة الكشف
جرت معظم أحداثها في مدينة شيراز، وأهمّها كشف النّقاب عن أمر حضرة الباب، وإنْ بقي أمره طوال هذه المرحلة، منحصرًا في عدد محدود من أتباعه، بينما كرّس حضرته جهده لتلقينهم تعاليم دعوته، وإعدادهم للمهام الجسيمة الّتي تنتظرهم، وتنتهي هذه المرحلة باجتماع حضرة الباب بتلاميذه الثّمانية عشر، وإبلاغهم مهام كلّ منهم، وأمرهم بالتّشتّت في أنحاء البلاد.
تفصيلاً لهذا الإجمال، نعود بالأحداث إلى تلاميذه السّيّد كاظم الرّشتي. في غضون عام من انتشارهم بحثًا عن "القائم"، التقى أحد أئمتّهم، الملاّ حسين بشروئي، بالسّيّد علي محمد، أحد تجّار وأعيان مدينة شيراز، الّذي دعاه إلى منزله. وسرعان ما انبهر الملاّ حسين بشخص مضيفه، إذ وجده فذًّا في رقّته ووقار شخصيّته، فريدًا في وداعته وصفاء سريرته، جذّابًا في حديثه، قويًّا في منطقه، يأسر مستمعيه بسحر بيانه. وفي الهزيع الأوّل من تلك اللّيلة الخامسة من جمادى الأولى ١٢٦٠ﻫ - الموافقة لليلة ٢٢ مايو (أيّار) ١٨٤٤م – كشف السّيد علي محمّد لضيفه النّقاب عن حقيقة كينونته: إنّه هو الباب - وهو لقب يبيّن أنّه مقدّمة لمجيء "من يظهره الله" – ذات "الظهور" الّذي بشّر بقرب مجيئه الشّيخان، أحمد الإحسائي وكاظم الرّشتي، وجاء ذكره في الدّيانات السّابقة بأسماء وأوصاف متباينة في ظاهرها، متوافقة في جوهرها وحقيقتها.
في أوّل الأمر، ساور الشّكّ قلب الملاّ حسين، وهو أخصّ تلامذة السّيد كاظم، الملمّ بكلّ أقواله عن الموعود وأوصافه وعلاماته، وهو الفقيه الّذي أعدّ نفسه للتّعرّف على "الموعود"، فطلب الدّليل تلو الدّليل، حتّى نزلت في حضوره سورة "قيّوم الأسماء". رأى الملاّ حسين في الهيمنة، والاقتدار، والإلهام، المتجلّي أمام ناظريه، اليقين القاطع، والبرهان السّاطع على نزول الوحي، فأذعن إلى نداء الله، وكان أوّل من صدّق بحضرة الباب الّذي لُقّب أيضًا بالنّقطة الأولى، وحضرة الأعلى.
ولمّا بلغ عدد المصدّقين بالدّعوة الجديدة ثمانية عشر، معظمهم من تلامذة السّيد كاظم، اجتمع بهم حضرة الباب، وأمرهم بالانتشار في الأرض، مذكّرًا إيّاهم بأنّهم حملة لواء الله في هذا اليوم العظيم، وأمرهم أن يتحلّوا بصفات الله وأسمائه الحسنى، ويكونوا في أقوالهم وأعمالهم مصداقًا لتقوى الله وقدرته وجلاله. وأن يشهد حلّهم وترحالهم على نبل مقصدهم، وكمال فضائلهم، وصدق إيمانهم، وخلوص عبوديّتهم.
خرج حضرة الأعلى بعد ذلك حاجًّا، وبعد أن أعلن دعوته إلى شريف مكّة المكرّمة، عاد إلى مدينته، شيراز، ليواجه معارضة علمائها المستكبرين، وشرّ حاكمها العاتي.
(۱) أحمد عطية، القاموس الإسلامي، الجزء ٤، ص ٢٠٧، مكتبة النهضة، القاهرة ١٩٧٦.
(۲) المرجع السابق، الجزء الأول، ص ٣١.
ونتابع معكم في هذا المقال.........
#راندا_شوقى_الحمامصى (هاشتاغ)
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟